نسق الترجمة من المشترك اللساني إلى إنجاز البيان 

تمثيلات الكتابة في سرديات مصطفى ذكري

دكتور سيد محمد السيد

تقوم عملية الترجمة بإنجاز متواليات نصية متعددة اللغات أو داخل اللغة الواحدة تمثّل نصا مؤلفا بلغة مغايرة، تلك النصوص المترجمة المستنسخة المتعددة يطلق على الواحد منها النص الهدف، والنص المؤلف الذي تدور تلك النصوص حوله هو النص المصدر أو الأصلي الذي يظل مانحا وملهما وواعدا بصور متجددة لا حصر لها، تحاول أن تضاهيه في أبجديات متنوّعة، وكثيرا ما تتكرر محاولات تمثّله في لغة واحدة مغايرة له بالطبع من عصر لعصر نتيجة التطوّر التاريخي الذي تمر به اللغات، أو متغيّرات المنظور من قبل سياقات المترجمين.
وإذا كان النص الأصلي (المصدر) يحتفظ بوجوده المتفرد القابل للترجمات التي حاولت أن تنقل ما فيه بقدر ما يستطيع المترجمون في ضوء معارفهم ومهاراتهم والإخلاص لرسالة الترجمة التي يلتزم ميثاقها بالدقة والفهم وتحقيق التوازن الافتراضي بين أبجديتين وحضارتين وثقافتين وفضائين تفصل بينهما الجغرافيا والتاريخ والمرجعية المشتركة، وإذا كان ذاك النص الأصلي يستطيع أن يتحاور مع المترجم متعدد اللغات ويمنحه محاولة للمرور في زحام الطرق التعبيرية، فإن النص المترجم (الهدف) ينطلق في سياق آخر محررا النص الأصلي من قيود الأحادية اللسانية ليرسله في مسارات متنوّعة يرتادها أولئك الذين لا يكتفون بحياة واحدة، ويفتحون منازلهم للغرباء ملتمسين من مسامراتهم أواصر التعارف الداعمة لصناعة نسيج إنسانيتنا المشتركة.
من هذا المنطلق يمكن أن نتخذ نسق الترجمة معيارا لتجلّي الذات التي تبحث عن صيغة لحضورها، صيغة تستمدها من وجودها الشامل الكلي الذي يستشرف إنسانية عريقة تتجاوز الحضارات، إن الذات العميقة بمواهبها وعلمها وخبراتها تحاول أن تحققّ نفسها، أن تعيش حالة إنجاز وجودها من الخفاء إلى الإبانة، وفي هذا الإنجاز تمر بعمليّات التبيين كي تستقر في علامات.
والأدب أحد التصنيفات البيانية المحورية إن لم يكن النموذج الذي يمثّل الجمهورية البيانية في معجم الحضارة، وهذا ما يساعد على استخلاص نسق يتعامل مع الأدب بوصفه ترجمة بالمعنى الذي يطرحه نقل النص إلى لغات مغايرة مع احتفاظه بوجوده القابل لأشكال أخرى من الوجود اللساني، هذه المترجمات المحتملة كلها تقاربه دون أن تجرحه أو تفرض نفسها علي تمايزه المتعالي الذي يتمدد في صفحات عابرة للقارات.
يسمح لنا مفهوم الترجمة أن نتخذها معيارا لعمليّات تحقيق الذات أيا كانت التجربة التي تمر بها الذات في سبيل التحقق، وأيا كان الإنجاز الذي سيدرجها في مصاف الإبداع، وأيا كانت الإضافة التي ستكون علامة دالة عليها في دليل العابرين المارين بمسالك السعي ومعارج المعرفة، ومفهوم الترجمة ذاك يتصل بمعنى الكلمة في حقل يتقاطع فيه التاريخ والأدب هو فن التراجم والسير بمرجعيته التاريخية من ناحية ومتخيلاته الشعبية من ناحية أخرى، وما بين الناحيتين من مساحات تمتزج فيها الحقائق والأمنيات.
مفهوم الترجمة يساعدنا على بناء نموذج معرفي نتصوّر فيه عمليات تحقيق الذات بأشكال الإبداع المتعددّة، فكل صورة ناصعة واضحة تضيف ملمحا للشخصية التي تسعى لأن تكون موجودة على نحو يميزها، هي ترجمة على نحو ما، وإذا كانت كل ترجمة تتطلّب نصا أصليا فإن تحقيق الذات لوجودها لابد أن ينطلق من أصل، وهذا التصوّر يفترض أن المبدع يمتلك نصه الأصلي داخله، نصه العميق الذي يتجلّى مع كل إبداع في تكوين نصي ظاهر، النص الأصلي جوهر موجود وما على المبدع سوى أن يترجمه، وتلك هي المشقة الكبرى، فنحن نظن أن المبدع أكثر حرية من المترجم ولكن إذا كان الموضوع هكذا يصبح المبدع ملتزما بنص بعيد قريب في نفسه لم يطّلع عليه أحد، كل إبداع جديد هو ترجمة تسعى لأن تكون أمينة جميلة مغايرة بشكل أو بآخر للترجمة السابقة، أي للإبداع السابق الذي أنجزته الذات نفسها.
يرى مصطفى ذكري صاحب الكتابة المغايرة التي تحكم تكوينها بدقة وجمالية وإلهام في شكل الفقرة المتماسكة المتفردة الناطقة برؤية للعالم تتخذ من مفهوم الكتابة وجها استعاريا لتفسير عمليات الإبداع المتنوّعة، أن الذات ترى في لحظة ما جمال المعمار الزمني وتناسقه “بشكل خاطف، ودون إشراق صوفي..” هكذا يتحدث ذكري في الصفحة السادسة والثلاثين من كتابه “يوميّات” الصادر عن دار المرايا بالقاهرة 2022م في إشارة بلاغية لحالة الشحذ الحسي والذهني والشعوري الذي تكابده الذات لتصل إلى لحظة تحقق معرفي تقتنص فيها يقينا جماليا لوجود خاص بها في مملكة الارتقاء البياني، لحظة تمنح نصها شفافية غير قابلة للكسر “تبقى الأكواب الكريستالية صامدة ضد الزمن.” – يوميات ص316 فالرؤية، التي أدركت جمال البناء الذي يحتضن الرحلة في فضائه الكلي، تتجلّى في فقرات كيانها البليغ ما يصاحب الحركة الإبداعية لتلك الرحلة.
في إبداع مصطفى ذكري تقتنص الكتابة تمثيلات لوجودها في حقول من الاستعارات بما يقيم صلات معرفية بين مفردات العالم المتنوعة من مرتكز القلم – الذي يدير البنية العميقة للوحة المفاتيح الرقمية – تنطلق الفقرة السردية عند ذكري من عقال السطور لترسم في المخيّلات لوحات شاسعة، يشغلها مفهوم الإنجاز البياني للذات، بألوان متعددة نابعة من علامة مائية يتجلى فيها كوجيتو الحضور الأصلي الذي يترجم نفسه بطرق شتى في المرجعية الحضارية لقصتنا البشرية.
ليست المشكلة في دوائر الاستعارات المفاهيمية التي تتداخل مع الدائرة الكبرى لمفهوم الكتابة، وليس الأمر في اقتناص وجه شبه جميل يحوّل المعنوي المدرك بالعقل إلى صورة مرئية تخاطب الخبرة العينية، إنما تمنح الكتابة التمثيلات المجازية المتعددة نوعا من التشابه والترابط فتتضام أشكال إبداع الذات معا، وينتقل الدال الذي يشغل خانة المشبه إلى خانات المشبه به، فيسيطر على مساحات فيها، مكتسبا قوة دلالية نابعة من برهان جمالي، وتنعكس الصورة فتتحوّل الكتابة إلى استعارة تترجم المفاهيم المتعددة لنشاطنا البشري بما يجعلنا نقرأ عنوان كتاب شكري عياد “دائرة الإبداع” من زاوية تتجاوز أشكال الفنون القولية أو التشكيلية، فكل تجلّيات الحضارة هي إبداع بما أن الكتابة الإبداعية تقيم رابطا بين تلك التجلّيات التي ترجمت سعي الذات للتحقق.
تدخل مجموعة من المفاهيم دائرة الكتابة من خلال البنية الاستعارية بشكل نسقي تكراري تسيطر فيه الكتابة على معطيات الحياة الإبداعية واليومية أيضا، وكأن كل فعل يستشف هويّة فاعله بشكل ما.
في نصوص ذكري السردية “يوميات” يطل وجه الشبه من السلوك المعتاد في السياقات الحيوية ليذكرنا بالكتابة دائما، ذاك المنظور الذي يرى منه الراوي عالمه، وتمنح الاستعارات فعل الكتابة طاقة لا حد لها، إن الصورة المتحركة في ذهن الكاتب تنطلق لتحقق وجودها في اللغة محاولة تخطي مشكلة الأسلوب وتصنيف الأشكال والملامح المشتركة لجيل يعايش مرجعية تضع لمساتها التشكيلية في صفحاته، المادة الخام للسرد عند ذكري مثل “نمور مكبوتة وراء قضبان حديدية، كان يفكر في التكات الست التي تحكم إغلاق باب شقته المصفّح. تكّة تؤمّن تكّة، تتراكب التكّات..” يوميّات ص6 يصل اللسان بين المشبه به والمشبه محيلا إلى سياق سابق في رواية “الخوف يأكل الروح” الحافلة بتمثيلات الكتابة مثلها مثل مجموعة “مرآة 202” الساحرة التي مهّدت ملعب السرد للشكل المحكم الذي نحته مصطفى ذكري في تشكيل نصوص كتابه “يوميّات” التي وصلت الفقرة فيها لتصبح وحدة ممتدة في مئات الكلمات لا توقفها الفواصل والنقاط.
في قصة “الطريق” بمجموعة “مرآة 202” يقيم السرد معماره من أربع فقرات تمثّل الحجرة التي يذرعها الراوي ولا يخرج منها إلا بذهنه وخياله في حلم يقظة ملهم بأسرار السرد التي لا يمكن أن تتنهي مهما خرجت القصة من نمط الحكاية إلى فلسفة الفن التي تعالج ظاهرة ما وراء الكتابة، أو القص الشارح.
تكثر تمثيلات عملية السرد عند مصطفى ذكري من خلال مفاهيم المرآة بوصفها أداة التعدد الاحتمالي، والنافذة أداة تنوّع المنظور، وطريقة نطق اللوازم اللغوية أداة تأمين الذات لنوع من الوجود الخاص بها، والجزيرة الموحشة لتفرّد الكاتب، والرسالة التي يتركها الرجل المهجور لنفسه على أمل أن تفهم ابنته احتياجه في معادل رمزي للفجوة بين المرسل والمتلقي. إنها تمثيلات تضع العالم في حوار صامت مع الكتابة، حوار يستنطقه الواقفون على حافة الإبداع في محاولة لوصل السرد بدرس الحياة تحقيقا لما بين المصطلحين من الاشتقاق الأكبر الذي استخلصه ابن جني حين قرأ علم الصرف اللساني بمنظور مغاير، مثلما هو الحال في كل مغامرة إبداعية تدرك أن النسق الوحيد للإبداع هو اكتشاف الكل في أدق خصوصيات الأجزاء التي تبدو متناثرة، إن الترجمة من هذا المنظور ليست سعيا دائبا لمعرفة الآخر المختلف فقط إنما هي محاولة مستمرة لاستعادة وحدتنا البشرية المتنازع عليها في مدارات التعدد العاكسة لذات واحدة في المرايا اللغوية التي يشارك إنتاج كل منها في تكوين الصور المتفاهمة والمتصارعة في فضاء الثقافات.

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: