ميتافيزيقا الإدراك – سيمياء مقاومة الغياب 

في متوالية منتصر القفاش" بصورة مفاجئة"

 

دكتور سيد محمد السيد

السرد بصدد ما وراء الإدراك هو المشروع الإبداعي لمنتصر القفاش في قصصه ورواياته، إن كتابات منتصر تدور عن طقوس تحقق الذات في تفاعلها مع تكوينات محيطها، ولدى الذات أدواتها الذهنية والحدسية والأدائية وهي تقصد التعامل مع مرجعية الوجود الواقعي، ولديها احتياجاتها المادية التي تتطلب إنجازها، والروحية التي تصاحب الذات في رحلة الحياة دون توقف، وهذه الاحتياجات الروحية منعكسة في الأفعال كلها، وملتمسة من صور الظواهر مساحة لنقش آثار مرورها.

    ولا تخذلك أعمال منتصر القفاش أبدا، كلما تقصدها موجها إليها رؤيتك، فهي تأخذك إلى مساحات متنوعة تحتضن سعي النفس للتعامل مع مفردات الكون بما يؤكد هويتها العميقة المتفردة، التي تتخذ من سبل التفاعل اليومي ممرا تغرس فيه علامات حضورها في حيز زمني مؤطر في واقعيته، وممتد بلا نهاية في فضاء المجرة الزمنية الذي ترتاده مدارك مفسري رسائل الوصل العابرة للأوقات.

إن اكتساب الظواهر الواقعة في مجال الإدراك هوية خاصة تتجاوز ماهيتها في السياقات التداولية، أمر له مكانه الواضح في سرد منتصر القفاش القصصي، يتضح ذلك من خلال مجموعاته “نسيج الأسماء” و”السرائر” و”شخص غير مقصود”، ورواياته “تصريح بالغياب” و”أن ترى الآن” و”مسألة وقت”، والمتوالية السردية “في مستوى النظر”، ثم هذه المتوالية السردية التي تصاحبنا جماليات أجوائها “بصورة مفاجئة”.

عالم منتصر القفاش حافل بتجارب إدراك تنطلق من الحواس، وتختبر الواقعة المادية بإجراءات المنطق الذهني الذي تخضع فيه الصورة للقراءة العقلية، ولكن العملية الإدراكية تمضي في طرق مغرقة في الحدسية، فتكتشف الطاقة الروحية خصائص المادة في ضوء خبرات معرفية تعالج الظواهر من منظور إبداعي، فتستدرجها إلى نطاق الحلم، وتستخلص منها مكونات لم تكتشف في الحضور الاجتماعي العام، وتتبلور مقومات جديدة للظاهرة من المعالجة الحدسية التي تعرضت لها داخل سياق خبراتي خاص، شاركت في معايشته مجموعة من الشخصيات تكتشف عالمها معا، وتدرك تلك المجموعة خصوصية كل نمط من أنماط الإدراك داخل التجربة الجمعية الكلية.

في عملية إدراك الظواهر داخل عالم منتصر القفاش السردي، تفرزالشخصيات القصصية كوامن طاقتها، فتولد مفاهيم جديدة، تصوغها فيما بينها تلك النماذج التي شاهدت التجربة، وتفاعلت معها. وشخصيات المجتمع القصصي تجمع بينها علاقات محورية تعمّق تجاربها الإدراكية، وتساعد على تكوين خبرات معرفية ذات طابع تتضافر فيه الحسية والذهنية والروحية معا، ومن هذه الخبرة تنمو منظومة القيم في السياقات الدرامية التي تعد تمثيلا رمزيا لعالمنا ببعديه الداخلي والخارجي، مع الوضع في الاعتبار أن هذا التمثيل تفاعلي، بقدر ما يعكس العالم يمدّه برافد معرفي تستقي منه تجاربنا الروحية إلهاما لتفعيل مقوماتها الكامنة.

 من الطرح السالف نطالع في عالم منتصر القفاش مساحات تفاعلية حيوية لما يمر بنا في مرجعيتنا التاريخية الفردية غير المنبتة عن تجاربنا الجمعية الممتدة في مضارب قصة حضارتنا البشرية، فالتجربة الإدراكية في سرد منتصر تستطيع الانطلاق من اللحظات المتكررة في الصباحات والأمسيات الكونية، وفي تجارب القرابة والصداقة والجيرة الاجتماعية، في البيوت المغلقة والأسواق المفتوحة، في الألعاب التي تبدو بريئة والتجارة التي تربح فيها الذات معرفتها بقدراتها التقويمية، في الحوارات التي تعكس صورة المتكلم والمستمع، والأوراق الخاصة التي سطرت فيها الشخصيات بعض ملامحها بخطها المستعصي على القراءة، وتحتفظ بحقها في أن تظل مغلقة قدر الإمكان إلا إذا توافّر لها المتلقي الذي يجمعه بكاتبها معاناة المرجعية التي تكونت منها خبرات ذهنية وحدسية تسمح بالالتقاء في منطقة جاذبية تؤهل لرحلة معرفية لها جمالياتها الكاشفة لماوراء الصورة التعبيرية.

 نصوص “بصورة مفاجئة” لمنتصر القفاش تتشكل منها متوالية سردية قصصية – أو متوالية سرد قصصية – فالقصص تصل بينها علاقات درامية وجمالية ومعرفية، تسمح لها بأن تنساب بسلاسة في تكوين متسق، يسير المتلقي في أجوائها دون أن يعزل قصة عن الأخرى.

إن الراوي حاضر بوصفه الدليل المصاحب للقارئ في العالم الخارجي، عالم الخطاب، ، مثلما هو العين الرائية في العالم الداخلي، عالم القصص، ومثلما هو الصوت الناطق بتجارب الشخصيات في فضاء تفاعلها الدرامي، الراوي مشارك، للشخصيات الدرامية، وللمتلقي الذي يلتمس صحبة تمهد له السبيل كي يعايش عالما لم تكن له به صلة مرجعية خاصة، وإن ألقت أجواء العالم القصصي بعض الضوء على مرجعية كانت غائمة في عتمة الغياب، يسترد وجودها ملامحه مع رحلة المطالعة السردية.

يساعد الراوي المتلقي على تجاوز شعور الغربة، فيأخذه إلى عالم عائلي، ينضم – ذاك المتلقي – إليه، ويتابع الأحداث التي تبدو له في رحلة القراءة مشابهة لما يحدث في سياقه الاجتماعي، ثم يتركه الراوي في نهاية الرحلة مع لحن ختامي يشير إلى البعد العاطفي لتجربة التواصل الإبداعي، تلك التجربة التي تحفز نماذج القراءة للتفاعل مع لحن الراوي الخفي الهامس الذي يدور بينه وبين نفسه أيضا، فالرواي لا يتواصل مع شخصيات العالم القصصي في الأجواء الدرامية فقط، ولا يتحدث إلى القارئ الاحتمالي الذي سيدخل دائرة الخطاب فحسب، إنما يتواصل الراوي مع ذاته كذلك، لترتفع درجة مؤشر التجربة الإدراكية، وبالطبع يمتلك الراوي من الوعي ما يستحضر في طريق التواصل كثيرا من النماذج التي يمكن أن يلتقي بها في سياق الاتصال السردي، وهو يمتلك رؤية رحبة يرى من خلالها كثيرا من النماذج التي يمكن أن يصل الخطاب إليها، ويدرك – ذاك الراوي – أن كل نموذج يعالج القصص من منظور خبراته ومعارفه واحتياجاته، وتظل تجربة الإدراك الجمالي ممتدة في فضاء مفتوح على سبيل السعي الروحي المتطلع لحوار تتجلى فيه الذات عبر مرايا اللغة الخاصة النامية من ارتياد المبدع لطريق الحياة الذي يجمعه بعائلته البشرية، بوصفه “صوتا ما” يبحث عن صورة استقبال ترتادها صورته السمعية.

افتتاحية القصص في “بصورة مفاجئة” تشير إلى تجربة إدراك العالم التي استقبل فيها جيل منتصر القفاش فاعليات الحياة من خلال الحرب، جيل منتصر – الذي ولد عام 1964م – عاش طفولة مبكرة داكنة في أجواء النكسة الستينية وصولا إلى العبور السبعيني، متابعا يوميات الاستنزاف بينهما، كانت الحرب هي الصورة التي يمكن أن تعكس مادة الحياة، وتقوم بصياغة نموذج ألعاب الطفولة من خلالها، فالطفل الذي استخدم الأشياء بوصفها أدوات حرب، انتهى به المطاف إلى مواجهة عاطفية أدرك فيها نوعا آخر من علاقة الذات والآخر، انتهت بهزيمته العاطفية الأولى في المعركة الجندرية التي لم يفطن لها من قبل.

 في عالم “بصورة مفاجئة” كل شخصية لها سرها الذي يدور بخفاء في أجواء العائلة والأصدقاء، درجة من المشاركة تحدث بين الأطراف، يظهر جانب ما في حوار خاص، في حلم، في سياق غامض أو غرائبي، وحينما تدرك شخصية سر الآخرى لا تكشفه ويظل بينهما من خلال أبجدية خاصة، تصل من خطوط الوصول إلى صورة الكنز عبر متاهات مجلات الطفولة، إلى محاولة صناعة الحبر السري من عصير الليمون في محاكاة المراهقين الصغار لأبطال ألغاز محمود سالم، التي طالعها جيل منتصر معا، وهي نابعة من زمن الحرب أيضا، إلى الأشياء التي دخلت البيت وتختفي وتظهر في إشارات مرتبطة بمناسبات عائلية، إلى البحث عن تأويل مناسب لتلبية رغبات الراحلين الذين يظل حضورهم في الأحلام نوعا من تجاوز الوجود النفسي والاجتماعي لمنطق الإدراك الحسي. وظاهرة الحلم جسر يعبّر بين الواقع والحدس، ليعلن أن حضور الغياب محور إدراكي يشير بأبجديته الرمزية لعجز الحيز المادي عن الوفاء بمتطلبات الوجود الفعلي في تجلياته اليومية اليسيرة.

عنوان المتوالية القصصية “بصورة مفاجئة” لمنتصر القفاش إشارة لتحقق العمليات الإدراكية في شكل، لغة، موقف، علامة، من خلال تجربة درامية تستحضر أجواء العالم الحيوي، الصورة، تلك الأبجدية، التي تمكّن الحدس من فهم الترميز، الذي يوجد كالعلامات الإرشادية في طريق العبور من المادة – التي تتمدد فيها الظاهرة – إلى المعنى الخفي المصاحب للذات المدركة طوال رحلة المعرفة، تبدو الاكتشافات مفاجئة للوهلة الأولى، لكن خلف لحظة الوصول إلى يقين، توجد محاورات طويلة لا تقال، أو تظل معلقة في فضاء الصمت كنجوم ليل امرئ القيس، أو تتخذ صورة المونولوج الذاتي الذي تتلقاه بعض الحواس كهمهمة سائل يولد منها حرف عطف يفتح الخطاب لحوار جمالي محتمل في دوائر التلقي.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: