هل علينا أن نصدق كل ما يقوله ابن خلدون؟  

إبراهيم أحمد

جاء في مقدمة ابن خلدون نص بعنوان ((في أن الأمة إذا غلبت وصارت في ملكة غيرها أسرع إليها الفناء)) حيث يقول عبدالرحمن ابن خلدون “والسبب فيه ما يحصل في النفوس من التكاسل إذا ملك أمرها عليها وصارت بالاستبعاد آلة سواها وعالة عليهم، فيقصر الأمل ويضعف التناسل والاعتمار إنما هو عن جدة الأمل وما يحدث عنه من النشاط في القوى الحيوانية؛ فإذا ذهب الأمل بالتكاسل وذهب ما يدعو إليه من الأحوال وكانت العصبية ذاهبة بالغلبة الحاصل عليهم تناقص عمرانهم وتلاشت مكاسبهم ومساعيهم وعجز عن المدافعة عن أنفسهم بما خضد الغلبة من شوكتهم فأصبحوا مُغلبين لكل متغلب، طعمة لكل أكل”*
إن ابن خلدون يتحدث عن أحد أسباب الانكماش الحضاري من وجهة نظره :- وهى أنه إذا احتلت أمة ما، وملك أمرها غيرها، تضعف تلك الأمة؛ لفقدان أهلها الأمل وإظلام المستقبل أمامهم، وهذا يؤدي إلى استسلام تلك الأمة، فتفقد العزيمة ومن ثم عدم المقدرة على الدفاع عن نفسها.
وهذا يجعلنا نطرح سؤلا، هل وجهة نظر ابن خلدون صحيحة؟
في عصر ابن خلدون كانت الأمة القوية تستخدم أبناء الأمة المغلوبة عبيدًا وخدمًا لها وهذا من أسباب الانهيار وربما شهد ابن خلدون هذا في حياته، ولكن من وجهة نظري أن هذا أدعى لأن تتحرر الأمم وأن يتكاثر أبناؤها، سيجدون في البداية إحباطا، لكن سيخرج بعد ذلك جيل ينهض بأمته ويخرجها من كبوتها؛ فالضعف لا يدوم وكم سمعنا عن أمم استعبدت ثم قويت شوكتها وتغلبت على ضعفها؛ منها أمة الترك ((المغول)) وأمة الروس التي كانت تدفع الجزية للدولة العثمانية ثم تغلبت عليها بعد ذلك، وأمة الفرس كانت لها سيطرة على بعض المناطق العربية ثم كانت الغلبة للعرب وأصبح الفرس موالي لديهم ثم مالت الكفة للفرس مرة أخرى…
وقد سمعنا عن أمم كثيرة كانت منهزمة وتحررت بعد ذلك من داخلها وعلى يد سكانها الأصليين سواءً في عصر ابن خلدون أو قبله أو بعده ولنا في شعب مثل الشعب المصري نموذجًا على مدى تاريخه، حيث استطاع أن يقهر أغلب الذين احتلوه.
ومن الأشياء التي يختلف فيها كاتب المقال مع ابن خلدون قوله” وكانت العصبية ذاهبة بالغلبة الحاصل عليهم” إنه يقرر أن العصبية من مصادر القوة، لكنها في الحقيقة من مصادر الضعف التي قد تنهار أمة كاملة بسبها ما لم تكن لقبيلة معينة وكان الولاء لقومية واحدة
إن الأمة المتغلبة قد تنهار عندما يركن ابناؤها للراحة ويكون غرض سكانها جمع الغنائم
إذا فليس ما قاله ابن خلدون أمر حتمي يلحق بكل أمة ولكن قد يكون هناك عدد من المبررات التي دفعته لذلك.
إن ابن خلدون أرد أن يحذر متلقيه من تداعي الأمم وله في ذلك هدف تحذيري كي تُأخذ من ذلك العبرة حتى لا تضعف شوكة الأمم، وهناك هدف ثاني هو استنهاض الهمة واستنفار الشعوب المنكسرة في مواجهة مغتصبها الجائر إذا له هدف تحذيري وهدف استنهاضي،
وختاما فإن الأمة المستضعفة تعاني الكثير فما أصعب التبعية للغير ولعلى ابن خلدون ذاق ذلك وإن كان الأمر لا يبقى طويلا (( فالأيام دول)) وعلى كل فقد قدم ابن خلدون جهدًا كبيرًا يستحق أن يعرض ويناقش دون أن يسلم بكل ما فيه، وندرك أن مقدمته قد كتبت في ظرف تاريخي محدد.
—-
هامش
*مقدمة ابن خلدون، عبدالرحمن بن خلدون تحقيق د.حامد أحمد الطاهر، دار الفجر للتراث، القاهرة، 2004م، ص193.

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: