موركوت برائحة الشيكولاتة

موركوت برائحة الشيكولاتة

الروائي حسن العربي

 

هناك في بطن الجبل، بأزقتها وحواريها المائلة صعودًا حتى سفح يرتفع إلى أكثر من سبعمائة متر، عليه تقبع إحدى الكنائس الأثرية منذ زمن بعيد، بفنونها ورسوماتها ونقوشها الرائعة، كل هذا على مرمى من كورنيش البحيرة التي تراها صعودًا ونزولًا بسحرها الخلاب، كان يمشي هو الآخر من القاع إلى القمة، متسكعًا في تلك الحواري، ثم يتوقف فجأة ليملأ صدره من هذه الرائحة الجذابة، خليط من الفانيليا والكاكو والحليب والشوكولاتة، يشتمها في ذهابه وعودته أثناء تريضه كل يوم عند الغروب.

تتسرب تلك السحابة من نافذة صغيرة تطل على حديقة تعج بمختلف أنواع الزهور، وعلى أحد جوانبها طاولة رخامية مستديرة بالكاد تكفي لفردين، عليها بعض الجرائد اليومية والكتب متراصة وفوقها نظارة، كلها دلائل على وجود قارئ متذوق.

كان لهذا الدخان مفعول السحر على عقله، وقف يتمتع كأنه على أبواب جنة أطلقت أريجها ونفحاتها مع النسيم.

تعود على الوقوف، وكأنه يقضم قطعة من الشوكولاته، أو ربما يشرب كأسًا منها ساخنًا.

خرجت فجأة من باب شقتها الصغيرة ورأته متلبسًا بشم رائحة شوكولاتتها الساخنة، وكعادة أهل القري الصغيرة عندما يلتقون الغرباء العابرين، حيته بابتسامة خفيفة :

– تحياتي.

– تحياتي سيدتي.

نظرت إلى وجهه، فهمت وعاودت:

– انتظر وتفضل معي فنجان شوكلاتة أصنعه كل يوم منذ أكثر من خمسين عامًا، تفضل سأسكب لك كوبًا سيعجبك.

لم تكن لديه أية مقاومة، فكثيرًا ما رغب في أن يتذوق كأسًا مما يشتم رائحته كلما مر وأومأ مستجيبًا فقالت:

– اجلس هنا؛ فهذا الكرسي شاغر منذ أمد بعيد.

سحب المقعد بهدوء تام وجلس وعيناه تتحسسان الطريق إلى عينيها يريد أن يتأملها ويكشف ما رسم الزمان على وجنتها، فمازالت تحمل جمالًا من زمن مضى، أما هي فقد ارتكنت إلى الطاولة بيد وبدأت تصب الشوكولاتة الساخنة باليد الأخرى، وعيناها تنظران إلى هذا البخار المتصاعد من بوق الإبريق إلى الفنجان حاملة معها سائل الشوكولاتة الكثيف، مرسلًا عبقه في الهواء مع النسيم يشتمه الضيف الواقف أمامها بعينيه الراصدتين، وكأنه يسجل الحدث تسجيلًا سينمائيًّا يريد أن يحيا ما تبقي من العمر.

– اجلس.

بصوت متهجد قالتها وهي لا ترفع عينيها عن الشوكولاتة الساخنة الهابطة إلى الفنجان، استند بيده إلى الطاولة ونزل قليلاً حتى استقر على المقعد أمامها وعيناه لا تزالان تتفحصها، ثم مد يده يتلقف الفنجان ويرتشف منه رشفة، وكانت رائحة الشوكولاتة تسبق طعمها الخرافي، ثم أجاب بصوت خافت:

– أشكرك سيدتي، أتريض هنا عند كل غروب وأشتم رائحة الشوكولاتة، وكم من المرات تمنيت أن أدعى إليها.

هكذا بدآ يتجاذبان أطراف الحديث، ولا يدري أي منهما كم من العمر مضى أمام رائحتها ومذاقها ، تصاعد صوت قادم من الداخل، يعرفه:

– آن الأوان يا أبي كي تخلد للنوم.

نظر حوله وحيدًا، ثم نظر إلى الطاولة، فلم يجد إلا بقايا فنجان فارغ، ذرف دمعة من عينيه، وانسحب داخلاً وهو يسمع الصوت يقول:

– هون عليك يا أبي؛ فقد قد رحلت إلى الأبد.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: