يا أرض انشقي وابلعيني

يا أرض انشقي وابلعيني

حاتم سلامة

 

زار الدكتور شوقي ضيف أستاذه العميد طه حسين، يوما ما ليقرأ عليه بعض الفصول في رسالته للماجستير، فسأله الدكتور طه عن رأيه في المحاضرة التي ألقاها في الجامعة الأمريكية؟ فقال التلميذ: كانت محاضرة طيبة، فقال طه متعجبًا: طيبة فقط؟ فقال التلميذ: كل ما تلقيه من محاضرات رائع، فاستغرق طه حسين في الضحك طويلا واضعا إحدى يديه على الأخرى، ثم قال له: ما رأيك في أنني ظللت أعد هذه المحاضرة في نحو شهر، أقرأ لها كتبا مختلفة حتى استوعبت موضوعها، وألقيت فيه المحاضرة التي سمعتها.

خجل التلميذ شوقي ضيف من أستاذه لأنه لم يكن يتوقع أو يطرأ على باله أن يُعنى هذا الأديب الكبير بالتحضير والإعداد لمحاضرته كل هذه العناية، وتعلم الدكتور شوقي هذا الدرس جيدًا حين قال: ” كان ذلك درسا رائعا تعلمت منه أنه لا يوجد عمل أدبي محاضرة أو غير محاضرة جدير بالتقدير مهما صغر حجمه دون أن يكلف صاحبه مؤونة مجهدة ومشقة متعبة، حتى طه حسين صاحب البيان الساحر الذي كان يخلب به مستمعيه، يتحمل جهدا مضنيا لا في بحوثه الطويلة وكتبه فحسب، بل أيضا في محاضراته”

وأقول أنا: إن ذلك من ذكاء طه، لأنه يحافظ على اسمه ومكانته التي نالها، فليس الأمر بمهارة الحديث وحده، وما يرتكن عليه من بيان وإلقاء، وإنما ابتداء بالعلم العميق الذي يستند إلى اطلاع وتحضير وإعداد.

لقد ضقت كثيرًا ببعض المحبين الذين إذا ما رأوني في محفل من المحافل أو ندوة من الندوات، وخلت بعض الفرص للحديث، إذا بهم يدعونني لأعتلي المنصة متحدثا، دون حساب أو ترتيب أو تحضير، أو إعداد نفسي لمثل هذا الموقف، مما أجد نفسي معه في حرج شديد، وموقف لا أحسد عليه.

أذكر أنني دعيت مرة للحديث في محفل كنت مدعوًا فيه للاستماع فقط، ولما سمعت المذياع يهتف باسمي، وقع قلبي في قدمي كما يقولون، وقلت في نفسي: (يا أرض انشقي وابلعيني) ماذا أقول وكيف أتكلم بل كيف أقف وأنظر إلى الناس وأنا لم أعد نفسي للأمر؟!

وخرجت للحديث و والله لا أدري ماذا قلت، لكنني أذكر أنني أتيت بكلمة من الشرق وكلمة من الغرب في وقت قصير مر علي وكأنه عمر طويل من الزمن.

إن إشكالية كثير من العقول والأفهام تتصور أنهم حينما يرونني أخطب وأرتدي المنصات الأدبية والفكرية، وأنني أكتب المقالات وأؤلف الكتب، أنني قد وصلت للدرجة التي أستغني فيها عن الإعداد والتحضير، وهذا خطأ فاحش، فأي عالم وأي متحدث وأي مفكر أو أديب أو ناقد، لابد له من التحضير مهما علا كعبه في العلم والدرس، لابد من التحضير حتى يستطيع أن يقدم ما يليق باسمه ومكانته.

أما المفاجآت المباغتة باعتلاء المنصات فهي عندي أبشع المواقف، وأسوأ المفاجآت، وبعضهم يتخيل بدعوتي للمنصة بصورة مباغتة للحديث، أنه هنا يكرمني، والحق أنه يضرني ويحرجني.

أذكر مرة أنني سمعت الأستاذ الدكتور محمود عمارة يتحدث أمامي عن هذه المشكلة التي تقابله، أنه لابد له من التحضير للموقف والندوة والخطبة، وأن بعض الناس يستدعونه فجأة للخطاب فيشق ذلك عليه، يقول هذا وهو أحد أعلام الدعوة في عصرنا الحديث، ويؤكد على ضرورة التحضير وأهميته، فليس المرء عالمًا بكل شيء، وليس في جوفه معين كل العلوم، ولا هو كالراديو الذي ما إن ضغطت زره حتى ينطق صوته، في أي وقت تريد وأي مناسبة تشاء.

وحينما كنت أرتاد الصالونات الأدبية في الفترة الماضية، لمست شيئا خطيرا جدا، وهو أن بعض النقاد الكبار لا يقرؤون العمل، ويرون قراءته مضيعة للوقت، وأنهم منشغلون بما هو أهم، وأذكر أنني كنت يومًا مدعوًا للمداخلة، وكان أحد النقاد الكبار يسبقنا في الحديث، فقلت: أستمع لأرى كيف يتناول العمل وهل سيقف على ما وقفت عليه أم لا؟

استمعت إلى الناقد، فلم أجد شيئا يقوله، وخيل إلى أنه قرأ المقدمة، وعرف موضوع الكتاب، ونظر إلى الفهرس فقط، وإذا به ينشئ محاضرة خطابية بأسلوب بليغ أخاذ حول الموضوع، بجانب مدحه للمؤلف بأنه مبدع وعبقري، الحقيقة أعجبني كلامه وأسلوبه، ولكنني بعد انتهائه، ساءلت نفسي: ماذا قال الرجل؟ وأين نقده للكتاب؟ إنه لم يقل أي شيء، إنه لم يقرأ أي شيء.!

ورأيت بعض هؤلاء النقاد أيضا يعتمد على أكلشيهات ثابتة، ومصطلحات براقة، يستخدمها في كل ندوة وإطلالة نقدية، وتوقن تماما أنه لم يقرأ من الرواية أو الكتاب إلى صفحة واحدة أو صفحتين، وأنه اعتمد على ثقافته في البقية، إذ عرف اتجاه الرواية، وأمعن في الحديث عنه.

علمت أن أحد الأساتذة الكبار، الذين كانوا يناقشون الرسائل الجامعية، قد سأله يوما أحد الأساتذة: يا أستاذنا هل تقرأ هذه الرسائل، فقال له: اعلم جيدا أن هذه الرسائل تصيب بالجهل من قرأها، فقال له كيف تناقشها إذن؟ قال له: أنظر في بعض صفحاتها، وآخذ فكرة عامة من الباحث وهو يوصلني بالسيارة، حتى أفهم محتواها وأتكلم بما عندي من مخزون.!

وهذا لا شك أعده خيانة علمية، فلابد من التحضير والقراءة حتى يؤدي المرء واجبه ويوجه الباحث ويفيده.

وأذكر حينما كنت في المملكة العربية السعودية، وقد زارها الدكتور أحمد زويل، وأقيم له محفل كبير ليلقي فيه كلمة، وفي اليوم التالي خرجت الصحف السعودية تنتقد الدكتور زويل وأكثر من كاتب سعودي عقبوا على كلمته في نقد لاذع، لأنه لم يقدم شيئا باهرا في كلمته، وتخيلوا أن الرجل كان سيدهشهم بالحديث عن المعجزات العلمية لكنه خيب آمالهم، وكان ذلك سبيلا للحط من مكانة زويل وهو الأمر الذي لا شك يستهويهم جدا وبقوة، ويبدو لي والله أعلم أن الدكتور زويل لم يأخذ الأمر على ما كانوا يأملون، إذ خيل إليه أنه ربما يتكلم كلمة خفيفة في محفل تكريم، فهو لم يسافر ليلقي محاضرة علمية، أو ليعقد ندوة حول اكتشاف علمي، لكن القوم كان انطباعهم على هذا النحو المشين.!

وختاما أقول: إذا أردت أن تضايقني وتضعني في موقف محرج، فما عليك حين تراني بين الجمهور في ندوة أو محاضرة من المستمعين، إلا وتنادي علي وتدعوني للحديث، لتكون ساعتها فعلا قد نلت مني أحسن منال، واستطعت أن تصيبني بحرج لا مثيل له، لأني لم أحضر شيئا لأقوله.

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: