نوفيلا المكان في التراث العربي ” أدب الغرباء” لأبى الفرج الأصفهانى نموذجاً

بقلم: الأستاذة الدكتورة أميمة عبد الرحمن محمد

افتتاحية:
تحاول هذه الدراسة تأصيل الفن القصصى فى تراثنا الأدبى، والكشف عن بعض كنوزه السردية التى تؤكد أن النثر العربى القديم قد تنوعت أنواعه وأشكاله الفنية، بحيث تعد جذوراً لبعض فنون القص فى العصر الحديث. وذلك بما لا يدع مجالاً للشك فى القدرة التخييلية فى مجال الحكى لدى العرب.
وقد اقترن القص – فى العصر الجاهلى – بالأساطير والأخبار، ثم بالتاريخ والسير والمغازى والتفسير والحكايات والأخبار التى زخرت بها التفاسير وكتب التاريخ والموسوعات الأدبية فى العصر الإسلامى والأموى والعباسى، وغيره.
ثم تميز هذا الفن فى كتب سردية مستقلة أثبتت تأثير كثير من النتاج القصصى العربى الفصيح والشعبى فى الآداب العالمية مثل المقامات، وقصص الحيوان، والقصص الفلسفى، والأدبى (مثل قصص البخلاء والمجانين والعشاق)، والسير والحكايات الشعبية. وذكر فولتير – على سبيل المثال – أنه قرأ ألف ليلة وليلة أربع عشرة مرة قبل أن يكتب القصة.
من هنا فإننا نعني بدرس السرد فى كتاب “أدب الغرباء” لأبى الفرج الأصفهانى؛ لأهمية كل من المؤلف والكتاب فى هذا المجال. فالأصفهانى مؤلف متميز تمرس بفنون كثيرة فى الشعر والنثر، وهو مؤرخ ونسابة.. عالم بأيام العرب وتاريخهم وأخبارهم، كما أنه كاتب قصصى. وإذا كانت موسوعته الأدبية الكبرى “الأغانى” نسيجاً وحدها فى هذا المجال فى الأدب العربى، فإن “أدب الغرباء” نسيج وحده أيضاً فى السرد الروائى بما يتسم به من وحدة الموضوع والتماسك النصى. وهو من كتب التراث المغمورة المتميزة التى تستوجب أن تنال ما هو جدير بها من شهرة ودراسة.

***
الأصفهانى (10) مؤلفاً قصصياً:
يعد “أبو الفرج الأصفهانى” (284-356هـ) من أكثر شخصيات العصر العباسى ثراء وعبقرية، على نحو تتعدد فيه الأبعاد، والمتناقضات، فهو عربى الأصل (أموى من قريش)، فارسى المولد واللقب (من أصفهان)، بغدادى المنشأ، شيعى المذهب، عالم بأيام العرب وأنسابهم وسيرهم وأخبارهم ومغازيهم، أديب وشاعر وناقد، ومؤرخ أدبى ذو ملكة قوية فى الحفظ والرواية للحديث الشريف والسير والمغازى والأنساب والشعر والأخبار والخرافات، وصاحب ثقافة واسعة أحاطت بأطراف من علوم شتى. تتلمذ فى بغداد على أيدى كبار علمائها فى الشعر والأدب واللغة والنحو والحديث والتفسير والأنساب والأخبار والتاريخ. كان على صلة بأمراء الأمويين فى الأندلس.. يرسل إليهم بعضاً من نتاجه الأدبى، ويحظى بمكافأتهم وتقديرهم له، فى ذات الوقت الذى يلقى فيه حفاوة العباسيين به، وكان أكثرهم قرباً له الوزير المهلبى، وزير معز الدولة بن بويه، فانقطع إليه ومدحه، وعاش متنقلاً بين مراكز الحضارة والثقافة فى عصره مثل: بغداد وفارس وحلب.

وبالرغم مما تتسم به شخصية الأصفهانى فى جانبها الشكلى والنفسى من بعض المساوئ، فإن ذلك لم يمثل عائقاً أمامه فى علاقته بمجتمعه، وبكبار رجال عصره الذين قدموه فى مجالسهم، وأغدقوا عليه من تقديرهم وعطاياهم، إذ كان طريف النادرة، فكه المجلس، حاضر النكتة والبديهة، مخاف الجانب، مخشى البادرة، عالماً بالمثالب، ولعل ذلك كله ما رغب فيه علية المجتمع، وجعلهم يغضون الطرف عن تلك العيوب؛ نظراً لعلمه وتأدبه. ومعنى ذلك أن البعد العقلى أو الفكرى هو المفتاح الرئيسى إلى علاقته بالآخرين، خاصة الطبقة الراقية من الحكام والكتاب والعلماء، فكان بحق خير مؤرخ أدبى، وشاهد على كثير من قضايا عصره.
تشير ملكات التأليف عند الأصفهانى إلى تمرسه بفنون كثيرة مثل رواية الخبر، والقص، والتراجم، والتاريخ، والوصف، والموسيقى، والشعر ويمكن تصنيفها فى ثلاث مجالات رئيسة:
– الكتابة التاريخية مثل: الأغانى، ومجرد الأغانى، وجمهرة أنساب العرب، ومقاتل الطالبيين.
– الكتابة السردية مثل: أخبار القيان، والأخبار والنوادر، وأخبار الطفيليين، وأدب الغرباء.
– النظم، حيث يقال إن له ديوان شعر ولكنه ضاع.
وربما يمثل كتاب “الأغانى” العلامة الناصعة فى مجال ريادة التأليف القصصى، فالأغانى موسوعة ضخمة فى الأشعار التى تغنى بها المغنون، وما يرتبط بذلك من ألحان أو أصوات غنائية، والمناسبة التى قيلت فيها سواء أكانت سياسية، أم اجتماعية، والكتاب موسوعة أيضاً فى التراجم والسير، والرسائل والخطب، والأخبار والنوادر، ولوحات حضارية لحياة العرب فى البادية، وفى القصور، ومن ثم فهو أغنى كتب عصره لأكثر من ثلاثة قرون ونصف من العصر الجاهلى إلى العصر العباسى حتى وفاته (ت356هـ)، ويمثل الأغانى أحد نوعى التأليف فى نتاج الأصفهانى، وهو التأليف الموسوعى الذى يتسم بتنوع الموضوعات وتدفقها فى استطراد قد يفتقد الوحدة والتنظيم، ولكن تبرز أهميته فى كونه يجمع بين التأريخ الأدبى والتأليف السردى معاً، يقول الأصفهانى فى مقدمة كتابه: “وأتى – أى المؤلف نفسه – فى كل فصل من ذلك بنتف تشاكله، ولمع تليق به، وفقر إذا تأملها قارئها لم يزل متنقلاً بها من فائدة إلى مثلها ومتصرفاً فيها من جد وهزل، وآثار وأخبار، وسير وأشعار، متصلة بأيام العرب المشهورة وأخبارها المأثورة، وقصص الملوك فى الجاهلية والخلفاء فى الإسلام، تجمل بالمتأدبين معرفتها، وتحتاج الأحداث إلى دراستها… فما رتبناه أحلى وأحسن، ليكون القارئ له بانتقال من خبر إلى غيره ومن قصة إلى سواها، ومن أخبار قديمة إلى محدثة، ومليك إلى سوقة، وجد إلى هزل، أنشط لقرائه، وأشهى لتصفح فنونه(11). ويتضح من ذلك أن كتاب الأغانى من الموسوعات الأدبية الضخمة التى جمعت بين الخبر التاريخى، والسرد القصصى، بالإضافة إلى ماتضمنه من عيون النثر والشعر.
أما كتابه “أدب الغرباء” فيمثل النوع الآخر للتأليف عنده، إذ يتسم بوحدة الموضوع، وتماسك البناء. ويعد كتاب “أدب الغرباء” أحد النصوص القصصية التى تعود إلى فترة من أخصب فترات تاريخنا الأدبى، وترجع أهميته إلى: ــ أنه من كتب التراث المغمورة التى تستوجب الكشف عنها، ودراستها، وهو منسوب إلى أبى الفرج الأصفهانى ضمن كتبه التى أوردتها بعض كتب التراجم. غير أنه طبع لأول مرة منذ فترة قريبة، دون تحقيق أو دراسة، ولم ينل شهرة مثل سائر كتب الأصفهانى – رغم أهميته-، يقول الناشر: “أدب الغرباء من نوادر تأليف أبى الفرج الأصفهانى.. نشر لأول مرة فى بيروت سنة 1972م بعناية صلاح الدين المنجد، معتمداً نسخته الفريدة فى العالم، وهى النسخة التى تحتفظ بها خزانة صديقه علامة إيران، بديع الزمـان (فـروز نـفـر)، وكـان هـذا قــد أطـلعه عليها سنة 1965 وهى نسخة حديثة، مكتوبة بخط نسخى سقيم، فرغ ناسخها من نقلها يوم 14 جمادى الأولى 1293هـ”(12).
ويتميز الكتاب بوحدة القضية التى يعبر عنها من خلال نماذجه المختلفة. فالكتاب يتضمن أخباراً قصصية مجتمعة عن جماعة من البشر، لم تجمعهم مهنة أو صفة ما، وإنما يجمعهم – كما يبدو بداية من عنوان الكتاب – شجن مشترك وتجربة إنسانية، كتبت أقدارها على الإنسان، منذ مولده على الأرض إلى رجوعه إليها، غريباً وحيداً، لا يؤنسه سوى التواصل الروحى بين الأحبة فى عالمين متقابلين. وهذه الوحدة الموضوعية فى الكتاب تجعله خطوة متطورة فى مجال التأليف عند العرب – بل عند الكاتب نفسه.. – من التدوين المختلط الذى يسوده التداخل والاستطراد إلى التأليف المنظم المنهجى فى موضوع واحد، يجعله يتميز بقدر بكير من التماسك، والترابط المنطقى والبناء المحكم.
ــ إنه يقدم صورة للأصفهانى نفسه باعتباره أحد الغرباء الذين أعنتهم الغربة، وتنقلوا بين مدن عدة، ومن ذلك إقامته فترة مضطراً فى مدينة “باجسرا” لمحاصرة بنى شيبان لها(13). وكذلك غربته لفترة فى مدينة البصرة، وما نظمه من شعر فى ذلك “وكنتُ انحدرتُ إلى البصرة منذ سُنَيَّات. فلما وردتُها صعدتُ في الفيضِ إلى سكَّة قريش أطلبُ منزلاً أسكنه، لأَّنني كنتُ غريباً لا أعرف أحداً من أهلها، إلاّ مَنْ كنتُ أسمع بذكره، ولا آنسُ به. فدلَّني رجلٌ على خانٍ، فصرِتُ إليه، واكتريتُ منه بيتاً، وأقمتُ بالبصرةِ أيّاماً. ثم خرجتُ عنها طالباً حِصْن مَهْدي، وكتبتُ هذه الأبيات على حائط البيت الذي كنتُ أسكنه:
الحمدُ لله على ما أرى
من ضَيْعتي ما بَيْن هذا الورى
أصارني الدهرُ إلى حالةٍ
يعدَمُ فيها الضَيْفُ عندي القِرَى
بُدّلتُ من بعد الغنى حاجةً
إلى كلابٍ يَلْبَسون الفِرا
أصبح أُدْمُ السوقِ لي مأكلا
وصار خُبْزُ البيت خبزَ الشِرا
من بعدِ مِلكي منزلاً مُبْهجاً
سكنتُ بيتاً من بيوتِ الكرا
فكيف أْلفى ضاحكاً لاهياً
وكيف أَحْظى بلذيذِ الكَرى
سبحان من يَعْلَم ما خلْفنا
وتحتَ أْيدينا وتَحتَ الثرى
والحـمـدُ لـلـه على مــا أرى
وانـقطع الخـطْبُ وزالَ الـمِـرا
فما أدري أهو باقٍ إلى اليوم أم درس”(14).
ويورد فى موضع آخر من كتابه شعراً فى مدح آل المهلب، مما يشير إلى العلاقة الطيبة التى وصلته بهم: “وقال لى حمزة بن القاسم: قرأت على بعض قصور آل المهلب.
نـزلتُ على آل المهـلّب شـاتـيًا
غريباً عن الأوطان فى زمن المحْل
فـمـازال بـى إكرامُهـم وافتقارُهم
وبرُّهُــمُ حـتـى حَـِسبْـتُهُمُ أهلى” (15).
ــ إنه يقدم صورة حضارية متنوعة الخطوط والألوان للمجتمع العباسى، ولأنماط الحياة فيه، التى تعتمد فى جانب كبير منها على التنقل والرحلة، ولكن مع اختلاف طبيعتها وأهدافها من عصر عربى إلى آخر، وفق الأنساق الاجتماعية والثقافية السائدة. فتصوِّر كثير من الأخبار القصصية فى الكتاب بعض مظاهر الحياة الاجتماعية وقتذلك، مثل بعض أدوات الطعام وصنوفه، وبعض آلات العزف، وفنون من المسامرة وآدابها ومراسمها(16). وأهم القصور التى عمرت بها بعض المدن العباسية وأوصافها والتكلفة الباهظة لبنائها(17)، مما يعكس البذخ الذى عاشت فيه الطبقة الأرستقراطية المترفة. وما يقابل ذلك من الضنك الذى عاش فيه معظم طبقة العامة وجمهور الناس، ولذا تَحمل بعض الأخبار بعدا أيديولوجيا يتعلق بنقد الحكم، مثل نظام الحجابة، وسيطرة بعض الأسر الفارسية على الوزارة، مثل أسرة البرامكة وما أذاقوه للناس من قهر وبؤس. ويصور هذا النموذج الآتى بعضاً من هذه المخاطر المختلفة:
“يقال إنه خرج يحيى بن خالد يوماً من داره راكباً يريد دار الرشيد، فمر ببعض أفنية قصره، وإذا على الحائط مكتوب:
انعموا آل بَرْمَكٍ
وانظروا منتهى هِيَهْ
وارقبوا الدهرَ أَنْ يدو
رَ عليكم بداهيه
فوجم لذلك ورجع”(18).
ويقدم الكتاب أيضاً وفرة من الأخبار القصصية عن شخصيات كثيرة، منها ما هو واقعى معروف كبعض الخلفاء أو الشعراء(19)، ومنها ما هو مجهول عن أشخاص عاديين، ولكنهم جميعاً يشتركون فى بطولة جماعية تجسد دراما الغربة والاغتراب.
***
المظهر الدلالى:
يقدم الأصفهانى لكتابه قائلاً: (وجمعت فيه ما وقع إلى وعرفته وسمعت به وشاهدته، وأخبار من قال شعراً فى غربة، ونطق عما به من كربة، وأعلن الشكوى بوجده إلى كل مشرد عن أوطانه، ونازح المدار عن إخوانه، فكتب بما لقى على الجدران، وباح بسره فى كل حانة وبستان، إذ كان ذلك عادة الغرباء فى كل بلد ومقصد، وعلاقة بينهم فى كل محضر ومشهد”(20).
يستدل من هذا التقديم أن موضوع الكتاب يتمثل فيما سجله الغرباء فى غربتهم من كتابة – شعراً أو نثراً – على الجدران تدل على اجتيازهم المكان. وقد كان العرب – فى حياتهم – كثيرى الترحال، وتوسعوا فى الرحلة والأسفار، ولكنها اختلفت فى طبيعتها وأهدافها – بعد حدوث الامتزاج العرقى والحضارى فى العصر العباسى، مما نتج عنه كثرة أشكال الغربة والاغتراب.
وقد كتب الأصفهانى “أدب الغرباء” فى القرن الرابع الهجرى إبان ذروة الحركة العقلية، وغلبة قدر من الطابع الفلسفى على التأليف الأدبى فى الشعر والنثر، ولذا فمن المرجح وجود جانب من التأمل الفلسفى فى رؤية الأصفهانى عند تأليفه للكتاب.
والاغتراب فى اللغة من غربت الشمس غروباً: اختفت فى مغربها، وغرب: بعد عن وطنه، وأغرب فى كلامه: أتى بالغريب البعيد عن الفهم”(21). ومعنى ذلك أن للاغتراب دلالتين: الأولى: حسية، وهى الانتقال من مكان إلى آخر. والثانية: معنوية، وهى الإغراب فى القول. والدلالة العامة المشتركة بين المعانى الحسية والمعنوية تتحدد فى الإغراب والمغايرة أو البعد عن الأصل (الوطن أو اللغة)، أى ترك السهل إلى الصعب، ومن هنا عُدَّ الإغراب نوعاً من قسر النفس على ما لا ترغبه، وفى ذلك نوع من التضييق وبذل الجهد، وبذلك ينشأ أدب الاغتراب، باعتباره نوعاً من تجسيد واقع نفسى مؤلم وللتخفيف منه فى الوقت نفسه.
وقد رأى بعض الشعراء فى الاغتراب عن الوطن نوعاً من الإيجابية، يقول أبو تمام:
وطولُ مَقامِ المرءِ فى الحىِّ مُخلقٌ
لديباجـتَيْه، فـاغـتـرب تتجـددِ
فإنى رأيتُ الشمسَ زِيدتْ محبـــةً
إلى الناسِ أنْ ليست عليهم بسرمدِ
ويقول الإمام الشافعى:
تغربْ عن الأوطانِ فى طلب العلا
وسافر ففى الأسفارِ خمسُ فوائدِ
تفريجُ هَـمٍّ واكــتــسابُ معيشةٍ
وعلمٌ وآدابٌ وصحبةُ مــا جــدِ
ومعنى ذلك أن الغربة ليســـت سلبيـــة فى كل الحالات، إنما قد يكون لها جانب مفيد فى حياة الإنسان تماماً كــمــا أن الإغـــراب فى اللغة ليس كله نقيض الصحة والفصاحة، بل قد يكون الانحـراف عن النموذج اللغوى – وفق شروط خاصة – نوعاً من الإجادة أو التعالى.
وقد عبَّر شعراء آخرون – من ناحية أخرى – عن الشعور بالغربة بين الأهل فى الوطن، يقول طرفة بن العبد:
وظلـمُ ذوى القُربى أشـدُّ مضاضةً
على المرء من وقعِ الحُسامِ المهندِ
ويقول الشنفَرَى:
أقيمـوا بنى أمى صدورَ مطيكــم
فإنِّى إلى قـومٍ سـواكـم لأميـلُ
وبذلك فإن الاغتراب المكانى لا يتبعه بالضرورة اغتراب نفسى، وإنما المعَّول على الإحساس النفسى والتكيف مع البيئة المحيطة، سواء خارج الوطن أو داخله.. بعيداً عن الأهل أو بينهم.
والاغتراب مصطلح فلسفى تناوله كثير من الفلاسفة العرب مثل ابن عربى، والتوحيدى: الذى يطلق على الغريب الحق “أغرب الغرباء”، وهو الذى يكون غريباً وهو فى الوطن وبين الآخرين. كما تناول مصطلح الاغتراب فلاسفة الغرب مثل هيجل (أبو الاغتراب)، وروسو، وكانط. والاغتراب من أكثر المصطلحات دوراناً فى الفكر المعاصر. ويتعلق الاغتراب فى السياق النفسى/الاجتماعى بما يحدث للفرد من اضطرابات نفسية وفكرية وما يستشعره من غربة فى العالم، وفتور أو جفاء فى علاقته بالآخرين. كما يرتبط فى السياق الأدبى والفنى بالتعبير عما قد يعانيه الإنسان الحديث من غربة كونية، أو ما يحسه من زيف الحياة وعمقها، وما يلحظه على علاقات الأفراد بعضهم ببعض من سطحية واستغلال أو لا إنسانية. والاغتراب فى الأدب أداة كشف وفضح، وتوضيح ونقد لمشكلات اجتماعية مثل الاستبداد السياسى، والقهر والتعصب بمختلف أشكاله، إلى آخر هذه الأزمات التى انتشرت فى المجتمع المعاصر إلى درجة تتهدد معها سلامة المجتمع وسلامة الإنسان(22).
والاغتراب فى الأدب – فى جوهره وأغلبه – اغتراب نفسى فلسفى؛ نظراً لما يسود الحياة من قيم مادية قد تؤثر بالسلب على بعض العلاقات الإنسانية، وعلى علاقة الإنسان بالذات وبالوجود، وقد صور ذلك كثير من الأدباء قديماً وحديثاً.
ويوضح المثال الآتى من “أدب الغرباء” أزمة الاغتراب كما يعانيها بطل الخبر “وقرأت على فناء المسجد الجامع بمتوث، وهى مدينة بين سوق الأهواز وبين قرقوب، عند اجتيازى بها مكتوباً: حضر المؤمل بن جعفر فى شهر رمضان من سنة سبع وعشرين وثلاثمائة وهو يقول: كنا نسمع أهل العلم يقولون: فقد الأحبة، فى الأوطان غربة، فكيف إذا اجتمعت الغربة وفقد الأحبة، وجملة الأمر أن الذى عرفته من حال الدنيا أنه لا يفى فرحها بترحها، فقلت:
يا من على الدنيا يُجاذب
وعلى زخارفها يُغاضب
لا تطلبنَّ وِصالها
ليست لصاحبها بصاحب
بَيْنا تراها عنده
إذ فارقتْه ولم تُراقب
إنى خَبَرتُ حديثها
يا صاحٍ من طول التجارب

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: