نـادر والسُّنن الكَـوْنيـّـة  

بقلم: صلاح المكاوي
 أنهى (نادر) ترتيبَ أوراقه المُبعثرة وإجراءاته المُتعثّرة؛ كي يتقدم للعمل بشركة عالمية كبيرة فور تخرجه في كلية الآداب قسم علم النفس، ونادرٌ شابٌ طموح ذو خبرات عديدة ومهارات فريدة، يجيد بعد العربية لغاتٍ كثيرةً كالإنجليزية والألمانية والفرنسية؛ لذا فاق أقرانَه الخمسين المتقدمين لوظيفة رئيس قسم العلاقات العامة بتلك الشركة. إنه شابٌ عاقلٌ متزنٌ، يكبح جماحَ نفسه ويضبط زمامَ هواها، يمتلك قلبا فسيحًا يتسع براحُه لكل الناس، يحب الخيرَ ويرجوه لغيره، ويؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة، يضرب في الأرض يمنةً ويسرةً؛ يبذرُ الحَبَّ والحُب آمِلًا من الله العطاء والثمر، لا من مخلوقٍ ضعيفٍ مُفتقـِر.
استقرَّ نادرٌ في العمل وشرع في إرساء دعائم تلك الشركة ولمِّ شعثها وتضميد جراحاتها، وأجرى مسابقة لجلب عمال لها، فحضر عددٌ كبير من البُسطاء قد جاوزوا الخمسمائة، بيد أن المطلوب خمسة فقط!
تم اختيار المطلوب وشرع نادرٌ يهدِّئ من روع الباقين ويهدهدُ على قلوبهم بكلمات رقيقة، مُتمنيًا لهم الخير في مكان آخر، غير أن صاحب الشركة كان على النقيض تمامًا من نادر؛ إذ أخذ يهزأ بهم ويقلِّلُ من شأنهم، ثم زجرهم ونهرهم مُشيِّعا إياهم بألفاظ قبيحة كي ينصرفوا، إلا أنهم لم ينصرفوا آملين في الحصول على فرصة عمل، فأشار لرجاله بأن يطلقوا عليهم الكلب المُعلَّم؛ وهو كلب مُدَرَّب، ضخم كالحمار، مفترس كالأسد، بإشارة واحدةٍ له يُفزِع مَن أمامه، وبإشارة يمزقُ ملابسَه، وبأخرى ينشبُ مخالبه بلحمه ويُرديه أرضًا!
أطلقوه مصحوبًا بقهقهاتهم الصادرة من بطونٍ مُتخَمةٍ لم تشعر يومًا بالفقير الذي عضَّه الجوع، تتعالى القهقهاتُ ممزوجةً بالسُّخرية، والكلبُ على إثرها ينبحُ ويُثيرُ الرُّعبَ فيهم؛ ليفوز بوجبةٍ دسمةٍ من اللحم بعد نهاية المهمة، ينتشرُ الذُّعرُ ويعمُّ الهلَع بين المطرودين،
تكأكأتْ على الأرض ـ مذعورةً وتملَّكها الرُّعبُ ـ أم إبراهيم؛ تلك الأم المُعدَمة التي صَحِبت ولدها اليتيم والذي لم يكن له نصيب في تلك المسابقة، فغر الكلبُ فاه وشرع يعمل أنيابه فيها فاستغاثت بالله قائلة بعفوية: (ياااارب، مليش غيرك يارب.. مليش غيرك يارب ) وظلت ترددها من سويداء قلبها؛ لتتقي هذا الوحش الكاسر وتتحاشى أذاه، وأخذت تتقلب على الأرض مُبتعدةً عن أنيابه المشحوذة ومخالبه المسنونة!
ساعتئذ جُنَّ جنون (نادر) من هول الموقف، فهزَّت كلماتُها شجونَه وحرّكت توسُّلاتها سكونَه، وأخرج بتلقائية مكنونَه قائلًا لها: يُنجّيكِ الواحد الأحد..يُنجّيكِ الواحد الأحد، وإذ به يرفع حافظةً للأوراق (أكلاسيرًا) كبيرًا كان في يده ويهوي به على رأس صاحب الشركة بضرباتٍ متتاليةٍ أوجعته ونالت من كرامته أمام موظفيه؛ فاستشاطَ الرجلُ غضبًا وأرغى وأزبَد وكشَّر عن أنيابه، فما كان من المُداهنين إلا أن قيّدوه بالأغلال، وانهالوا عليه لكْمًا وأوسعوه ضربا مبرحا بالأيدي والأرجل، ومزقوا قميصَه وذلك مُجاملةً لرئيسهم!
لم يكتفِ المدير بذلك ولم يشفِ غليلَه ماحدث لنادر، بل وجّه إليه ذلك الكلب المُعلَّم كي ينالَ منه ويمزقَ لحمَه، وبالفعل بدأ الكلبُ المدَرَّب هذا بمناوشةِ نادر إلا أنه انتفضَ مُشهِرًا سبَّابته كالسيف في وجه الكلب قائلا له: أنت مخلوقٌ من مخلوقات الله وأنا مخلوق، وما فعلتُ مافعلت إلا دفاعًا عن الحق الذي أُمِرنا بقوله، وأنا أحسبُ نفسي من حواريّ رسول الله في هذا الزمان فهدئ من روعِك واثبُت مكانك.
ويالعجب ما حدث بعد ذلك!
لقد تخلى الكلبُ عن وحشيته تماما وأطبقَ فمه، وشرعَ يهزُّ ذيلَه امتنانًا لنادر ووفاءً له وربضَ أمامه مُذعنًا مُستسلمًا، ثم حاولوا معه مرة أخرى بتوجيهه لنادر، إلا أن السحرَ قد انقلبَ على الساحر، وانهال الكلبُ على صاحبه هجومًا ونباحًا واعتراضا على أوامره!
تسمّرَ الجميع في أماكنهم وأصابهم الذبول، وجحظت أعينُهم من الذُّهول، ولسانُ حالهم يقول:
ماهذا، أما زلنا في عصر المعجزات أم إنها الكرامات؟!
لابد أنها كرامةٌ من كرامات هذا الشاب، ياترى ماذا بينه بين ربه ليأتمر هذا الحيوان بأمره؟!
ولم يخلص لنادر ويتعاطف معه إلا واحد فقط من جملة الواقفين، وكان قد أشار ‘ايه نادر باقتفاء تلك المرأة ومعرفة حالها ومآلها، فسألها وعرف أنها من قرية ريفية قريبة من الشركة.
وعلى الفور تم استدعاء الشرطة، إلا أن صاحب الشركة عاجلَهم بقوله: لقد عفوتُ عنه؛ إنه شاب مبارك ولن نستغني عنه.
حكى صاحبُ الشركة تلك الحكاية المثيرة لأحد رجال الأعمال فأصابه الوجوم والذهول من هول ماسمع، فأراد أن يستأثرَ الأخير به للعمل معه في شركته وعرض عليه ذلك، فوافق نادر بشروط قائلا: لن أسمح بظلم أو استبداد في شركتك، وعليك أن تذهب إلى (أم إبراهيم) أولا لترضيتها، وعلى الفور ذهب إليها ليجدها فقيرة معدمة، فمنحها مسكنًا ريثما يبتنى لها بيتها المُتهدِّم، وقام بتعيين ابنها في الشركة، ثم عرض على نادر أن يضع لنفسه ما أراد من راتب، فاختار أقلَّ راتبٍ قائلا: أنا لا أتاجرُ بديني وعقيدتي، ثم ابتنى مسجدًا في الشركة، وقام بتطهيرها من المُفسدين والطامعين الذين يضجُّ بهم كل مكان، واهتم بالناحية النفسية والمعنوية للعاملين، وكذا سمتهم ومظهرهم الخارجي؛ لتنجحَ تلك الأُسس التي أرساها بعد ذلك نجاحًا مُبهِرا، وحققت الشركةُ أرباحًا غير مسبوقة جرّاء العدل الذي نشدَه نادر، وتراءت أمام ناظرية الآية الكريمة: ” وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى….”
وعلم يقينًا أن إظهارَ الحق وغلَبَتهِ يحتاجان إلى تضحيات وتضحيات، وأن من أخذ بالسنن الكونية وُفِّق للسُّنن الربَّانية،
ومازال نادرٌ سائرًا في طريق الحق مُتدرِّعًا بسلاح الإيمان بالله واليقين فيه.

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: