من وسائل الانتقال و التوسع الدلالي   

 

الناقد عبد الله جمعة

كنتُ قد ذكرتُ في بحثٍ لي عن الانتقال الدلالي أن ذلك الانتقال يتوسَّل المجازات لإيجاد معانٍ جديدة تدخل إلى المعجم اللغوي لتصبح ذات معنىً حقيقي بعد تقادم الزمن عليها و زوال دهشة الخيال عنها .. و طبقت أمثلة لذلك على نصوص بعض الشعراء الآنيين نجحوا في توسيع و زيادة معاني اللفظة العربية بمهارة و اقتدار .

إذ يقوم هذا الانتقال على تغيير مجال الاستعمال فيكون المعنى الجديد ليس أخص من المعنى القديم و لا أعم … إنما هو مساوٍ له و لذلك يتخذه الانتقال الدلالي سبيلاً لما يملكه المجاز من قوة في التصرف في المعاني عبر مجموعة من العلاقات و الأشكال ، و هذا يفسر سر اهتمام لغويينا القدامى بالاستعارة و المجاز المرسل لدرجة دفعت كبارهم إلى إفراد و تخصيص مؤلفات ضخمة للاستعارة و المجاز المرسل ؛ لأنهما قطبا المجاز الذي تعبره الدلالات من مجال إلى آخر .

* أولاً الاستعارة :

و فيها مجالان للتغير الدلالي :

(١) الأول التبديل اللغوي أو النقل غير التصويري :

و يكون في أصله طريقة للتسمية دون قصد إلى غرض فني و يطلق على ذلك النوع “التسمية الإدراكية” و من ذلك أمثلة كثيرة في العربية و كذلك غيرها من اللغات نحو (رِجْل الكرسي – عين الباب – عنق الزجاجة – رأس الجسر – أسنان المِنشار – ذراع الآلة) .

(٢) الابتكار في التصوير لإثارة المتلقي :

و يكون في أصله استعارة فنية مقصودة لكنها لطول الاستعمال الذي يولِّد الاعتياد يزول عنها الإثارة و الإدهاش الفني فتصبح استعارة ميتة و تدخل ضمن رصيد اللغة المعجمي و قد ذكر  (الزمخشري) في “أساس البلاغة” شواهدَ منها قولنا “أَشْبَلَتِ المرأة على أولادها” أي صبرت على رعايتهم بعد فقد زوجها و في أصل دلالتها البناء على تشبيه المرأة التي تعطف على أولادها باللبؤة التي ترعى أشبالها و تدافع عنهم … و بذلك تم نقل المعنى من مجال عطف اللبؤة على أشبالها إلى مجال عطف المرأة على أولادها للمشابهة بين المدلولين .. غير أن هذا المجاز فقد إثارته و غدا أسلوبا لغويا ضمن المعجم .

ثانيا المجاز المرسل ؛

و يضم صورًا أخرى يظهر فيها انتقال الدلالة من مجال إلى آخر ؛ فاللفظ من طرائق توسُّلِه لانتقال دلالته المجازُ المرسل الذي يعتمد مجموعة من العلاقات بين المدلولين كالمجاورة و السببية و الجزئية و الكلية … إلخ .

و من ذلك – استنادًا على المجاورة – كلمة “مكتب” التي هي في الفصحى منضدة الكتابة ثم غدت دالة على الحجرة التي توضع فيها المنضدة بسبب المجاورة ثم اتسعت دلالتها لتشير إلى “هيئة” حكومية تُدَار منها أعمال متنوعة لمكتب محاماة أو مكتب استشاري في الهندسة و كذلك المكتب المركزي للإحصاء مثلاً و غير ذلك الكثير الكثير .

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: