من قضايا اللغة (2) 

 

بقلم الأستاذ الدكتور مصطفى شعبان

 

يُطرحُ في الآوِنَةِ المعاصرة كثير من القضايا المستجِدة في النحو والصرف واللغة تبحثُ عن مُعالجة تتوافق وقواعد لغة العرب وقوانينها وأصولها السماعية والقياسية المقررة، وقد عُرِضَتْ عَلَيَّ كَثيرٌ مِنْ تِلْكَ القضايا والمسائل فاجتهدتُ وأجبتُ عَنْها وفق ما استقر لدي من قناعة وما اجتمع عندي من دلائل، ومن تلك القضايا:

7- ما النسب إلى “كوريا الجنوبية” و”جنوب أفريقيا”؟

الجواب:

هذا ما يُسمى النَّسَبُ إلى العلم الموصوف، فيُنسب إليه على حاله بزيادة ياء النسب المشددة إلى رُكْنَي الوصفية (الصفة والموصوف)، ففي كوريا الجنوبية مثلا تقول: لاعب كُورِيٌّ جَنُوبِيٌّ، أو اللاعِبُ الْكُورِيُّ الجَنُوبِيُّ، وتقول في أفريقيا الجنوبية: لاعبٌ أفريقيٌّ جَنُوبِيٌّ، واللاعِبُ الأفْرِيقِيُّ الجَنُوبِيُّ، ولا يصح قولك: “اللاعب الجنوب أفريقي”؛ لما يترتب عنه من اللَّبْسِ، لما بين جنوب أفريقيا وأفريقيا الجنوبية من الفرق الواسع من حيث الدلالة اللغوية والجغرافية.. فجنوب أفريقيا دولة جمهورية تقع في أقصى جنوب أفريقيا، أما أفريقيا الجنوبية فهي المنطقة الجنوبية من أفريقيا وتضم 13 دولة، فافهم ذلك.. والله أعلم.

 

8- هل يُمنع الهيدروجين ونحوه من أسماء الغازات والأشياء من الصرف للعلمية والعجمة؟

الجواب:

الهِيدْرُوجِينُ أو الإِيدْرُوجِينُ وأخواته من أسماء الغازات، وأسماء المُذَنَّباتِ والنباتات والحيوانات التي نُقِلَتْ إلى العربية من الأعجمية مما ليس علمًا في اللغة الأعجمية ونقله العرب إلى لغتهم نكرة أول الأمر لا علمًا، فشأنه شأن أسماء الأشياء الأعجمية المُعَرَّبَةِ نحو: “سَاذَجٍ” و”ديباجٍ” و”لجامٍ” و”إستبرقٍ” فكل منها في اللغة الأجنبية اسم جنس يدل على المعنى المعروف، وقد نقله العرب إلى لغتهم اسم جنس كذلك في أول الأمر، فلا يجوز منعه من الصرف.

فتقول: أُكْسُجِينٌ نَقِيٌّ، واستنشقتُ أُكسُجِينًا نقيًّا، ويُعاني المريضُ من نقص أُكْسُجِينٍ.

وتقول هِيدْرُوجِين وإِيدْرُوجِين بكسر الهاء أو الهمزة لأنه صَارَ مُعَرَّبًا، فَيُنْطَقُ بِهِ على عادة العرب في النطق.

والله أعلم

 

9- هل تعبير: “اللامكان” و”اللازمان” فصيح؟ وما إعرابه؟

من التعبيرات التي انفرد بها المناطقة قولهم: الشيءُ واللاشيءُ، الوجودُ واللاوجودُ، المفهومُ واللامفهومُ، الكُلِّيُّ واللاكُلِّيُّ، المُمْكِنُ واللامُمْكِنُ،..إلخ، ولا يخفاك أنه من التعبيرات المُوَلَّدَةِ حديثًا، ولم يعرف العرب هذا التعبير ولم يستعملوه ولم تذكره المعاجم القديمة ما خلا معجمَ اللغة العربية المعاصرة، ويمكن عدُّهُ من جنس النحت الذي عرفته العرب قديمًا، فالعرب تَنْحَت من كلمتين كلمة واحدة لضربٍ من الاختصار كما قالوا (رجل عَبْشميٌّ) أي من عَبْدِ شَمْس، وقالوا: الحَيْعَلَةُ في (حَيَّ عَلَى)، ويقال قد أكثر من البَسْملةِ إذا أكثر من قول: (باسم اللَّه)، ومن الهيلَلة إذا أكثر من قول (لا إله إلا الله) ومن الحَوْلقة أو الحَوْقَلَةِ إذا أكثر من قول: (لا حَوْلَ ولا قوة إلا بالله)، ومن الحمدلة أي من (الحمد للَّه)، لكن مع الفارق، ففي النحت العربي القديم المعروف، لابد من حذف ما في النحت، أما في قولهم (اللامكان، واللازمان،..) فقد دمجوا بين (الـ) التعريف و(لا) النافية و(الاسم)، لكن الجامع بين النحت القديم وهذا التعبير المولَّد، أن في كليهما حكاية كلمتين اندمجتا وصارتا كلمة واحدة بدون ترك فاصل أو فراغ بينهما، وتُعرب هذه الكلمة بعد الاندماج حسب موقعها من الإعراب، فتقول: اللَّامَكَانُ المَجْهُولُ، واخْتَرْتُ اللَّاوُجُودَ، ومَعْنَى اللاشَيءِ.. والله أعلم.

 

10- هل تأتي الإضافة بمعنى آخر غير (في أو مِنْ أو اللام)؟

الجواب:

المتفق عليه بين أغلب النحويين أنّ الإضافة تأتي بمعنى (مِن) أو (في)، ووضعوا ضابطًا لتقدير أيٍّ منهما، وهو أنّ الإضافة تكون بمعنى ما يصلح تقديره، فإن صلُح تقدير (مِن، أو في) فالإضافة بمعناهما، وإن لم يصلح فالإضافة بمعنى (اللام) التي تفيد الاختصاص أو الملكية، فتكون الإضافة بمعنى (مِن) إذا كان المضاف إليه جنسًا للمضاف، نحو: هذا ثوبُ حريرٍ، وخاتمُ حديدٍ، والتقدير: هذا ثوبٌ من حريرٍ، وخاتمٌ من حديدٍ؛ لأنّ الحرير جنس للثوب، والحديد جنسٌ للخاتم، وتكون الإضافة بمعنى (في) إذا كان المضاف إليه ظرفًا واقعًا فيه المضاف؛ نحو: حَدِيثُ الصَّباحِ والمساء، أي حَدِيثٌ في الصباح والمساء، قوله تعالى: ((بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ))، أي: مكرٌ في الليل والنهار، وتكون الإضافة بمعنى (اللام) وهو الأصل: إذا لم يصلح تقدير الإضافة بـ (من، أو في)، كمثل: هذا كتابُ محمدٍ، فلا يصلح في هذا المثال تقدير (مِن) ولا يصلح تقدير (في)، ولذا فالمعنى يكون صحيحًا على تقدير (اللام) التي للملكية والتقدير: هذا كتابٌ لمحمدٍ، أو التي للاختصاص؛ كمثل: لِبَاسُ الزِّفَافِ، أي لِبَاسٌ لِلزِّفَاف، ولم يتعرض النحاة لتقدير حرف آخر سوى (مِن، وفي، واللام) فيما أحسب…والله أعلم

 

11- هل يجوز العطف بـ(ليس) على غرار (لا)؟

استعمال (ليس) بدل (لا) النافية صحيح شريطة أن تنصب خبرها فتقول: ما بيننا اختلافٌ وليس خِلافًا، والعطف هنا بالواو العاطفة دون (ليس)، وقد أثبت الكوفيُّون العطف بـ(ليس)، إن وقعت موقع (لا)؛ نحو: قام عبدُ الله ليس زيدٌ، وخذ الكتاب ليس القلمَ، ومررت بعبد الله ليس زيدٍ، وعليه قول الشاعر:

أين المفرُّ والإلهُ الطالبُ *** والأشرمُ المغلوبُ ليس الغالبُ

فـ(ليس) هنا حرف عطف، و(الغالب) معطوف على (المغلوب)، ولو كانت (ليس) هنا فعلًا ناقصًا لنصب (الغالب) على أنه خبر لها. ويُشترط في العطف بـ(لا) ألَّا تقترن (لا) بعاطف آخر؛ لأن حرف العطف لا يدخل على حرف العطف مباشرةً، فإن اقترنت (لا) بحرف عطف كان العطف به وحده، وتمحَّضَت هي للنفي الخالص، ففي مثالك نقول: (ما بيننا اختلاف لا خلافٌ) حتى تكون (لا) عاطفة.

والله أعلم!

 

12- هل قولهم (بطاطا) و(طماطم) جمع؟ وما واحدهما؟

(بطاطا) اسم جنس جمعي يُفرق بينه وبين واحِدِهِ بالتاء، فواحِدُهَا (بطاطاة). وأهل مصر يقولون: بطاطاية، جاء في تكملة المعاجم العربية: بطاطا، واحدته بطاطاة…أما (طماطم) فاسم جنس جمعي مُعرب للفظة الأجنبية (Tomatos)، واحدها: طماطمة. وفي استعمال أهل مصر يقولون: طمطماية، وأهل نجد يطلقون على الواحد من الطماطم طماطة، والبعض يلتزم بلفظ الجمع ويأتي بالمفرد منها بقوله: (حَبَّة طماطم) كأهل القاهرة … ولا علاقة لنبتة (طماطم) بما جاء في المعاجم العربية من قولهم: والطَّمْطَمَةُ: العُجْمَةُ. ورَجُلٌ طُمَاطِمٌ، بالضَّمِّ: أَعْجَمُ لَا يُفْصِحُ.

 

13- هل يكون النعت للمضاف أم للمضاف إليه؟

الجواب:

لا يمتنع أن يتوجه النعت إلى المضاف أو المضاف إليه إذا استويا في صحة النعت به، كأن تقول: (سمعت خِطَابَ الوَاعِظِ البليغ) فالنعت هنا (البليغ) يصح أن يكون للمضاف (خطاب) ويصح أن يكون للمضاف إليه (الواعظ) على السواء وليس ثم مُرَجِّحٌ لأحدهما عقلًا إلا مقصود المتكلم ومُراده، فإن وُجِدَتْ قرينةٌ أو دليل يقصر النعت على أحدهما لم يجز صَرْفُهُ للآخر، كأن تقول: (لبِستُ ثَوْبَ الشِّتَاءِ الأزْرَقَ)، فالنعت هنا لا ينصرف عقلا إلا إلى المضاف وهو (ثوب)، فإن قلت: (لبست ثوبَ الشتاءِ القارِسِ)، فالنعت هنا لا ينصرف عقلا إلا إلى المضاف إليه وهو (القارس)، فالقرينة العقلية هنا هي الهادية إلى صرف النعت إلى مَنْ يستَحِقُّهُ، وهذا معنى سؤالك: (مالم توجد قرينة دالة على خلافه).

ولا أرى فرقًا في المضاف بين أن يكون عددًا أو غيره، فتقول: لديَّ خمسةُ كلابٍ شرسةٌ أو شرسةٍ، واستثنى ابن هشام – فيما نُقِلَ عنه – “كل” و”بعض” فإن كانت إحداهما مضافًا فلا ينصرف النعت إليهما؛ لأنهما غير مقصودتين، وإنما يُقصد ما تُضاف واحدتهما إليه، فنقول: حضر كلُّ الوَفْدِ الجَدِيدِ، لا الجَدِيدُ،.. لأن (كل) معناها معنى ما تضاف إليه، فكان متجهًا أن يكون ما أُضِيفَتْ إليه هو المقصود فيُصرف النعت إليه، لا إلى (كل، أو بعض)، لما قد يترتب على جعل النعت لـ(كل) من اللبس أحيانًا، في مثل (سمعتُ كلَّ ضيفٍ حاضرًا)، و(رأيتُ كلَّ طائرةٍ مُحلِّقَةً)، حيث وقع اللبس هنا بين الوصفية والحالية، بخلاف العدد.. والله أعلم.

 

14- ما الصحيح في ياء كلمة (سورية) التشديد أم التخفيف؟

الجواب:

ضبط البكري صاحب معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع (سُورِيَة) بتخفيف الياء قائلًا: “سُورِيَةُ بضمّ أوّله، وكسر الراء المهملة، وتخفيف الياء أخت الواو وفتحها”، وقال الزبيدي في تاج العروس: وسُورِيَةُ، مَضْمُومَةٌ مُخَفَّفَةً، وكذلك ضبطها ابن منظور في اللسان، والحموي في معجم البلدان.

فلَكَ أن تقول: (سُورِيَةُ) بالتاء المربوطة، و(سُورِيَا) بالألف، مع تخفيف الياء في الموضعين، والله أعلم.

 

15- هل يجوز الفصل بين الفعل ومفعوله بمفعول فعل آخر متأخر؟

الجواب:

بخصوص تقديم (كُلًّا بموضعه) على عامله (يُكْبِر)، فالأصل جواز تقديم المفعول على فعله كما في قوله تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا) حيث تقدم المفعول (كُلًّ) على فعله (هدينا). لكن في عبارتك إشكال وهو وجود عامل آخر متقدم وهو (صنعوا)، وتوسط الاسم الموصول(ما) يزيد الإشكالَ، فيتوهم السامع أن (كُلًّا) معمول (صنعوا)، ووجود (ما) فاصل يزيد مساحة التوهم، فهي معمولة (صنعوا) وقد فصلتَ بينها وبين العامل فيها بما يتوهم عمل ذلك العامل فيه وهو (كُلًّا بِمَوْضِعِهِ)، فلا أراها عبارة منسجمة مفهومة. وهي مخرجة على مسألة يمكن صياغتها بأنه لا يجوز الفصل بين الفعل ومفعوله بمفعول فعل آخر لئلا يقع اللبس، فلا يجوز أن تقول: ضربتُ زيدًا الذي ضرب عمرٌو. على أن (الذي) مفعول (ضربتُ) و(زيدًا) مفعول (ضربَ). والله أعلم.

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: