وادي عبقر ومباريات الشطرنج

دكتور خالد سعيد

في مباريات الشطرنج إن اصطدمت بلاعب (فتوة) فستشعر أمامه بانعدام الحيلة ونفاد الأفكار، سيهزمك مرة ومرة ومرة فتكره اللعبة وتنصرف عنها، فمن ذا الذي يجد المتعة في تكرار الهزائم؟
وإن صادفت لاعبا هاويا قصير الأسوار ضعيف الحصون فستشعر بالاستياء والملل لغياب متعة التباري، وهكذا فأنت بين كراهتين، إما الشعور بالضعف أو الشعور بالسأم، وحينما تجد بين الكراهتين خصما لا هو بالصوان الصلد ولا بالكثيب المهيل فلن يشغلك ساعتئذ أمر الفوز والهزيمة بقدر ما تهتم بمتعة المراوغة واكتشاف الكمائن ونصب الشراك، وبعدها ستنسى الضعيف دون أن تشعر وستنسى (الفتوة) ببعض الجهد ولكنك لن تنسى أبدا ذلك الند الكفء.
اخترع الجاهليون أسطورة وادي عبقر، ذلك الوادي الذي تسكنه الجن ومردة الشعر ، وهو حديث خرافة كما تعلمون لكني أزعم أن ذلك الوادي موجود في منطقة ما.
وهذه البقعة السحرية قد يجتازها بعض الشعراء إلى حيث يظنون أن هناك ما هو أعظم منها؛ كي يكونوا (فتوّات) فيمرون ووفاضهم ملأى ويرجعون ووفاضهم خاوية.
ويحوم حول تخومها آخرون قصاراهم أن يقبضوا قبضة من أثر الرسول فيصنعوا عجلا له خوار.
وهناك من خاصة الخاصة من يقبعون فيها ويتخذون فيها قصورا وضياعا ويملئون الدنيا بموجعات القلوب ومُرقّصات الأرواح، فطوبى للماكثين بها.
إنها البقعة الساحرة بين الغموض والسطحية بين النص الفتوة والنص الهزيل وبين الفلسفة والتفلسف وبين الحكمة وادعائها وبين الغرام بالصورة والإقناع بالرؤية بين اللفظة الدبابة واللفظة الفراشة وبين سكرة الموسيقى وصداع النثرية بين قديم له جلال وحديث له غواية، إنها المنطقة التي يخرج فيها الكلام من حد الشعر إلى حد السحر ومن ضيق النظم إلى سعة الإبداع إنها العمق في رداء البساطة والنفاذ متوشحا بالوضوح.
تريدون مثالا؟ لا بأس، هيا إذن نلتقي أحد أكابر الحي الشاعر محمد ملوك في قصيدته( شظايا من لوح زمرد)
ذكر لي في حديث عابر أنه خطط للنص ورغم عجبي من فكرة التخطيط وربما إنكاري لها إلا أنني وجدت تحققها في هذه النص، فأن تخطط معناه أن تختار العنوان والإيقاع والقافية وترتيب الفكر قبل البدء.. معناه أن تنتصر ذاتك على ذات القصيدة وأن تجبر اللغة على الانصياع للخطة والسير وراءك معناه أن تكون قائدا وذلك لعمري مطلب عسير لا يؤتاه من يطلبه، إذ اللغة صعبة لا ذلول والقصيدة أكثر نفارا مما يظن بها.
العنوان، يا له من عنوان (شظايا من لوح زمرد)
يأخذك إلى عوالم الخيميائيين، واطلانتيس المفقودة وحجر الفلاسفة وتحولات التراب إلى ذهب وتحولات المادة إلى روح صوفية، وكأن الشاعر أراد أن يقول لك إن ألواح الزمرد الهرمسية قد تناثرت إلى شظايا يلتقطها التواقون إلى حكمة الأزل وأنه قد عثر على بعض الشظايا وها هو يصوغها دون أن يدعي أنه حاز الحكمة كلها وإنما هي شظايا من اللوح الشهير بين يديه يضعها بين يدينا
ويعجبني تقصده تنكير اللوح الذي يوسع من دائرة الدلالة كي يسمح بدلالة أخرى ترد على ذهن المتلقي وهي نفاسة الشعر وعلو ما يكتب من حكم زمردية القيمة.
اما القصيدة فيبدو لي أنها جاءت في لحظة تحول فكري وجداني يمر بها شاعر عرف حقيقة الدنيا وخبر أنه لا محالة مغلوب إن اتخذ الحياة عدوا أو تحدى أقدارها وتمرد على واقعها..شاعر يعترف بأخطائه الكثيرة ربما في الناس أو في المجتمع أو في الشعر أو في حقيقة الحياة، دون أن ينكر على نفسه حق المحاولة وثراء نتاجها، يرصد حزنه ويبثنا أمله دون أن ينسى أن يبث ألمه، شظاياه حديث عن التاريخ والحكمة وطريقة الحكم على الأشياء، حيث الوطن هو الإنسان والإنسان لا تكتمل إنسانيته من دون أخيه
وهذا يلج بنا إلى الحديث عن شعر الحكمة الذي هو غالبا ما يكون رسالة للغير ووصفا للعالم وروشتات للعلاج لا حديثا عن الذات ومن ثم فهي نصوص جافة منزوعة العاطفة لكن ابن عبقر لا يصنع ذلك بل تجد امتزاج الحكمة بالذاتية فتكون الحكمة صدى لما يعيشه وانعكاسا لما يعتمل في نفسه ذلك أنه يبدأ قصيدته بما أسلفت من حديث حول نفسه ينسحب على كل نفس لا سيما النفوس الشاعرة ثم الغوص في محنة الإنسان الحائر الذي ألقت به العنقاء على الطلل
وقد أردت في البداية أن أفكك القصيدة وأتناول كل لفظة منها لعلي أجد ترهلا أو تزيدا أو تكلفا أو سوء ترتيب فوجدت الرجل كأنما يستخدم ميزان الذهب في رصف التركيب وبناء العبارات ثم كأنه يهندس النص كله بما لا يسمح بأن تحل حكمة مكان أختها
وكأن فِكَره صفوفُ صلاة قام فيها إمامها
فقلت أتخير إحدى الحكم فغلبتني الحيرة حقا فأيتهن أحق وكلهن في الإبداع مدهش
يرمي لنا الشاعر من شظايا لوحه الزمردي حكما نافذة في بساطتها وأخرى تحار في تأويلها
فانظر إلى البساطة النافذة في قوله
كلي لأحبائي/ إلا أني/ أضع نقاطا /بعد الخونة/ لا أضع فواصل
قد أهجو/ فيكون الشيطان معي/ لكني /أستودعه القمقم حين أغازل
بعد هلال/ هذا القمر إلى بدر /فمحاق/ أما أنت فقمر/ من دون منازل
ثم انظر إلى حشد من الرموز أو الأقنعة في قوله
لكأني/ ألقت بي العنقاء/ على طلل لم أتبينه /سوى أن الذئب على الجبل/ وبالشعب طلول أخرى/ ولصوص قوافل.
ورغم أن مقطعه ذلك لا يكشف عن نفسه بسهولة ولكنه أيضا لا يحتبس عنك في قلعة وراء سبعة أبحر وعشرات السراديب ومئات المتاهات كما يفعل الفتوة الممقوت، وإنما هو بين يديك تتأول منه حسب ما يتيح لك التلقي وبقدر ما تعطيه من نفسك يعطيك من نفسه
فالعنقاء ذلك الطائر الأسطوري إن شئت هي الحياة وإن شئت هي القصيدة وإن شئت هي الوطن وإن شئت هي العنقاء ذاتها دون أن يقلل ذلك من جمالها …
وكذلك الطلول هي الطلول وهي الماضي وهي التراث وهي الزمن البائد وهي الأحلام الضائعة وهي الأفكار القديمة التي تجل أو تُزدرى بحسب نظرتنا لها…
والذئب والجبل ولصوص القوافل والطلول الأخرى والشعب
كل كلمة تنفتح أمامك على تأولات لا تنتهي
وربما يعن للمتلقي أن يشرب خمرها دون تأول فيسكر مما يتوهم، وسحر التوهم عندي أقوى وأشد من سحر التحقق
أما براعة الاختيار في اختيار المفردة المشحونة بالدلالات وطريقة نظم العبارة، فحدث عن لام الابتداء المقترنة بكأن التشبيهية وقل لي كيف كيف يمتزج المتيقن بالمظنون وكيف يستند المقطوع به إلى المشكوك فيه، وكيف اختار أن تلقي به العنقاء لا أن تلقيه، وكيف بث لنا حيرته وارتيابه في(لم أتبينه)
ثم عرّج على تناص مع القرآن والأساطير يشي بموسوعية واتساع اطلاع، واذكر صورا من أبكار التصاوير تنم عن عبقرية وسعة في أفق الرؤية
ولغة تنساب عذبة رقراقة لا تشعر بسطر قلق أو لفظ يتقلب على حسك التركيب
والقصيدة عامرة بما يمكن الوقوف عليه من آيات الفن وعلائم الإبداع أتركها للمتذوقين والنقاد وأضع القلم ليستريح ولأستريح من معاناة التلقي بعد الاشتباك مع نص ثري خالد لرجل لم يكتف بأن يكون ملكا حتى صار ملوكا.

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: