هل النقد الأدبي مواكب للإبداع

بقلم: د. سليمان جادو شعيب
لقد قيل قديماً بأن الأدب يسبق النقد، فلولا الأدب لما وجد النقد الأدبي، فالأدب صنعة إبداعية، والنقد هو الذوق لذلك الإبداع.
ومفهوم النقد الأدبي هو الفن الذي يتعلق بدراسة وتحليل وتفسير ودراسة وتقييم الأعمال والأنماط الأدبية في محاولة منضبطة، وإصدار الأحكام وبيان قيمتها ودرجتها، بحيادية وموضوعية، ويشترك فيها ذوق الناقد وفكره، لكشف وإظهار مكامن ومواطن الجمال والمحاسن، أو إبراز أوجه القوة من مواطن الضعف والخلل والقبح، أو بمعنى آخر تمييز الجيد من الردىء، والسلبي من الإيجابي.
والنقد الأدبي- في صورته المنظمة المنهجية – تال وتابع للإبداع الأدبي، فلا يمكن أبداً أن نتوقع أن نجد نقداً أدبياً لدى أمة من الأمم لا أدب لها، ومع ذلك نلحظ دائماً أن هذا الإبداع يلازمه نشاط نقدي في ذهن المؤلف أو المبدع، فالأديب المبدع والمتفرد هو أول ناقد لعلمه أو إنتاجه الذي يبدعه، ومن ثم فالنقد يعمل على تنقيح وتهذيب هذا العمل، سواء بالحذف والاختصار منه، وبالتقديم أو التأخير فيه حتى يكتمل ويخرج في صورته الأخيرة التي يود الأديب أن يرى القارىء أو المتلقي عليها.
ومهمة الناقد الواعي ثاقب النظر أن ينوه عن العمل والمنجز الجيد الرائع، ويبرز للقراء العمل الردىء، فالناقد يعد بمثابة وسيط بين الأديب والقارىء، يقوم بمساعدة القارىء على تذوق النص أو الجنس الأدبي الذي يرى النور، واكتشاف ما فيه من عناصر جمالية ومزايا وجوانب فنية، ونقاط قوية.
وللأسف الشديد فإن الحركة النقدية في عالمنا العربي تعد ضعيفة جداً، وليست كما هي في الحقبة الماضية، بسبب طغيان السياسية والاقتصاد على تلك الحياة الثقافية والفنية، بالإضافة إلى وجود ما يوصف بالشللية، فلم يعد النقد في عصرنا الراهن مواكباً للإبداع ، ثم إن معظمه تحكمه المجاملات والإطراء والعلاقات الاجتماعية، ويخضع لمواقف غير موضوعية مما يجعله – في نظري – غير معتبر إطلاقاً، أو لايعكس بشكل جيد حقيقة الإبداع . ففي الزمن الجميل كان لدينا نقاد أفذاذ، أمثال محمد مندور وعلي الراعي، وفاروق عبد القادر، وحسن المرصفي، وطه حسين، والمازني والعقاد، وغالي شكري، ولويس عوض، وعبد المنعم تليمة، ومدحت الجيار وغيرهم، وهؤلاء لم يتكرروا.
ولم يعد على الساحة الثقافية والأدبية سوي متخصصين قلائل يديرون أو يشرفون على الحركة النقدية، أمثال أستاذنا الناقد الكبير الدكتور حسام عقل، والناقد الكبير الدكتور رمضان الحضري، والناقد الكبير الدكتور أحمد فرحات، والدكتور القدير سيد شعبان، والدكتور المتميز عمرو الزيات وغيرهم ممن تصدوا للحركة النقدية في مصر، وفي الوطن العربي الناقد الأردني القدير فخري صالح، والمفكر المغربي الدكتور القدير محمد بن شريفة، والمفكر التونسي القدير محمد المديوني وغيرهم .
وللنقد حقيقة دور مهم في حياتنا الأدبية والثقافية والفنية، ولكن للأسف الشديد، أصبح النقد اليوم مهنة مستباحة، ولكل من هب ودب يشتغل في النقد دون أن يحمل مؤهلات نقدية حقيقية، على الرغم من أن أي ناقد لابد أن تكون قراءاته وثقافاته متعددة بدرجة كبيرة، وفي جميع المجالات حتى يكون مؤهلاً ليكون ناقداً متميزاً وجديراً بهذا اللقب .
ويحضرني هنا في هذا الصدد، مقولة أعجبتني للكاتبة الصحفية سناء البيسي رئيس تحرير مجلة( نصف الدنيا) سابقاً، حيث قالت: ” فقد كنت في بداية حياتي أحلم بأن أكون ناقدة تشكيلية ومسرحية، وعلى ذلك توجهت ومعي فهمي هويدي إلى زكي نجيب محمود، لكي أقول له: بأنني قرأت كثيراً وأريد أن أكون ناقدة لي رأي وفكر، فاكتشفت لكي أكون ناقدة يجب علي أن أقرأ لمدة خمسين عاماً حتى أكون مهيأة للبدء في النقد، على أن تكون قراءاتي للموسوعات وأمهات الكتب، لذلك جبنت وتراجعت وعدت إلى مجالي الأول” .
وأستطيع القول بأن النقد العربي إلى الآن لم يتبلور في حركة نقدية عربية خالصة، فهو يعج بالعديد من المذاهب والاتجاهات والآراء من مختلف الجهات، ويعتمد بصورة كبيرة على مذاهب النقد العربي .
نحن نريد حركة نقدية في الوسط الثقافي ترصد وتتابع وتقوم بآليات منضبطة رفيعة، وبفكر نقدي عصري متميز، وبتجرد وشفافية، وأمانة شديدة.
وأغلب النقد الموجود حالياً على الساحة الثقافية اليوم، ما يعرف ويسمى بالنقد الإنطباعي، وهو ليس نقداً أدبياً، وإنما هو متابعة يقوم بها صحفيون يعملون ويشرفون على الصفحات الثقافية بالصحف والمجلات السيارة، وهو لا يغني ولا يسمن من جوع، فهو يعرض فقط للأعمال الجديدة التي تفرزها المطابع وتصدر ، ويقوم بالتعريف بها لجمهور القراء فحسب .
أما النقد الانطباعي والأكاديمي فهو الذي يمثل إضافة للعمل الأدبي والإبداعي، ويثري حياتنا الثقافية والفنية .

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: