نبض أم وأمة

نبض أم وأمة

مقال للكاتبة  منى مصطفى 

عندما بدأ اتصالي بمواقع التواصل الاجتماعي منذ عِقد ونصف، أخذت أفكر في كُنية أكتبها على صفحتي، ففي صغري أحببت بنت الشاطئ والمرجّح أن تكون هي، لكني وبعد نضج ووعي وأمومة وإلمام بحال الأمة اخترت الخنساء، لا لأني شاعرة ولا أديبة بل لأن حب الجهاد مغروس بالفطرة في قلبي! ثم أتت السيرة وقصص الصحابة لتلهب مشاعري بغضا للظلم والظالمين.

صحا وجداني على حرب الجزائر، ولا زالت صورة النار وهي تلتهم حقول القمح بأهلها راسخة في ذهني، وصوت المذيع يزأر: بلد المليون شهيد تستغيث ولا مغيث، فلم أتمالك نفسي من النحيب، وصغيري بجواري يصيح لبكائي

هنا عرفت مرارة العجز، وتيقنت أنه لا نجاة إلا بالجهاد، ولكن متى وكيف لا أعلم، وليس لي من معطيات التاريخ ما يؤهلني لأتكهن، كان أضعف إيماني أن أعتني بأولادي وأعدّهم للشهادة كالخنساء رضي الله عنها، فرزقت بصبي وثلاث مؤنسات، اجتهدت معهم قدر طاقتي لأصنع منهم أبطالا، لكنهم بالنهاية أبناء مجتمعهم، فاض فيهم الخير وجاوره حب الدنيا

ظل الجهاد والشهادة والحياة النبوية هواجس يقظتي ومنامي، ولكن الواقع ينكر ذلك، سلّمت وقلت: لعله مُدَّخر لجيل آخر، حسبي النية والسعي قدر الجهد! ومرّ العمر وإذا بأقمار غزة يسرجون الآمال، فرأيتهم أبنائي الذين وهبتهم لله قبل رؤيتهم، فقرت بهم عيني، وفاضت تجاههم مشاعري، وإليهم أكتب هذه الرسالة خالصة من قلب أمّ أحبتهم، وبلسان أمة كاد الوهن يهلكها لولا أن تداركتها رحمة الله على أيديهم، فإليهم أقول: أبنائي الكرام البررة، عليكم سلام الله وأمانه

أما بعد:

في الماضي القريب جدا كانت آمالي مختلفة تمامًا، كنت أعد برنامجًا يرضيني لأمارسه فيما تبقى من عمري بدقة كوصفة طبيب لمرض مزمن اسمه الحياة في زمن الضعف!

فجهزت أريكتي، وحاسوبي، وأصدقائي من البشر ومن الكتب الذين انتخبتهم لأقضي معهم سنيّ عمري القادمة، وفُليسات أقضي منها حاجاتي إذا ضعُفَتْ الطاقة أو عزّ المعين، وفجأة وأنا أتفقد كل ركن في صومعتي وجدتُ برقًا ناعمًا يخطف قلبي، فإذا بكم تغيّرون وجه حياتي من عبء لأمل، ومن روتين أصنع تفاصيله بعناية إلى نهر دفّاق يحمل تابوتًا فيه بقية من يقين وهمّة، وصوت أطربني يقول: هلمي هلمي إلى حياة، فاعتراني خوف وفرح، ثم فاض شوقي لأكون معكم تحت وقع الرصاص وزخ المطر، وأنقض صومعتي تلك؛ فقد عاد لنا معنى الحياة!

لا أخفيك سرا أيها النبيل الأثير أبا عبيدة، في كل مرة تدكون فيها حصون بني صهيون تكون أطياف الفرح قليلة، سرعان ما يذهب بها أنين الثكالى وصياح الرضّع وانطفاء البريق في عين الشباب، أما اليوم بني – ورغم خسائر العدد والعتاد – فوالله لا أرى إلا نورا يضيء غرتك، وعزة تتربع على جبينك، وثباتا يشدّ عرش قلبك، وقلوبا تتهافت حولك، ووجوها تقتبس من نورك، وجباها ساجدة تتقرب لربها بالدعاء لك، أتدري يا بني: لستم أنتم من تحتاجون دعاءنا، بل نحن نتوق لأن يذكرنا لسانكم الطيب وقلبكم المخلص، فأي برهان أصدق من الدماء، وأي قربة أغلى من الروح، وأي قربان أغلى من الضنى، لقد قدمتم كل ذلك راضين بربكم سبحانه جلّ في علاه، أتفعل كل هذا وتحتاج دعاءنا نحن القاعدين العجحزة، نرتع في حظائر أهل الوهن وتعشّق الجاه والسلطان!

 

ابني الحبيب:

أعلم أنك تسير على خط النار، وكل دقيقة في يومك كأنها زلزلة الساعة، وأن نفَسَك يخرج فلا تتوقعه يعود، ولكن حسبك أن انقطاع الدنيا عنك يعني الجنة، وكفى بها سلعة غالية والله، فلا تجعل شيئا يفِت من عزمك، فأنتم – بفضل الله وكرمه – في نعمة لو علم الطغاة عنها شيئا لتركوا الأرض قاطبة وقاتلوكم من أجلها، لن أقول لك أنك في رباط، وإنكم لخير جنود الأرض كما قال الصادق المصدوق ﷺ، وأن ليلة بت تحرس فيها أرض الخوف لا تعرف أترجع لأهلك أم لا هي ليلة خير من ليلة القدر…، لا، لن أقول ذلك وهو حق؛ لأنك تعلمه جيدا وهو ما جعلك تفضّل الجهاد على القعود، لكني سأقول لك: انظر فقط لحياتك اليومية، نعم يا بني، حياتك اليومية التي لا ماء ولا كهرباء ولا أدوية وربما لا شمس فيها، ومع ذلك فصدرك باتساع الكون، وقوتك بقوة عقيدتك لا بقوة البندقة، وسلاحك وجندك ملائكة الأرض والسماء، وأكاد أجزم أنك ترى ما لا يراه الآخرون، فأنت ترمي مستهدفًا جنديًا فيُقتل عشرة، تنظر حولك متعجبًا فلا أحد، فتردد فرِحًا طائرًا ( وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ ۚ ) نعم بني، الله يرمي بيدك، أي قربٍ هذا وأي سعادة تملأ جوانحك، وأي يقين يجعلك تواجه طائرة بحجر وتنتصر!

ربما يعتصر قلبك لارتقاء ولدُك أو حبيبتُك شهداء، ولكن سرعان ما يعلو وجهك ابتسامة رضا باصطفاء الله لهما، وبإنجازهم رحلة الدنيا بنجاح، فيشعل ذلك شجاعة قلبك ونخوة ثأرك فتزداد عزما ومن ربك قربا

أسمعك يا ولدي تقول: ليس الجرح جرح من ارتقى، إنما الجرح جرح من خان وخذل.

نعم يا قرة عيني فلم أجد تعبيرا أصدق وصفا لموقفهم المخزي من قول بشار:

(لَقَد أَسمَعتَ لَو نادَيتَ حَيّاً

وَلَكِن لا حَياةَ لِمَن تُنادي )

ولكني أعود لأطمئنك، فلا اتكال على أهل السلطان، فالدنيا في عيونهم حلوة براقة؛ قد اغترفوا منها غرفة بيدهم فسرى عشقها في دمائهم، فعبدوا الدرهم والدينار والقطيفة من دون الله، وبئس ما عبدوا، ثم أن خسارتهم كبيرة؛ لأن نجاحكم يعني كساد بضاعتهم من أفلام ومباريات ومخدرات وماركات… اصبر يا ولدي فحسرتهم الكبرى ليست الآن بل أمام الديان، ستتساقط لحوم وجوههم خجلا أمام العزيز الجبار.

ورغم ذلك ففي خنوعهم خير؛ لأنه أظهر عزم شباب الأمة وصاروا معكم عقلاً وقلبًا، وذهبت مليارات الفاسدين التي أُنفقت والسنين التي أُهدرت بتخطيطها وتدبيرها وسهرها ومكرها ذهبت سدى!

نعم، لقد جاهدوا بكل ما يملكون – وما أكثره – لقتل الدين في القلوب، وتشويه العقيدة في العقول، وتصدير شاب تافه لا همّ له إلا بطنه وفرجه، فجئت أنت بأمر الله ودمرت ما علَو تدميرًا، وأسرجت بثباتك نورا، وأثبت أن ما صنعوه كان صنع ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى

هل تعلم يا أبا عبيدة أن شباب الأمة كلها عربي وأعجمي يحصي الدقائق حتى تُفتَح المعابر لنكون معكم، لك حق ألا تصدقني، ولكن هذا هو الحق والله، ولسوف ترى ذلك بعينك بحول الله، فالقرآن عاد للواجهة بدلا من المباراة، والرياضة والتدريب حلّ محل ألعاب الشاشات، تصدرت البساطة حياتنا مشاركة لكم، كل مواليد هذا الشهر حملوا أسماءكم المباركة (يس ويحي وحمزة وأبو عبيدة والسنوار وبقية الأقمار)، كل سجلات الدنيا كتبت أسماءكم في مواليدها كما سجلتها ملائكة السماء تماما في صحف الشهداء والصديقين… غدا يا أبا عبيدة يعود الأمان ونعصر معًا الزيتون ونسقي الريحان، ونجلس في الباحة المباركة نصلّي ونسلم على نبينا، ونذكر ربَنا، ونعدّ ما استطعنا من قوة ومن رِباط خيل لتبقى رئة الأمة ( الجهاد) في عافية.

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: