وعلم آدم الأسماء كلها

منى مصطفى

كنت أبحثُ في نظرية العامل في النحو، والعامل كما عرَّفه الجرجاني لمن لم يقرأ عنه: “هو ما أوجَب كونَ آخرِ الكلمة مرفوعًا أو منصوبًا أو مجرورًا أو ساكنًا”، باختصار هو الإعراب!

وهذا الإعراب هو الذي جعل العرب تفهَم كلَّ تقديمٍ وتأخير على وجهه الصحيح في القرآن الكريم وغيره من أشعار العرب، وقد سبق سيبويه بجعل السبب في هذه الحركات (الإعراب) هو المتكلم… ثم نسَبه العلماء بعد ذلك إلى الفعل أو الحرف…

ومن يتأمَّل نظرية العامل هذه يجدها كالسلطان الآمر الناهي المطاع، وما الانحراف عنه بمستساغٍ، ومن ينحرف عن سلطانها يُعد شاذًّا، فهي توجِّه قواعد النحو وتَحسِم مسائل الخلاف، فوجودُ هذه النظرية بمنزلة القانون أو الخط المستقيم لضبط كلام العرب، نحوم حولها ولا نُفلتها، فبها يقع الحجاجُ وإثبات الحقائق، وفَهْم القرآن وتحديد الشرائع، بناءً على ما أَرْسَتْه النظرية من أصول كلام العرب

وكل ذلك ليس مقصدي من كتابة هذا المقال، فالنحو علمٌ واسع وله مراجعُه، إنما دراسة هذه النظرية أثارت في نفسي خواطرَ شتى، منها أنني كلما تدبَّرت قانونًا إلهيًّا وجدته انعكاسًا لقانون التوحيد الذي فطَر الله عليه الناس، فكلنا نُخلَق على الفطرة وهي التوحيد، ويؤكد ذلك كلُّ نواميس الكون، ونظرية العامل هذه – في نظري – إحدى هذه النواميس، فما اللغة بالأمر الهيِّن في خلق الإنسان وتكوينه، فأولُ ما تعلَّم آدم – عليه السلام – الأسماء، وهي لغة، وليست حِرفة يسد بها جوعه مثلًا! وأول ما نزَل من السماء على خاتم الأنبياء سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام هي (اقرأ)، كأن الله تعالى يرتِّب أولويات الإنسان، فليست الأولوية للبطن والفرج كما يطغى على أزمنة الانتكاس، بل علَّمه الأسماء وأمَره بالقراءة وهي لغة، كأنه يقدِّم العقل والعلم والروح على المادة

ثم اختار الله اللغة العربية وعاءً لتتمة رسالته إلى الأرض، فأنزل بها دستوره، ورسَم بأحرفها النورانية ومعانيها السماوية قوانينَ تحقيق العبودية لله الأحد، وحدود الفصل بين العباد.

فكأنني أرى في هذا التكوين المحكم للغة بقواعدها انعكاسًا لِما يجب أن يكون عليه المسلمُ، وكأن نظرية العامل هذه تقرِّب هذا المعنى وتقول: لا شيء بدون سببٍ، ولا عبثية في خلق الله، ولا ارتجال في وعاء رسالته إلى الأرض، فالأصل أن يكون هناك إله مطاعٌ، والأصل أيضًا أن يخطئ الإنسان ويخالف، ولكنه ينحرف بقدْرٍ، ثم ما يلبَث أن يجد في العودة لقانون الإله المطاع نجاته، وإلا كان شاذًّا أو منكَرًا، وكذا قواعد العربية قياسية مطَّردة وليست وصفية متغيِّرة مثل معظم اللغات، فهي بذلك تنسجم مع السنن الكونية الثابتة والمتجددة في آن واحد، ثابتة في أصل فكرتها متجددة بحسب معطيات كلِّ زمن! وكما أنه في اللغة لا يجتمع عاملان على معمول واحدٍ، فلا يجتمع معبودان في قلب مؤمن، بل تكون هناك معمولات كثيرة لعاملٍ واحد، كمخلوقات كثيرة للإله الواحد

وكأن اللغة أيضًا تُمتحن كما يُمتحن التوحيد! فهناك أعداء للتوحيد في كلِّ زمنٍ يَحيدون عن الحق ويمجِّدون الباطل، أو يُلبسون الباطل ثوبَ الحق بحديثٍ واثقٍ ووجهٍ لامعٍ وبِزَّةٍ مُخمليةٍ، ومصفقين كُثر راغبين أو راهبين وأبواق عالية، ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾ [المنافقون: 4]

وكذا جاء جماعة من النحاة طعنوا في قوانينها وحاولوا زحزحة رسوخها، إما تأثرًا بمذهب فقهي كابن مضاء القرطبي، أو تأثرًا باللسان الغربي كإبراهيم أنيس وإبراهيم مصطفى… ولا أعلم حقيقة إلامَ كان سيؤول اللسان العربي لو – لا قدر الله – استجاب الناس لرأيهم، فالمتخصِّص اليوم في اللغة لا يكاد يُبين بحركات صحيحة عن قصْده، فما بالنا بالعوام، ولكن مما يُعيد للنفس ثباتها، ويُشعل فينا مصباحَ الأمل من جديد أن الله جل جلاله تكفَّل بحفظ كتابه كما انفرد بتنزيله، ووعد أن يبلُغ هذا الدين ما بلَغَ الليل والنهار، وكأن هذا الوعد للغة العربية أيضًا؛ حيث تضاعَف عددُ دارسي اللغة العربية في العقود الأخيرة، ليتخطى 35 ألف طالب في أمريكا وحدَها، وأضعاف هذا العدد في الصين وغيرها، بحسب دراسة صادرة عن جمعية اللغة الحديثة MLA.

فاللهم لك الحمد أن جعلت القرآن مرجعًا خالدًا يَصُدُّ الهجمات المسدَّدة للغة، ثم الحمد لله الذي تكفَّل بحفظ كتابه ومن ثَم بحفظ قواعد اللغة، ولا عزاء للمرجِفين، والحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا أن جعل عبادًا من جنده يحبون اللغة كما يحبون التوحيد، ويَذودون عن حياضها كما كانت الثُّلة المؤمنة تذود عن حِياض التوحيد، والحمد لله على النعمة الكبرى أننا مسلمون بلسان عربي!

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: