نحو تفعيل السُنَّة ودورها في حياة الناس (4/5)  

قلم: أ.د محمد فتحي العتربي
أولا: تفعيل السنة عند العامة ( عوام الناس ) بالتيسير والتخفيف ورفع الحرج كنهه أبرز خصائص السنة النبوية العملية والذي ترجم في حياة الصحابةرضوان الله عليهم ومن بعدهم من التابعين وتابعي التابعين ومن بعد عبر أجيال الأمة المتعاقبة ؛ يوكد ذلك ما يلي : أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يفرض علي المسلمين الاقتداء به في كل أمر ، بل كان كثيراً ما يردهم ويمنعهم عما يفتح عليهم باب المشقة والعنت :”ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم علي أنبيائهم” رواه البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب السُنَّة باب الاقتداء بسُنن رسول الله(ص) رقم 6773. بيانه الشافي بقوله :” إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحَدَّ حدوداً فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء – من غير نسيان – فلا تسألوا عنها ” رواه الدارقطني : 4/184 عن أبي ثعلبة الخشني بإسناد حسن ومحل قبول واستشهاد عند أهل العلم وحسنه النووي في الأربعين النووية عن أبي الدرداء بمجموع طرقه . ثانيا: أما تفعيل السنة النبوية عند الخاصة من أهل الفقه والأصول فقام على بيان ( منهج السُنَّة في تقرير الأحكام) . وذلك بالضوابط التالية :1: مراعاة حال المكلف. 2 :التدرج في التكاليف. 3 : الموازنة بين تحقيق التيسير ومقصد التعبد. 4 : تقديم الأولي .
1: مراعاة حال المكلف: راعت السُنَّة حال المكلفين عند تطبيق الأحكام فأحياناً تأخذ السُنَّة الناس بالعزيمة وأحياناً تبدأ بالرخصة وبالعكس بقدر خطورة الأمر وتعلقه بحقائق الإيمان وطبيعة التوحيد التي لها الأولوية في التوجيه والإرشاد بما يتناسب مع طبيعة المرحلة التي يمر بها المكلف ، روي الإمام مالك في المَّوَطأ عن أبي سعيد الخُدَّري أنه قدم من سفر فقدَّم إليه أهله لحماً ، فقال: انظروا أن يكون هذا من لحوم الأضحى، فقالوا: هو منها ، فقال أبو سعيد : ألم يكن رسول الله (ص) نهي عنها ؛ فقالوا: إنه قد كان من رسول الله (ص) بعدك أمر ، فخرج أبو سعيد فسأل عن ذلك،فأُخبر أن رسول الله (ص)قال:”نهيتكم عن لحوم الأضحى بعد الأضحى بثلاث فكلوا وتصدقوا وادخروا، ونهيتكم عن الانتباذ فانتبذوا وكل مسكر حرام ،ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هُجراً ” وفي رواية لأنس بن مالك رضي الله عنه للحادثة نفسها يقول :”نهي رسول الله(ص)عن زيارة القبور وعن لحوم الأضاحي بعد ثلاث وعن النبيذ في الدُبَّاء والحنتم والمَُزَفَّت ، ثم قال رسول الله (ص) بعد ثلاث:” إني كنت نهيتكم عن ثلاث ثم بدا لي فيهم : نهيتكم عن زيارة القبور ثم بدا لي أنها تُرِقُّ القلب وتدمع العين وتُذَكر الآخرة فزوروها ولا تقولوا هُجراً ، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي أن تأكلوها فوق ثلاث ليال ثم بدا لي أن الناس أدمهم ويتحفون ويحبسون لغائبهم فأمسكوا ما شئتم،ونهيتكم عن النبيذ في هذه الأوعية فاشربوا فيها ما شئتم ولا تشربوا مُسكراً؛ من شاء أوْكَي سقاءه علي إثم”.وبتأمل الروايتين نقف علي أن منهج السُنَّة في الأحكام راعي حال المكلفين وما يمرون به من ظروف اجتماعية واقتصادية ونفسية ؛وهو يلتقي مع منهج القرآن في التدرج في الأحكام من الأشد إلي الأخف،أو من الأخف إلي الأشد.2:التدرج في التكاليف:كما كانت حكمة التشريع الإلهي في التدرج بالعباد في فرض المواريث وتحريم الخمر والربا،كانت سُنَّة النبي (ص) في التدرج بالأمة حال الدعوة والتربية وإنزال التكاليف ، فقد روي الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله (ص) لما بعث مُعاذا إلي اليمن قال له (ص):( إنك تقدم علي أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله،فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم ، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة من أموالهم،وترد علي فقرائهم ، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس)أخرجه البخاري في (24) كتاب الزكاة (41) باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة.وظاهر من الحديث أمر النبي (ص) مُعاذا رضي الله عنه بالتدرج مع الناس شيئاً فشيئاً،فالتكاليف إذا أُعطيت دفعة واحدة يصعب قبولها من المتلقي،لأن التكليف بطبيعته ثقيل علي النفس. وإذا كان التدرج يعني الأخذ بالأحكام شيئاً فشيئاً وفق منهج زمني مدروس تعالج فيه الأوضاع والتراتيب معالجة توفر أسباب النجاح والفاعلية عند التطبيق، فتقدم الأحكام التي تعتبر أسبابا ومقدمات،وتؤخر الأحكام التي تعتبر نتائج ومسببات. فلسائل أن يسأل ما قيمة التدرج وقد أكمل الله الدين وأتم النعمة،إن التدرج الذي نلفت النظر إليه ليتمثله الأصولي المعاصر ليس تدرجاً في التشريع لأن التشريع قد اكتمل،لكنه تدرج في التطبيق والتنفيذ وإنزال الأحكام علي الواقع المعاصر،الذي يعاني غربة دينية وضعفاً في الوازع الديني،بل وتغريباً شاملاً عبر التأثر بالسموات المفتوحة والشبكة العنكبوتية،بالضبط كما فعل الفرنسيون عندما احتلوا الجزائر حيث قاموا بزراعة مساحات واسعة من العنب وفرضوا ذلك علي الناس حتي ارتبطت معيشتهم بتلك الزراعة،ثم لما ارتبطت هذه الزراعة بمصانع الخمور اضمحلت وضمرت روافد الوازع الديني كخطوة أولي نحو التساهل مع جميع المحرمات التي أُريد للمجتمع أن يغرق فيها! وللحديث بقية في المقالة القادمة ..

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: