نيفين الهوني سيدة الفصول الأربعة في” وطن التفاصيل “

بقلم القيثارة : شريفة السيد
بعد غياب 13 سنة عن النشر وقاصدة أرادت الشاعرة نيفين الهوني تسمية ديوانها الثالث (وطن التفاصيل)..
وبوعي كامل وقصدية تامة أرادت أن يضم الديوان 366 ومضة على عدد أيام السنة الكبيسة… ويمكننا أن نسميها 366 شهقة في كتاب الأحاسيس والأحلام المجهضة والرغبات الناعمة المكبوتة.. كتاب البوح الشفيف عن أحلام اليقظة مع طيف لا يمل مغازلة خيال الشاعرة…
366 يومًا لو قسمناها على أربعة فصول لكان الناتج (91) ومضة ونصف.. فأكملت الشاعرة كل فصل بمفتتح هو في ميزان العملية الحسابية يُسدّد النصف الباقي حسابيًا ليصبح مجموع الأنصاف (4) أي بمثابة يومين مكملين لــ 364 يوما، فكانت التتمة لأيام السنة كما أرادت..
وحيث إن عدد الومضات كان كبيرًا على حجم كتاب؛ فقد عادت وقسمت أيام الفصول الـ (91) ومضة على أيام الأسبوع الـ (7) فكان الناتج رقم الحظ لديها الذي هو رقم (13) وبالتالي سنجد في كل فصل (13) ومضة بعدد (52) ومضة في الفصول الأربعة.. اختصارًا لأيام السنة الـ 366…
تقوم العملية الذهنية في ترتيب البناء الفني للنصوص بدور كبير في الربط بين الومضات.. حيث كان العقل الباطن للشاعرة حاضرًا حضورًا قويًا وقت الكتابة.. ومع ذلك لم تتح للعقل فرصة الطغيان على المشاعر.. فجاءت النصوص رقيقة ناعمة خصبة غير جافة ولا صلبة..
فعندما جعلت من فصول السنة الأربعة عناوين فرعية لأجزاء الكتاب، وحين جعلت عدد الومضات يتوافق مع عدد أيام السنة، استطاعتْ أن تحدِث توافقا واضحًا بين الجو العام للفصول مع كل جزء في الديوان، لتجعلنا نعيش نفس حالتها من خلال المفردات المنتقاه بعناية، والتراكيب والصور التي صيغت بفن وحرفية عالية..
ولا شك بوجود ارتباطٍ وثيق بين تقلبات الطقس والظروف الجوية ومزاجية الشخص والتأثير عليه نفسيا.. فأفضل فصول العام الربيع والخريف وعلى النقيض فصل الصيف والشتاء..
وتؤكد الأرقام أن شهور السنة التي تزيد فيها نسبة الرطوبة وترتفع درجة الحرارة ترتبط بمعدلات عالية من القلق والاضطرابات النفسية..
فنسمات الربيع ترتبط بالعواطف الإنسانية الرقيقة، بينما حرارة الصيف وبرد الشتاء ترتبط بالانفعالات النفسية الحادة، والخريف مرتبط في الأذهان بالذبول والهدوء والسكون.
والشاعرة من هذا المنطلق تعبر عن الاضطرابات التي يمر بها العالم أجمع، حيث نعيش عصر اضطرابات نفسية وعراك مستمر وقلق وصدام مع الواقع المرير..
وليس جديدًا على الأدب العربي والشعر خاصة ظهور تأثير فصول العام على نفسية الأدباء وإبداعاتهم على شكل متفرقات.. ولكن الجديد هو جمع تلك الأمزجة المختلفة مع الفصول الأربعة في كتاب مُجمَّع، وإعادة هيكلتها بشكل مُميز، بالإضافة إلى تقسيمة جديدة وذكية، حتى أن الشاعرة استطاعتْ أن تجد مَخرجًا لطيفا للتناسق العددي الذي ذكرناه آنفا.. ما يدل على قدراتها في القبض على الموضوع، ووضوح الرؤية في ذهنها، وكأنها رسمتْ خريطة طريق لكتابها نابعة من مشاعرها الفياضة، ومزاجها المتقلب، المرتبط بذلك الطيف المشاكس الذي يداعب خيالها طوال الوقت.. مما يجعلني أطلق عليها (سيدة الفصول الأربعة….!)
::
تبدأ الشاعرة خط سير النصوص كما رسمته فآثرت البدء من فصل الخريف كالتالي:
1) حلَّ الخريف ( سطوة التفاصيل ) / 2) جاءَ الشتاء ( مواسم الغيث )
3) أزهرَ الربيع ( غواية الزهر ) 4/ ) قيظُ الصيف ( حصاد السعير )
على غير ما حدَّدهُ الفلكيون وعلماء البيئة (حيث يبدأون مواسم السنة الموسمية بالترتيب التالي :
1) الربيع 2) الصيف 3) الخريف 4) الشتاء
وكأن الحياة عند نيفين الهوني تبدأ بالجفاف والتساقط والخمول، وتُتبعه بالأعاصير والأمطار التي تروي الأرض العطشى، فتنتعش وتُزهر وتورق إثر خصب مفاجئ، وتنتهي بالتوهج واشتعال نيران العشق، فتتوقف الحياة تمامًا بين احتمالات: هل يعود الشتاء فيروي ظمأ الأنثى مرة أخرى.؟ أم ستحترق الغابات نتيجة التوهج والاشتعال وتحيلها إلى رماد.؟
أعطت نيفين للفصول أربعة عناوين جديدة بدأتها بفعل ماضي (حلّ/جاء/أزهر/ وشذَّ الأخير عن القاعدة فأسمته (قيظ الصيف) ربما لشدة قسوته ومرارة أحداثه ربما)
ثم أدلفت فأعطت لتلك العناوين الجديدة عناوين أخرى أكثر جدة بجوارها.. ربما لغزارة التدفق وعدم رضاها عن العناوين الأولى، لعاديتها وتداولها بين الناس في اليومي والعادي…
فأتبعتها بعناوين ثانية فرعية مقوسة بقوسين للفصول، تفسر نفسها بنفسها، كلها صيغت على تركيب واحد هو المضاف والمضاف إليه..
والملاحظة هنا أنها جميعها تصلح كعناوين لدواوين أخرى منفصلة.. ولكن الشاعرة فضَّلتْ ألا تكون عناوين الفصول مجرَّدة من الشعر؛ كنايات واستعارات ومجاز وبشكل رمزي وفكر ممزوج بالمشاعر، فلا تتشابه عناوين فصولها بأسماء فصول السنة المعروفة لدينا؛ لكي تقول: (أيها العشاق، ها أنذا أبتكر لفصولكم أسماء جديدة وعناوين مختلفة مرتبطة بمشاعركم فكونوا لها حافظين..! ) مؤكدة شاعريتها وموهبتها وسطوة الفن الرمزيّ الإيحائي لديها…
فمنذ بداية الديوان يصطدم القارئ بالدهشة الأولى عند مفتتح رئيسيٍّ يعتبر بمثابة الإهداء في جملة محورية تؤسس لماهية نصوص الكتاب:
(إلى رجلٍ علَّمني كيف أختصرُ العالمَ في قُبلة)
فهو إذن ديوان عاطفي بالدرجة الأولى، ولا تريد لذهنية القارئ أن تحيد عن هذا المضمون.
وفي هذه الافتتاحية المقصودة تتعمد الشاعرة تكثيف أفكارها ومشاعرها في سطر واحد، بل وتختصر كل أجواء وآليات العلاقة مع الرجل في قبلة؛ وكأن القبلة هي مُنتهَى طموحها وملخص أحلامها فيه، بل ويصبح الرجل لديها بقُبلتهِ هو مُختصَر العالم كله، لأنها ترى العالم من خلاله هو، بل وزيادة في الإمعان، ترى العالم من خلال قُبلته، باعتبارها المنبع الوحيد للسعادة، والدليل أنها تقول في ومضة أخرى:
غايةُ الرُّوح معكَ لقاء/ ومُنى النفس منكَ قُبلة
ولا حدود لحُلمِ المُرتجفِ أمامكَ لهفةً…!
ومرة أخرى أقول: تخضع ومضات نيفين لتفسير العلوم الحديثة للأدب والتي تؤكد وجود علاقة بين حالة النفس من حيث الاتزان الانفعالي والمزاج في اعتداله واضطرابه وسلوك الإنسان، وبين التغييرات الجوية من خلال تأثيرات كهرومغناطيسية كونية يتفاعل معها عقل الإنسان والجهاز العصبي، وتكون المحصلة النهائية تغييرات بيولوجية في جسم الإنسان مع حرارة الصيف وبرد الشتاء، وكذلك تغييرات نفسية في عقله تبدو في صورة اعتدال أو اضطراب في المزاج وتوتر أو استرخاء في الانفعال والسلوك..
ووطن التفاصيل يؤكد ذلك، ويعبر عن كل حالات نيفين الهوني المزاجية صعودًا وهبوطًا وغضبًا وسعادة وثورة وهدوءًا ولوعة وثباتًا ولهفة وصبرًا…. إلخ
فلنتأمل مفتتحات الفصول الأربعة
1) حل الخريف: ( سطوة التفاصيل )
في خريف العُمر حولتَني إلى سنبلةٍ راقصةٍ تتمايلُ نشوةً
بعدَما عبثتْ بها أعاصيرُ البَوحِ شوقا
وعصفتْ بها أعاصيرُ الشوقِ بوحًا.
2) جاءَ الشتاء: ( مواسم الغيث )
في صَقيعِ الليالي أكتبُك شعرًا وقصةً وروايةً
وإضمامةَ مِنْ بَوحِ الحكايا.
3) أزهر الربيع : ( غواية الزهر )
لك كلُ بوحِ النّبض في العيد
فراشاتٌ تزينُ بساتينَ خافقِكَ اليانعة
وتذكرُ أنَّ لكَ هُنا في الوشائح مِقعدًا
حينَ يفتقدُكَ يُقلبُ صفحاتِ الذاكرةِ المُمتلئة بكَ عباراتٍ وجُمَل.
4) قيظ الصيف : ( حصاد السعير )
حين تغازلُ عيني برسائلَ صباحيةٍ
من صبابة الشوق المعتق بين شفتيك سنينا
ثق بأنَّ حروفَكَ تذوبُ في أوردتي
فتسري دفئًا، يتغلغلُ في مسامِ الرُوح
ويزيلُ تلالَ الغُربةِ المُتراكمةِ همومًا حول خاصرةِ العُمر.
وبغض النظر عن نثرية الأداء في الكتاب، فإن لغةً شعرية فضفاضة ممزوجة بالخيال الجامح تكشف عن نفسها، وتدهش القارئ وتستدرجُهُ لتعاطيها برضا وقبول، لأنها لغة تخاطب القلب والوجدان والعقل في آن، حيث استطاعتْ الشاعرة حشد مفردات مناسبة لكل فصل، ونسجت منها صورًا فنية نابعة من تأثير أجواء الفصول، تشبيهًا ومجازًا واستعارات.. وفي جمل كبسولية وومضات سريعة تتواتر طولاً وقصرًا بحسب تواتر الإحساس وبحسب حالتها المزاجية.
وتأكيدًا على كلمة (التفاصيل) التي جاءت في عنوان الكتاب فالشاعرة مغرمة بتعدُّد الصفات وتعدد الجُمل الفعلية المضارعة وتعدد الحال، وزخم الصورة الشعرية والإيقاع الداخلي الراقص الذي تصنعُه علاقات جديدة بين الألفاظ؛ فنرى ونحس ونسمع ونتذوق ونشتم تراكيب جديدة مختلفة..
وما ينطبق على مفتتحات فصول الكتاب ينطبق على مُجمل النصوص.. فـ الهوني تكتب بيقظة المبدع وإحساس الفنان.. تكتب تفاصيل الروح وترانيم الجسد.. تعانق السماوات وتحتضن الألوان وتخاطب الجمال، تواكب الحداثة وتمتطي غير المألوف.. وتبتعد عن المباشر والعادي، وترقى بالجسد إلى حالة من النشوة المتصوفة، وكأن هذا الجسد خُلق من روحانيات رغم تفاصيل متطلباته المفهومة بين السطور… بدليل ما سنعرضه عن الصورة الشعرية في النصوص.
الصورة الشعرية في وطن التفاصيل:
تصنع الشاعرة صورها الشعرية من مصادر متعددة؛ فتنشئ علاقات جديدة تؤسس لفرادة ملحوظة. كما أنها تقدم صورها ـ مهما كان منبعُها ـ بنفس مستوى القوة والسيطرة والتحكم في كل مقطع.. ناهيك عن مصدر هام كمشاعر التوهج والوله والحرمان، والاعتصار والتصبر، والخمر غير المحرَّم، وفوح الياسمين، وأريج القهوة الذي ترتشفه قطرة قطرة.. فإنها تستخدم عيون المُدقق والباحث والفلكي والجيولوجي والبستاني وآخرين كُثر.
وفي الأغلب الأعم تستخدم الشاعرة القاموس الإيروتيكي المنتشر في كل فصولها تقريبا؛ مباشرًا وإيحائيًا؛ كالانتشاء/ الاشتهاء/ النشوة/ الرغبة/ الارتعاش/ الارتواء/ الارتجاف/ اللهفة/ التوهج/ الشهقات/ الحرمان المقدس/ المضاجعة/ أعاصير الاشتياق/ التوق/ الوله/ الاشتعال/ النيران/ المباغتة / اللثم/ التذوق/ الشبق/ فراش/ العطش/ التأوه/ زجاجة العطر المثيرة/ الصبوة/ الوسادة/ والقبلة بكل مشتقاتها/ القضم/ الارتشاف. تقول:
حين مساءٍ عابقٍ بأنفاس الشوق/ ومُشبَّعا بآهات الاحتياج
لوطنٍ من أحاسيس/ سأهدهدك هنا نبضة
حيث ستفترشُ كُلي/ وأدثرك ببعضي/ وتغفو..!
هذا هو النص الإيروتيكي الذي يلتحف الحياء، ويضع في اعتباره ردة فعل المتلقي..
صحيح أنها تستخدم هذا القاموس لإعادة صياغة مفردات الجسد أو لغة الجسد؛ فالوطن هنا هو الجسد بلا شك.. ولكنَّ عينًا لها تكون على البوح المتحرِّر والأخرى على المتلقي.. ولم تنتقص هذه الصياغة من شاعرية النص قيد أنملة، بل زادتها وقارًا ورقة وعفة.. رغم أن قاموسها الجسدي كبير ومتنوع كـ (العنق/ الأطراف/ الوجه/ الخاصرة/ الأوردة/ الشفاه/ العينين/ مسام الروح/ الوتين/ نهد/ الجيد/ الأهداب/ الوشائج/ أنف/ الجوف / اللسان/ الأصابع/ الأنامل.. تفترش كلي/ أدثرك ببعضي/ ضاجع كل حروف الأبجدية/الاشتهاء/ كل حرف هو أنا/ خاصرة العمر/ باقات من آهات وقبل/ سأحبو بين فنجان قهوتك وشفتيك/ نهد البوح المسائي/ قطعة الشيكولاتة بين أصابع طفل صغير تعاني الأمرين/ أنامل من اكتفاء كاذب/ ظمئة.!) ولكنَّ فيه ما يدل على براعتها في تجسيد الحالة الإنسانية، ورسم لحظات السعادة وكيفية الحصول عليها من خلال الحواس الخمس، حيث يعتصرها لقاء الحبيب ويشاغلها طيفه وقميصه ورضابه وأصابعه وقبلته التي تتمناها في كل الفصول.. تقول:
مُرٌ هو إحساسي معك/ أتذوقك كل ليلة غذاءَ ملكة
وأصحو بعدَك على صيام فقير
تكتب الهوني كل ذلك برشاقة القلم وعذوبة التعبير، وفي غير خدش للحياء مطلقا كما فعل القائلون بتيار الكتابة بالجسد، والذين استسهلوا المصطلح وساروا به على غير هُدى. وهنا يمكنني القول أن نيفين الهوني لا تكتب بالجسد؛ ولكنَّ الجسد هو الذي يكتبها ألحانًا ناعمة في سيمفونية راقية محتشمة، يحلو للمتلقي استقبالها والاستمتاع بها دون نفور أو امتعاض، لأن الشاعرة هنا لم تنزلق في بئر البوح المتحرر دون ضوابط… تقول:
في الشارع الخلفي للمنفى/ يُفاجئني قميصُك وهو يراقصُ طيفي
تحت وابل الشوق / المنصبِّ اشتهاءً /حدَّ الانتشاء.
حتى لو استخدمتْ لغة الحواس الخمس: كما في مفردات (الاستنشاق والتذوق والعطش والظمأ والقضم …الخ..) فلن يشعر القارئ بما لا يليق، ولن يتأفف من تعبيرما، بل سيشعر وكأنه في حرم الجمال؛ لأن الصّبغة الرّوحية هي الغالبة على الديوان.. تقول مثلا:
لأنك عطَّرتَ ليالي السَّهر/ استنشقوا طِيبكَ عليَّ / في الصباح
أو:
أتذوقك كل ليلةٍ غذاءَ ملكة
فكان من الطبيعي أن تنبُت صور الديوان من رحم الطقس والتقلبات الجوية.. تقول مثلا:
في خريف العمر
حولتني إلى سنبلةٍ راقصةٍ تتمايلُ نشوةً
بعدما عبثتْ بها أعاصيرُ البَوح شوقًا
وعصفت بها أعاصير الشوق بوحًا….
أو:
رغم مرارة السُّكون
مرَّتْ سحابتي الأولى
دونَ أن تُمطر
أو:
ولأنَّ الانتظارَ حارٌ
لم أحتملْ قيظَ الدقائق
وبعثتُ لك بعضًا من هجير الوقت
المتأجج في الوتين
أو:
لأن الشتاء قارصٌ هذا العام
امنحني دفئَكَ
لتزهرَ بيننا ياسمينةٌ
باذخةُ الأريج.
وهكذا تصعد الصورة الشعرية من خلال الطقس لتصطدم بأعاصير وسحب، وتنطق متأوهة من قيظ وهجير وتهبط لتتراقص، وتهدأ لتسكن وتميل لتحبو وتمطر أو لا تمطر، وتزهر لتورق، فتمنحنا أطفالاً من أريج… فلو أنَّ رسامًا ماهرًا أراد رسم فصول العام بكل تفاصيلها هذه ما استطاع توليد مثل هذه الصور الفنية الغاية في الرقة والعفاف والبراءة.
فيما تضيف دلالات الزمن والتوقيتات اليومية للديوان مذاقا آخر كالليل والنهار والشفق.. بداية من عناوين الفصول وحتى آخر ومضة. وينتشر ذلك في الكتاب كأن تقول: (أهِبُهُ انتشاء الصبر في الثلث الأخير/ لا تحلم الليلة بزهرة النيفين/ ويهدي الصبح أطفالا من أريج/ حين تشرق في أفق الزوال قصيدة/ شفق الذكريات/ أوان الحصاد) وكلها إشارت إلى تمكن الزمن من النصوص، وتخلص جميعُها إلى موعد الحصاد والقطف صريحة وغير صريحة.
أو عندما تقول:
حين أفقتُ اليوم بشفةٍ واحدة / لم أستغربْ
كنتُ أعرفُ أن لقاءَ البارحة / سيحتجزُ شفتي السُفلى بين أسنانه.
وتكشف الصور هنا بقاموسها المتعدد المصادر مدى انشغال الشاعرة بآلية الوقت والعمر، الذي يمضي بنا، وانتباهتها لمدى أهمية التوقيت والزمن في حياتنا وانتظارنا لِطَيْفِ الحبيب، فنضطر إلى أن نصنعه من خيال دافئ، في توقيتات غيابه المختلفة كي تستمر الحياة، ما يعجز عنه اليائسون، المحرومون من القدرة على التعبير عن مشاعرهم كتابة وإبداعًا.
كما كان للروحانيات دورٌ آخر في صناعة الصورة في نصوص نيفين فنجد مثلا:
(الحرمان المقدس/ النفس الأمارة بالحب/ لوح المعبد/ تعاويذ/ تراتيل/ تسابيح/ بتول) أو حين تقول :
على وتر من حُلم/ أهدهدُ ملاكي بتراتيل الاشتهاء
وحين حرمان مقدس / أهِبُهُ انتشاءَ الصَّبر
في الثلث الأخير

ولست أقصد أن مجرد وجود مفردات لها علاقة بالأديان يعبر عن ثقافة المبدع وحسب، ولكن المهم كيف قام الكاتب بتوظيف هذه المفردات، وإلى أي مدى استفاد النص منها.. فالحرمان المقدس ـ وهو تعبير مبتكر يخص نيفين ـ أظنه يرمز إلى الوصول إلى قمة الصبر والحبس والمنع. وتقديس الحرمان في مقابل تراتيل الاشتهاء يوحي بالترفع عن ارتكاب الحب دون رغبة الطرف الآخر. وفي ذلك قمة الصوفية والتعفف والتشبه بالروحانيين وكبح جماح النفس.. وهو نوع من الجهاد، وحمل النفس على الطاعة والامتثال دونما تأفف أو تضجر، حيث تجرُّع المرارات وتحمُّل الآلام، نزولا على حُكم الطرف الآخر بالبُعد والهجر والغياب..
ثم نصيب آخر من مفردات الطبيعة الخضراء والألوان المبهجة والعطور والفواكة والنباتات والزهور والسنابل والبراعم التي تورق ولهًا، والأقحوان، والياسمين، وزهرة النيفين، وشجرة العيد، والطيور؛ فنجد استخدامها لهذه المفردات، ثم تربط كل ذلك بالبساتين وبمواسم الحصاد..
وبتحليل الصورة في الومضة التالية:
(سأكتبكَ فوق لوحِ المعبد/ تراتيلَ بتول ظمئة/ وأسرقُ من تفاحةِ الصَّب
قضمةً بطعم أحلامٍ ترسمُكَ /على خارطةِ التلاقي / أوانًا للحصاد)
وهنا سنجد معظم ما سبق من مصادر الصورة متحققا في دفقة واحدة كهذه. وقد أرادت أن تكتب الحبيب فوق لوح المعبد كتراتيل عذراء بتول ظمئة، وتسرق من تفاحة الصَّب قضمة بطعم (أحلامٍ) ولم تحدد وصفا لهذه الأحلام التي ترسمه على خارطة التلاقي أوانًا للحصاد.. أنها أحلام مجهولة الهوية.
توظيف الألوان بصريًا في وطن التفاصيل:
الشكولاتة/الأضواء/ الثلج/ سحابة/ الزبد/ اللون المخملي/ أرجوانية اللون/ لون الغسق/ الأخضر/الأحمر/ وميض/ الخمر/ القهوة/ الصبح / ياسمين/ لجة/ ضياء/ الأسمر/ المتأجج …إلخ
كل هذه الألوان ـ صريحة ومستنبطة أو مفهومة ضمنا ـ تستحضرها الشاعرة للتعبير عن مشاعر مختلفة لتُنشئَ علاقة بصرية بين القارئ والنص.. كذلك لما للألوان من علاقة وطيدة بالأحاسيس وبالأفكار، وعلاقة وطيدة بالعلوم الطبيعية، وعلم النفس والدين، والإرث الثقافي والأدب والفن، والأسطورة. ثم باعتبار الألوان وسيلة جمالية في تشكيل الصورة.
والألوان في حياة الشاعرة تأخذ مساحة كبيرة من اهتمامها، وقدرًا من خبراتها الإدراكية بالحياة، لهذا جاءت الألوان هنا تعبيرًا عن انفعالات وأفكار ورؤى ذات دلالات نفسية أيضًا.. ولم تأت صدفة أو من فراغ.. بل كانت نبعًا أصاليا من منابع البنى الفنية والبلاغية في الديوان… تقول:
وأنتَ في لذيذ الحُلم السابع للتلاقي/ أحاول أن أكونَ نُدفَ الثلج / وغمامَ الشتاء
وأهطلُ رواءً على أوَّام الغياهبِ الشتوية.
وتقول:
الكل هنا / شجرة العيد / مضاءة وباذخة التزين
الأضواء خافتة / وفي أقصى المكان
قطعة الشكولاتة / بين أصابع طفلٍ مشاكس
تعاني الأمرين.
وبتأمُل النموذجين السابقين نجد أن ألوان (الثلج والغمام) تشير للون الأبيض رمز السلام والتفاؤل والهدوء والنقاء والبشارة، و(الشكولاتة) تشير للون البني رمز الاستقرار والأمان والارتباط بالأرض والوحدة والحزن والثقة والثبات والصدق..
هذان اللونان (الأبيض والبني) ألوان صريحة معروفة مسبقا، حيث يحضر اللون البني مع الشكولاته ويحضر اللون الأبيض مع الثلج والغمام بمجرد ذكرهما..
بينما شجرة الميلاد أو شجرة العيد ـ كما جاء في النص ـ مضاءة وباذخة التزين.. وهنا تحضر الألوان بشكل ضمني.. حيث لابد من تخيل ألوان مختلفة تزينت بها شجرة الميلاد.. فيلعب الإرث الثقافي والخلفية التاريخية لشجرة الميلاد دورًا في تحريك الذاكرة واستحضار الألوان التي تقصدها الشاعرة، حتى وإن كانت الإضاءة خافتة.
والشاعرة تريد للقارئ أن يشترك معها في إنتاج النص.. فهي لا تعطي كل ما لديها للقارئ على طبق من فضة.. بل تعطيه مساحة لإعمال العقل والبصر لفهم ما وراء التراكيب.. فلكي تصل إلى ما تقصد لا بد من إرجاع البصر كرَّتين هل ترى من فطور…؟
ناهيك عن الرمزية الشديدة في استخدام (قطعة الشكولاته في الركن البعيد/الهادئ بين أصابع طفل مشاكس تعاني الأمرين..)
تلك الصورة بالغة الرمزية والتي تشير بها إلى مشهد متكرر في ليالي رأس السنة؛ أنثى داكنة اللون تشبه لون الشكولاتة، في ركن بعيد وسط إضاءة خافتة، وهي بين أصابع رجل يشاكسها مشاكسة الأطفال، إثر علاقة لا بد أن تكون مشتعلة في ليلة الميلاد كالعادة، احتفالا بالعام الجديد.
إنها متعة الرمز وصدق الخيال واتساقه مع الواقع، لقطة لا ترصدها إلا كاميرا خبير، ولا يجيد رسمها سوى فنان كنيفين. فمن عنفوان المشاعر تنبت الاستدعاءات.. ومن هنا استدعت مشهد عاشِقَيْن وصوَّرَتْهُ ببراعة وتفوق. كما استدعت شخصيات تاريخية لخدمة أفكارها في الكتاب.
استدعاء الشخصيات التاريخية:
تقنية فنية تستهوي الشعراء والأدباء عموما، كقيمة جمالية ذات تأثير واضح في روح النصوص؛ للتعبير عن تجارب الأدباء.
وقد استفادت الشاعرة من قراءتها للتاريخ فاستدعت شخصيات تاريخية كـ (هارون الرشيد/ نيرون/ السلطان سليمان) كرموز دالة على القوة والغطرسة أحيانا أو للإشارة إلى العزة والعظمة والجاه.. وشخصيات دينية كـ (سيدنا أيوب/ والعذراء البتول..) لإبراز الصبر والعفة والطهارة.. والشاعرة تستخدم تلك الشخصيات من حيث عَلَمِيَّةِ الاسم، وليس عن طريق أقوالهم مثلا أو غير ذلك.. تقول مثلا:
حين يراودك الحُلم بأنك هارون الرشيد /تذكر أن بعضهن لسن جواري ….!
وهنا سندرك المغزى من ورود شخصية هارون الرشيد وجواريه.. فالشاعرة تقول للحبيب المتغطرس الذي يشعرها بالمسافة الفوقية أو تعزيز نفسه: ” لا تعتقد أنني سأكون جارية من بين جواريك لو كنت تفكر بأنك هارون الرشيد.. فأنا أيضا لدي من عزة النفس والعظمة والأبهة الكثير.. فلا يجرنك حلمُك لمثل هذا “.
تقول أيضا:
وفعلتها نيرون الليالي / أشعلتَ بي هجيرا / ليس ينطفئ
ثم ها هو نيرون، آخِر إمبراطور في رومانيا وكان عدوانيًا بطبعه.. ومن الصعب السيطرة عليه بسبب مؤامرات كانت تُحاك ضده لتقلده العرش في سن صغيرة.. وأشهر جرائمه على الإطلاق إحراق روما.. وقد جلس في بُرجه العالي يتسلى بمنظر الحريق والنيران تلتهم الأحياء حيًا حيًا، وهو يمسك آلة موسيقية ويغني أشعار هوميروس التي يصف فيها حريق طروادة..
هذه الشخصية بهذا العنفوان والجنون والتطرف في المشاعر، استدعتها الشاعرة لتجعل منها نِدًّا للحبيب الذي أشعل نيران الحب في قلبها وأذاقها مما فعل نيرون بروما… لقد فعلها وهو يجلس مستمتعا بفعلته.. ومستسلمة وصفت حالتها معه، لم تسأله لماذا أو ما هذا أو كيف سأعيش وسط ذاك الحريق المشتعل بقلبها أو أو أو..؟ فقط صوَّرتْ المشهد وأرسلته إلينا لنرى ما فيه من صفات البطل الحبيب، وقسوته وحرائقه التي ربما هي حرائق مستحبة لذيذة..
الغريب أنها لم تقل (حريقًا) بل قالت (هجيرًا) فالحريق يعني النار المتقدة الملتهبة.. أما الهجير فهو القيظ في منتصف النهار.. صحيح أن هناك وجه شبه بينهما من حيث الحرارة والالتهاب وعدم تحمل أثر كل منهما و و و.. لكنني أميل إلى كلمة حريق لأنها أشد وقعًا وأشد تأثيرًا بل وأكثر مناسبة لتركيب الجملة ، كذلك حين وصفته بأنه (ليس ينطفئ) بينما أفضل (لا) على ليس.
سيدة الفصول الأربعة في وطن التفاصيل:
ولما كانت الشاعرة مسيطرة على البنية الأساسية في الكتاب، ومتحكمة عقليا في الأفكار والصور والشكل والمضمون وطريقة العرض وترتيب النصوص وحجم الكتاب؛ رأيت أن أسميها سيدة الفصول الأربعة، التي تحاول تبرئة هذا الوطن من حِسِّيات ملتصقة به منذ بداية الخليقة..
هي الشاعرة القصيدة والصحفية القصيدة، إذ لا تنفصل شاعريتها عن الكتابة الصحفية من حيث الذهن المتقد والنفَس الشعري الحاضر بقوة، والصور الفنية المتلاحقة والرمز المتجذر في النص.
والخلاصة مرور كل فصول العام ولا يأتي هذا الطيف المشاكس، وفي آخر مسيرة الكتاب تقول وقد أنهكها الشوق وفاض بها العشق فتصرخ قائلة:
إنني أفيض صبابة أفلا تنهل؟
ولكنه لا يأتي … فتختتم الرحلة باااهة من البوح الذي لا يزال لديها منه الكثير ويائسة تقول
في آخر ومضة :
آهٍ من بوح
يُحَسٌّ ولا يُقال
وآهٍ من صُبح
يأتيني بطيفك دون وصال …………..!

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: