“هاكونا ماتاتا: حكمة الفيلم الأشهر في عالم ديزني”

بقلم الدكتور: أحمد رمضان العيسوي

مدرس مساعد بقسم اللغات الأفريقية (شعبة اللغة السواحلية) كلية الألسن – جامعة عين شمس

 

هاكونا ماتاتا، حكمة نغمـــها لذيذ     هاكونا ماتاتا، ارمي الماضي اللي يغيظ

انساه والمستقبل اديه كل التركيز     هذا هو البهريز الفلسفي هاكونا ماتاتا

أغنية “هاكونا ماتاتا” واحدة من أشهر أغاني الطفولة التي لها من الذكريات الجميلة عند الكثير من الأطفال والشباب أيضًا، جيل النصف الثاني من التسعينيات وأول الألفينات تحديدًا، وكنا نرددها مباشرة عند مشاهدة فيلم “الأسد الملك” المدبلج بالعربية، خاصة بالعامية المصرية، وهذا كان من أشهر أفلام الرسوم المتحركة في تلك الفترة. وهو من إنتاج شركة والت ديزني للرسوم المتحركة وأصدرته والت ديزني بيكتشرز. يعد الفيلم رقم 32 الذي تنتجه شركة ديزني، وخامس فيلم رسوم متحركة ينتج خلال الفترة المعروفة بـ”عصر نهضة ديزني”. الفيلم من إخراج روجر أليرز وروب مينكوف، وهو من تأليف إيرين ميكشي وجوناثان روبرتس وليندا وولفرتون. بدأ تطوير الفيلم في عام 1988، وبدأ الإنتاج في العمل عام 1991 بعد مرور بعض الوقت على سفر طاقم العمل إلى “متنزه هيلز غايت الوطني Hell’s Gate National Park” في كينيا لدراسة بيئة الفيلم وحيواناته.

عُرض الفيلم في 15 يونيو 1994، ونال قبولًا كبيرًا من مشاهديه الذين أشادوا بموسيقاه وقصته وموضوعه ورسومه. حقق مبدئيًا حوالي 763 مليون دولار، وأنهى موسمه كأكثر الأفلام إيرادًا في عام 1994، بل أعلى فيلم رسوم متحركة إيرادًا في المطلق. حصل الفيلم على جائزتي أوسكار لأفضل أغنية أصلية وأفضل موسيقى تصويرية، كما حصل على جائزة “جولدن جلوب Golden Globe” لأفضل فيلم موسيقي. اُقتبس منه الكثير من الأعمال؛ منها مسرحية الأسد الملك الموسيقية، وفيلم الأسد الملك 2: عهد سيمبا (1998)، والأسد الملك 3: هاكونا ماتاتا (2004)، والمسلسلان التليفزيونيان: تيمون وبومبا وقيادة الأسد الحارس. أعيد إصدار نسخة ثلاثية الأبعاد للفيلم عام 2011، وصدرت نسخة واقعية له عام 2019 والذي أصبح أيضًا فيلم الرسوم المتحركة الأعلى إيرادًا وقت صدوره.

في عام 2016، اُختير الفيلم للحفظ في السجل الوطني للأفلام بالولايات المتحدة من مكتبة الكونغرس نظرًا لدوره الثقافي والدرامي والترفيهي أيضًا. أُصدرت النسخة العربية من الفيلم باللهجة المصرية العامية في عام 1994 بأداء عديد من الممثلين المصريين المعروفين، وأُصدرت نسخة جديدة في عام 2003 حملت بعض التغييرات. وفي عام 2013 أعيد دبلجة الفيلم بالعربية الفصحى على غرار أفلام أخرى من ديزني.

في الحقيقة، لم تكن زيارة فريق عمل الفيلم لكينيا لمجرد دراسة البيئة وسلوكيات الحيوانات فقط، بل أرادوا أن تظهر الثقافة الأفريقية داخل أحداث الفيلم، وأن تكون صبغة واضحة على كثير من ملامحه. هذه الثقافة تمثلت بشكل أساسي في اللغة المستخدمة، وتحديدًا استخدام مصطلحات معينة ترتكز عليها صناعة الفيلم، والتي لا شك أنها تعلق في أذهاننا إلى الآن. نجد مثلًا الكثير من أسماء الشخصيات مأخوذة من اللغة السواحلية؛ فالشخصية الرئيسة التي يقوم عليها الفيلم هي شخصية “سيمبا Simba” ويعني هذا الاسم في السواحلية (أسد)، وشخصية القرد “رفيقي Rafiki” ويعني (صديق)، وشخصية “سرابي Sarabi” بمعنى (سراب)، وشخصية “بومبا Pumbaa” وهي اختصار لـ”Pumbavu” ومعناه (أحمق/أبله/ صغير العقل)، وشخصية “كوفو Kovu” وتعني هذه الكلمة في السواحلية (ندبة) وبالفعل كان له ندبة على عينه مثل أبيه “سكار Scar”، وشخصية “شينزي Shenzi” التي كانت من الضباع الثلاثة التي تخدم “سكار” ويعني الاسم في السواحلية (متوحش/أحمق/غبي/سئ السمعة). أيضًا، يذكر البعض أن شخصية “موفاسا Mufasa” تعني (الملك)، وشخصية “نالا Nala” تعني (هدية)، لكن في الحقيقة لا تتوفر هذه الكلمات في المعاجم السواحلية الحالية، لكن لا نستبعد بالفعل أنها مستخدمة في الثقافة الكينية وخصوصًا أن السواحلية المستخدمة في كينيا يمكن أن تختلف عن السواحلية المستخدمة في تنزانيا، ويأتي هذا الاختلاف أحيانًا في بعض الكلمات سواء في معناها أم حتى في نطقها. أيضًا، نذكر في حوار بين “موفاسا” و”سكار” عندما أطلق عليه لقب “تاكا Taka” وتعني في السواحلية (قمامة). إذا نظرنا في هذه الترجمات سنجد أن لها دلالات ترتبط كثيرًا مع مكنون الشخصيات ودورها في العمل الفني، وهذا بالفعل يفتح الباب أمام النقاد لتناول مثل هذه الجوانب بتعمق أكثر.

والآن نأتي إلى العبارة الأكثر شيوعًا والتي لا تزال تتردد إلى اليوم دون أن يعلم الكثير معناها: عبارة “هاكونا ماتاتا Hakuna Matata”. بالطبع نتذكر متى قيلت هذه العبارة، وكان الغرض منها هو التخفيف عن “سيمبا” المصاعب التي على كاهله حتى يترك وراءه كل الهموم والمشكلات ويتفرغ للحياة ومتعتها، لكن ومع ذلك لا نعرف ماذا تعني هذه العبارة.

“Hakuna Matata” هي عبارة سواحلية تعني (لا مشكلة/لا داع للقلق/لا عليك/لاتنع همًا(. تنقسم إلى كلمتين: الأولى “Hakuna” ومعناها (لا توجد/لايوجد، أو ليس هناك)، فالأداة (Ha) تستخدم للنفي وبالتالي فكلمة “Kuna” تعني (يوجد/توجد). أما الثانية “Matata” فتعني (مشكلات) ومفردها “Tata” أي (مشكلة). ويمكن أن يستخدم هذا التعبير بأكثر من صيغة: (Hakuna tatizo – Hakuna kitu – Hakuna shida – Hakuna noma)، كما يمكن استبدال كلمة “Hakuna” بالكلمات الآتية أيضًا (Hapana – Hamna). لكن جميع التعبيرات السابقة تفيد المعنى نفسه، وبالطبع الأشهر بينها هو “Hakuna Matata”.

“هاكونا ماتاتا Hakuna Matata” ذاع صيتها بشكل كبير في كل أنحاء العالم، حيث نجدها اسمًا لمطاعم ومحلات وفنادق، بل ومؤسسات ومواقع تجارية وغيرها. حيث يعد الاسم ملفتًا وجذابًا للعديد من الأشخاص، كما تلعب شهرتها دورًا كبيرًا في التسويق. ليس ذلك فقط، فبالنسبة للهجة المصرية نجد هذه العبارة طريفة جدًا في نطقها، لذلك يسهل تذكرها ونطقها. في الحقيقة، نحن جميعًا نحتاج لهذه العبارة في حياتنا، وأن نؤمن بأن لكل شيء نهاية، والعسير يأتي بعده اليسير بإذن الله. لذلك يجب ألا ننعى همًا زائدًا لمشكلات حياتنا، وأن نمنح أنفسنا راحتها ولا نثقلها بالهموم والمشاغل. نصيحتي لكم: “هاكونا ماتاتا”!

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: