نشأة الأدب الروسي بين الديني و التاريخي بقلم الأستاذ الدكتور محمد نصر الدين الجبالي

نشأة الأدب الروسي بين الديني و التاريخي

 

الأستاذ الدكتور محمد نصر الدين الجبالي

أستاذ الأدب الروسي و عميد كلية الألسن جامعة الأقصر 

 

تعود أصول الأدب الروسي القديم إلى القرن الحادي عشر الميلادي ويعتبر بذلك أحد أقدم الآداب العالمية. كانت روسيا في تلك الفترة تعيش بمعزل عن التحولات الجارية في أوروبا. وانعكس ذلك على الأدب وغيره من الفنون. وتعود أصول الأدب الروسي إلى الثقافة اليونانية وارتبط ذلك بانتشار الديانة الأرثوذكسية في روسيا في تلك الفترة. وكانت اللغة الروسية المعروفة في تلك الفترة هي اللغة السلافية الكنسية واعتمدت على اللهجة البلغارية التي كانت متداولة حينها في أطراف سالونيك. وكانت لغة الروس والرومانيين كذلك. وقد تأثرت هذه اللغة بنظيرتها اليونانية ومن هناك جاءت وفرة المفاهيم في اللغة اليونانية التي تحمل نفس المعاني وفي شكل الكلمة في اللغة السلافية. وكانت اللغة الروسية السلافية في بداياتها لغة فنيه وكانت تختلف تماما عن اللغة الدارجة حينها، ومع الوقت ازدادت السمات الفنية وتعرضت اللغة الدارجة للكثير من التغيرات. وبقيت اللغة السلافية الكنسية كما هي بل اقتربت أكثر فأكثر من اليونانية. وعملت أجهزة الحكم والإدارة في الأقاليم المختلفة في روسيا على تطوير أشكال من اللغة أكثر قربا من لغة السكان المحليين ولذا نجد اللغة تختلف من مكان إلى آخر في روسيا. ومع نهاية القرن الخامس عشر أصبحت لغة إمارة موسكو هي اللغة الرسمية للإمبراطورية وكانت هذه اللغة تختلف عن اللغة الفصحى بشكل كبير. فقد كانت اللغة الروسية المتداولة متحررة من الألفاظ الكنسية واليونانية، وكان تركيب الجملة فيها بسيط جدا والحصيلة اللغوية من الألفاظ ضخمة. واتسمت اللغة الروسية حينها بكونها معبره وقادرة على التصوير والوصف غير أنها لم تكن لتصلح بديلا للغة السلافية الكنسية القديمة. ولم تكن تصلح للاستخدام في الأغراض الأدبية. حيث استخدمت اللغة الروسية للمرة الأولى للأغراض الأدبية في الربع الثالث من القرن السابع عشر الميلادي وذلك على يد المبدع العظيم القديس أفاكوم.

ولم يكن الأدب في تلك الفترة من المهن المتعارف عليها في روسيا القديمة ولم يكن هناك كتاب أو أدباء. وكانت القراءة وجمع الكتب من الأشياء التي تلقى احتراما كبيرا إلا أن الأعمال الأدبية لم تظهر إلا عندما برزت الحاجة إليها.

ولم تكن الأعمال الأدبية تحظى بمكانة كبيرة في تلك الفترة ولم تكن من أولويات القراء في روسيا القديمة. كان القراء يبحثون في المقام الأول عن الكتب التي تتحدث في المقدسات والمواعظ الدينية. ومن يريد أن يقرأ في الفلسفة فإنه يتوجه إلى الإنجيل. كما كانت الطباعة مكلفة وهو ما أثر بالسلب على انتشار الكتب. وكانت المخطوطات هي الوسيلة الشائعة حتى منتصف القرن الثامن عشر. فقد كانت روسيا تعيش حياة القرون الوسطى حتى تولى الإمبراطورة يكاترينا التي عملت على تطوير بلادها وهو ما انعكس على سوق صناعه الكتب أيضا. ويرجع السبب في فقر الأدب الروسي نسبيا في تلك الفترة إلى ارتباط الثقافة الروسية القديمة أكثر بالعمارة والرسم مقارنة بالأدب. ولذا عادة ما يتم تقييم تلك الفترة من حيث الانجازات التي تحققت في مجال الفنون جميعا وليس الأدب وحده.

وتعد الطقوس الدينية أكثر المصادر تأثيرا على الإنسان في روسيا القديمة. وعلى الرغم من محاولات السلاف في جنوب روسيا في القرن العاشر الميلادي محاكاة اللحن والإيقاع في اللغة اليونانية، غير أن الطقوس الدينية الروسية القديمة لم تستجب لمحاولات قرظها شعرا. ولذا لا تحظى الأشعار التي بقيت من تلك الفترة بأهمية كبيره.

وفضلا عن الإنجيل وكتب الطقوس الدينية كانت كتب القديسين تحظى بأهمية كبيره وكانت عادة عبارة عن سرد لحيواتهم. وأهمها كتاب حياه القديس ذهبي الفم. وكان معلما عظيما ومتحدثا بليغا. كما حظي القديس يوحنا الدمشقي بمكانة رفيعة أيضا.

وقد انتقل مركز الإمبراطورية الروسية القديمة إلى مدينة كييف في الفترة من القرن العاشر إلى منتصف القرن الثالث عشر الميلاد. وبرز في تلك الفترة طبقتان اجتماعيتان كان لهما السيادة وهما طبقة سكان المدن وطبقة الارستقراطية العسكرية. واتسم الأدب والفن في تلك الفترة أيضا بالطابع الديني. حيث خضع العسكريون لنفوذ الكنيسة، ولم تشهد تلك الفترة سوى عمل أدبي واحد كبير يمكن أن يعتبر من الروائع فعلا، ألا وهو الملحمة الشهيرة “حملة الأمير إيجور”

وقد تم العثور على هذا الكتاب في عام 1795م، حيث عثر عليه أحد النبلاء في البلاط الإمبراطوري ويدعى أ. موسين بوشكين. وقد تم نسخ نسخه من الكتاب خصيصا للإمبراطورة يكاتيرينا الثانية وتمت طباعته للمرة الأولى في عام 1800م. واحترقت النسخة الأصليه من الكتاب إثر حريق في موسكو عام 1812م ما يضاعف من أهمية النسخة التي نسخت للإمبراطورة وما تبقى من نسخ من الطبعة الأولى.

وقد بدا هذا الكتاب في البداية منعزلا وخارجا عن السياق العام من حيث موضوعه وغير ذا صله بما يجرى من أحداث معاصره حينها. ومن الواضح أنه قد تمت كتابته مباشره بعد وقوع الأحداث التي وردت به وربما في العام نفسه ويتسم السرد بكونه تاريخي في الأساس حيث يتطابق وما ورد في المسرد التاريخي الأول لتاريخ دولة كييف. وتدل هذه الملحمة على استخدام الشعر العلماني في روسيا القديمة حينها والذي بقى ولم يندثر بفضل المنشدين الذين كانوا عادة ينتمون إلى طبقة العسكريين. وقد تطور هذا النوع من الشعر في القرن الحادي عشر والثاني عشر.

ويعد هذا الكتاب الوحيد من نوعه في النثر السجعي. ومن الصعب أن ننسب هذا الكتاب إلى جنس أدبي معين. فلا هو شعر غنائي ولا ملحمي ولا نص سياسي بل هو مزيج من كل هذا. ويدور مضمونه حول الحملة الفاشلة التي قام بها الأمير إيجور ضد شعب الكومان وانتصاراته في البداية ثم هزيمته ووقوعه في الأسر. ثم يبدأ الجزء الثاني من الكتاب والذي هو عبارة عن استطراد طويل غنائي أو ربما خطابي يتحدث فيه المؤلف عن أمير كييف العظيم الذي يحلم بكابوس يرمز إلى حدوث مأساه لإيجور. ثم يتوجه المؤلف بالحديث إلى جميع الأمراء الروس واحدا تلو الآخر بدءا من سوزدال إلى جاليتسي ويدعوهم جميعا للتدخل وإنقاذ إيجور. ثم ينتقل المؤلف إلى الجزء الثالث من الكتاب ويحكي فيه عن هروب إيجور من الأسر ويتحدث أيضا عن نجاحاته الأولى ومن ثم هزيمته. وتتطابق الأحداث في الكتاب مع كل ما جاء في كتاب تاريخ دولة كييف.

وتعد ملحمة ” حملة الأمير إيجور” الأثر الأدبي الوحيد من الأدب الروسي القديم الذي يدرج بين كلاسيكيات الأدب الروسي. ولا يوجد شخص مثقف في روسيا الا وقرأه ناهيك عن المتخصصين في الأدب والشعر. وبطبيعة الحال هناك فارق في المستوي بين هذا الشعر والشعر الكلاسيكي الروسي في عصر بوشكين مثلا، إلا أنه لا يمكن أن نعتبره شعرا سيئا. فإذا كان بوشكين شاعرا كلاسيكيا عظيما فإن مؤلف هذه الملحمة أستاذ بارع في الشعر الرمزي والرومانسي.

وقد انتشرت كتب حياه القديسين واعتبرت الجنس الأقرب إلى الأدب في حينها. وكان المؤلفون عادة من أصحاب الصيت الذائع والمكانة العالية وكان الناس يتناقلون هذه الكتب ويعيدون نسخها وقراءتها. ولعل أهمها ” قراءة في حياه واستشهاد بوريس وجليب” و “حياه الأب فيدوسي” في بديات القرن الثاني عشر.

وعادة ما كانت قصص حياه القديسين تكتب على يد أصدقائهم المقربين بعد وفاه القديس مباشره. وأحيانا يقومون بذلك في حياتهم ولكن بعد أن يتولوا المنصب الكنسي الرفيع. وكان الهدف من كتابه هذه السير التعريف بحياة القديس وذكر كراماته ومأثرة وتخليد ذكراه حتى تتعرف الأجيال التالية على هذه الشخصية العظيمة.

وقد تمت ترجمه بعض سير حياه القديسين الأولى من اليونانية إلى الروسية و منها “حياه أنطونيو العظيم”  و”حياه ألكسي الإنسان الرباني” وغيرها. وكان هذا الكتابان بمثابة اللبنة الأولى في تطور هذا الجنس الأدبي القديم. ومن سمات هذا النوع من الإبداعات أن القاص يتحدث بضمير الغائب وكانت تتكون من ثلاثة أجزاء مقدمة وسيره حياه القديس ثم الخاتمة. وعادة ما يقوم المؤلف في المقدمة بطلب العفو من القراء على عدم مقدرته على الكتابة وعلى ضعف السرد الخ. ودائما ما تحتوى الخاتمة على مديح للقديس هذا المديح يكون على شكل قصيده غنائية نثرية.

ويتطلب هذا النوع من الكتب الالتزام بتصوير البطل بطريقه معينه تتمثل إما في النقد الشديد أو المديح الشديد. فالشرير هو دائما الإنسان السلبي في الحياة أما القديس فهو دائما الإنسان الايجابي

ويختلف هذا الجنس الأدبي “حياه القديسين” عن السير الغيرية العادية ففي الأول لا يشترط حدوث تطور في العمر  أو في شخصيه البطل. فالقديس ثابت. هو قديس من لحظة ميلاده وهو مختار من الله.

ويسعى مؤلف هذا النوع من الكتب إلى استبعاد كل السمات الفردية في شخصيه القديس وهو لا يعكس الواقع المحيط بقدر ما يفرض على هذا الواقع مثله ومبادئه. وتأثرت هذه الكتب عن حياه القديسين بالحكايات الشعبية والفلكلور عموما.

أما أسباب ظهور هذا النوع من الكتب فهي التعرف على ترجمات لكتب سير حياه القديسين البيزنطية وكذا كتب الأساطير وهو ما أثار لدى المثقفين الروس حينها السعي لتجربة مهاراتهم في هذا النوع من الكتابة.

ومن السمات المميزة أيضا لسير حياه القديسين التجريد حيث يتجنب المؤلف التحديد والدقة وسرد التفاصيل التي يمكن أن تشير إلى فردية الحدث أو المواقف. وهو أمر متعمد من جانب المؤلف حيث يسعى لدراسة حياة القديس خارج سياق الزمن والمكان إلى اللازمان و اللامكان، ولذا من المعتاد إسقاط الأسماء وتسميتهم بمكانتهم الاجتماعية وإسقاط المواقع الجغرافية والتواريخ المحددة وغيرها.

وقد استمر هذا الجنس في التطور في القرن الثالث عشر وشهد التزاما صارما من المؤلفين بقواعد هذا الجنس الأدبي غير أنه كثيرا ما فرضت الأحداث السياسية والتاريخية على المؤلف الذي يضطر إلى الخروج عن تلك القواعد ويسهب في وصف الأحداث التاريخية والواقع المحيط والأحداث الواقعية في حياه البطل. فقد أضافت الحياة الواقعية لجنس سير حياة القديسين نوعا من الحيوية والتنوع الأدبي وعنصر التشويق في المضمون. وأصبحت هذه الكتب أقرب إلى الأدب الاجتماعي والتاريخي العلماني.

ومن أهم الأعمال التي صدرت خلال القرن الثالث عشر “قصة حياه ألكسندر نيفسكي” والتي تصور الأمير والقائد العسكري ألكسندر نيفسكي بصفته محاربا من أجل العقيدة الأرثوذكثية ويستشهد في سبيلها.

ويعد الكسندر نيفسكي من الأبطال البارزين في التاريخ الروسي وتولى إمارة منطقة نوفجورود بين عامي 1236-1251م ثم تولى إماره فلاديمير من 1252-1263م. وقاد حروبا شرسة ضد المحتلين الألمان والسويديين. وقد اعتمد هذا القائد على حب شعبه من البسطاء واستفاد من دعمه في حماية الأراضي الروسية من الأعداء.

ويرى النقاد أن “قصه حياه ألكسندر نيفسكي”  تنتمي إلى جنس السير الغيرية ويهدف الكتاب إلى إظهار أنه ورغم خضوع الإمارات الروسية إلى المنغول والتتار فقد بقي في روسيا أمراء قادرون على مواجهه الأعداء.

وقد لعبت كتب الرحلات أيضا دور كبيرا في تطور الأدب الروس القديم. فقد بدا الروس رحلاتهم إلى الأراضي المقدسة في فلسطين بعد دخول المسيحية رسميا، وتحولت هذه الكتب إلى نافذة للإبداع وإظهار المقدرة على البلاغة في الوصف. ونذكر منها كتاب “حياة ورحلة حج رئيس الدير دانيال من أراضي روسيا” وهو لمؤلف مجهول سافر إلى الأراضي المقدسة في الفترة ما بين 1106-1108م ونقل من خلال كتابه انطباعاته عما رآه في تلك البلاد ووصف مدينة القدس ونهر الأردن والأماكن المقدسة. وينتمي الكتاب إلى حد ما إلى جنس يوميات الرحلة.

وفضلا عن هذا الكتاب تمثل كتب سرد الأحداث التاريخية الهامة أكثر الكتب والآثار الأدبية انتشارا في تلك الفترة. ويمثل هذا الجنس الأدبي سمة مميزة للأدب في فتره دولة كييف. واستمر هذا الجنس الأدبي حتى القرن السابع عشر. وكان المؤلفون في البداية من الرهبان ثم الكتبة الرسميين. وهناك مجموعتان من كتب السرد التاريخي تغطي فتره دولة كييف أولها يتناول الفترة من نشأه الدولة الروسية حتى عام 1116م. ثم هناك مجموعه كتب تاريخ كييف وتتناول الفترة من 1116 إلى 1200م. ويتناول الكتاب الأول تاريخ السلاف وأصولهم ثم انتشارهم في أصقاع روسيا وأوروبا وعاداتهم. كما يسرد الكتاب الأحداث التي وقعت في نهاية القرن التاسع وخلال القرن العاشر الميلادي. وينتهج الكتاب أسلوب التسلسل الزمني لسرد الأحداث من القديم للحديث. وفي أثناء ذلك يستخدم المؤلف الحكايات والأساطير الشعبية والتقليدية ما يمنح الكتاب جاذبية وتشويق.

وكان الكتاب الثاني أقل جودة وإتقانا غير أنه يبقى مرجعا وأثرا هاما وأساسيا. ويتناول نضال الأمير إيزياسلاف الثاني للوصول إلى عرش كييف في الفترة من 1146-1154م. وتتكشف من خلال الكتاب حياه الطبقة العسكرية الروسية والكتاب يفوح بالروح العسكرية والتعطش لتحقيق النصر والفوز بالشرف العسكري في ساحات القتال ويتميز بالحيوية في السرد. ولذا يعد هذا الكتاب من روائع الأدب التاريخي في فتره دولة كييف حتى أنه يتفوق على كثير من الكتب التي ظهرت لاحقا في القرون الوسطى.

وهكذا يمكن القول أن أصول وجذور الأدب الروسي القديم تتأرجح بين الديني والتاريخي وتتسم بإعلاء القيم الروحية والدينية والأخلاق والمثل. كما أنها تدعو إلى إزكاء الروح الوطنية والدعوة لخدمة الوطن والأرض الروسية.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: