أخر الأخبار

من قضايا اللغة (1)

من قضايا اللغة (1)

بقلم د. مصطفى شعبان

 

يُطرحُ في الآوِنَةِ المعاصرة كثير من القضايا المستجِدة في النحو والصرف واللغة تبحثُ عن مُعالجة تتوافق وقواعد لغة العرب وقوانينها وأصولها السماعية والقياسية المقررة، وقد عُرِضَتْ عَلَيَّ كَثيرٌ مِنْ تِلْكَ القضايا والمسائل فاجتهدتُ وأجبتُ عَنْها وفق ما استقر لدي من قناعة وما اجتمع عندي من دلائل، ومن تلك القضايا:

1- هل نقول: العربية للناطقين بغيرها أو العربية لغير الناطقين بها؟

الجواب:

التعبير الأشيع والأقرب لجانب الصواب هو الأول: تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها؛ لأنه يشير إلى أن العربية لغته الثانية، وأن لغته الأم التي ينطق بها لغة غير العربية، فهو ناطق بالعربية باعتبارها لغة ثانية، وناطق بغيرها باعتبار غيرها لغته الأم.

أما التعبير الآخر: تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها يوحي بأنه غير ناطق بالعربية حتى إن كانت لغة ثانية، وهو غير مراد.

2- (عَنِيدٌ)، هل هي بمعنى (فَعِيل) أم بمعنى (فَاعِل)؟

الجواب:

العَنِيدُ في قوله تَعَالَى: (واسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ)، وفي قوله تعالى: (أَلْقِيَا فِى جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) مبالغة في العِنَادِ والإعراض عن طاعة الله، وعُتُوٌّ وطُغْيَانٌ وتَجَبُّرٌ.

و(عَنَدَ): عَتَا وطَغَا وجاوزَ قَدْرَه. وَرَجُلٌ عَنِيدٌ: عانِدٌ، وَهُوَ مِنَ التجبُّرِ.

والعَنُودُ والعَنِيدُ بِمَعْنًى، و(عَنَدَ) يَعْنِدُ بالكسر (من باب جَلَسَ) عُنُودًا، أي خالف ورَدَّ الحق وهو يعرفه، فهو عَنيدٌ وعانِدٌ. وهُمَا فَعِيلٌ وفَعُولٌ بِمَعْنَى فاعِلٍ (عانِدٍ) أو مُفَاعِل (مُعَانِدٍ)، وقد ورد استعمال (عَنِيد) و(عانِدٍ) و(عَنُودٍ) في اللغة، والأكثر (عَنِيدٌ) و(عَنُودٌ). قَالَ الزّجاج: عَنَدَ أَي عَنَدَ عَن الحقّ. ورُوِي عَن ابْن عَبَّاس أَنه سُئِلَ عَن الْمُسْتَحَاضَة فَقَالَ: إِنَّه عِرْقٌ عانِد أَو رَكْضة من الشَّيْطَان. قَالَ أَبُو عبيد: العِرْق العَانِد: الَّذِي عَنَدَ وبَغَى؛ كالإنسان يُعَانِد، فَهَذَا العِرْق فِي كَثْرَة مَا يخرج مِنْهُ بِمَنْزِلَتِهِ.

فإذا أردت أن تأتي بالمفعول من (عَنَدَ) فتقول: مَعْنُود عنه.

3- هل نقول: (في شرحِهِ كَذَا) أو (في شَرْحِهِ لِكَذَا)؟

الجواب:

لك في هذا المعنى ثلاثةُ أساليبَ جائزة:

– في شرحِ ديوانِ المتنبي. (بإضافة المصدر إلى معموله).

– في شرحِهِ دِيوانَ المتنبي. (بتعدية المصدر إلى معموله بنفسه).

– في شرحِهِ لديوان المتنبي. (بتعدية المصدر إلى معموله باللام).

وليس ثمةَ مُرَجِّحٌ يُرَجِّحُ صِحَّةَ أحدها على الأُخرى، غاية ما في الأمر، أنك لو أردت تنبيه المخاطب إلى الشارح وتعريفه به فاترك الأسلوب الأول ويحسنُ بك الإتيانُ بالضمير (شرحه) ليتعرَّفَ الشَّارِحُ، أما دون ذلك فأنت بالخيار إما أن تختار إعمال المصدر (الشرح) عمل الفعل فتنصب المفعول (شرحِهِ ديوانَ) وتُعَدِّيهِ إليه بنفسه، وإما أن تختار تعديته باللام (شَرْحِهِ لِدِيوانِ)، والمُختار الوجه الأول (في شَرْحِهِ دِيوانَ المتنبي)، فلم تُثْبِتِ المعاجم تعدية الفعل( شَرَحَ) باللام إذا كان بمعنى (بَسَّطَ، أو فَسَّرَ، أو كَشَفَ)، وإنما التعدية باللام إذا كان (شرح) بمعنى (فتح) ومنه قوله تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ)..والله أعلم.

4- هل تُلازم (فوق) و(تحت) النصب في قولهم: (فوق البنفسجية) و(تحت الحمراء)؟

الجواب:

الأصل أن (فَوْقَ) و(تحتَ) من الظروف غير المتصرفة التي لم تُسْتَعْمَلْ في كلام العرب إلا ظَرْفًا، أو مجرورًا بـ(مِنْ)، كما في قوله تَعَالَى: (فَخر عَلَيْهِم السّقف من فَوْقهم) وقوله: (تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار). وإذا استُعْمِلا اسمين بُنِيَا على الضَّمِّ، فيُقال: (مِنْ فَوْقُ)، و(مِنْ تَحْتُ)؛ كقولهم: (انحدر مِنْ فَوقُ) و(أَخذه مِنْ تَحتُ) فتبنى هَذِه الْأَسْمَاء على الضَّم وَإِن كَانَت ظروف أمكنةٍ لانقطاعها عَن الْإِضَافَة، قياسًا على (قبل، وبعد).

والاستعمال المعاصر يلتزم نصب (فوق) و(تحت) في قولهم (فَوْقَ البنفسجية)، و(تحتَ الحمراء) على الظرفية، ولم يستعملهما مرفوعين ولا مجرورين، وعليه يكون إعرابهما على الأصل الاستعمالي الشائع ظرفين منصوبين لعامل محذوف وجوبًا؛ لأنه كَوْنٌ عامٌّ؛ فيقع خبرًا؛ مثل: الأشِعَّةُ المطلوبةُ فوقَ البنفسجية (أي كائنةٌ فوقَ البنفسجية)، ويقع صفة؛ مثل: تَعَرَّضَ الجهازُ للأشعةِ فوقَ البنفسجيةِ (أي للأشعةِ الكائنةِ فوقَ البنفسجية)، ويكون حالًا؛ مثل: أصابتني الأشعةُ تَحتَ الحمراءِ (أي حال كونها تحتَ الحمراء)، ولم يرد في الاستعمال المعاصر استعمالهما في موقع الصلة في هذين التركيبين لما فيه من الركاكة، فلم يقولوا: عَمِلْتُ الأشعةَ التي فوقَ البنفسجية، أو الأشعةَ ما تحت الحمراء، والله أعلم.

5- هل ترد (إذْ) فجائية كـ(إذا)؟

الجواب:

(إذْ) من الألفاظ المشتركة التي تكون اسمًا ظرفًا في مواضع وحرفًا في مواضع أخرى، ومن تلك المواضع أن تكون للمفاجأة، ولا تكون للمفاجأة إلا بعد (بَيْنَا) و(بَيْنَمَا). ومَثَّل لذلك سيبويه بقوله: (بَيْنَا أنَا كَذَا إِذْ جَاءَ زَيْدٌ). واختلف في (إذ) هذه؛ فقيل: هي باقية على ظرفيتها الزمانية، وقيل: هي ظرف مكان، كما قالوا في (إذا) الفجائية. واختار ابن مالك الحكم بحرفيتها.

وعلى قول ابن مالك يكون إعراب (إذ) الفجائيّة: حرفًا مبنيًّا على السكون لا محل له من الإعراب.

واختلفوا على القول بظرفيتها في العامل فيها، فقال ابن جني: الناصب لها هو الفعل الذي بعدها، وليست مضافة إليه، والناصب لـ (بينا وبينما) فِعْلٌ يُقَدَّرُ مما بعد (إذ)، وقال الشلوبين: العامل في (بينا) ما يفهم من سياق الكلام، و(إذ) بدل من (بينا)، أي: حينَ أنا كذلك إذْ جاء زيد، أي: وافقتُ مَجِيءَ زيدٍ.

خلاصة القول: أن (إذ) لا تكون للمفاجأة إلا بعد (بينا) و(بينما)، أما ما جاء في قول الشاعر:

فإذْ بقلبِكَ مزْحُومٌ بمَنْ فِيهِ

فإنما اضطر الشاعر إلى ذلك من أجل إقامة الوزن، فيُحمل على ضرورة الشعر، أما في اختيار الكلام فلا يُلْجَأ إلى مثل ذلك الأسلوب.. والله أعلم.

6- هل تُحذفُ ألف (ابن) بين كل علمين أجنبيين؟ وهَلْ تُمْنَعُ الأعلامُ الأجنبية كلها من الصرف؟

الجواب:

عُلِمَ مِنَ النَّحْوِ أن همزة (ابن) تحذف إذا وقعت (ابن) بين علَمين، وكانت هي نعتًا أو بدلاً للاسم قبلها، فنقول: مُحَمَّدُ بنُ بَكْرٍ، وجَعْفَرُ بنُ وَائِلٍ… وتكون (ابن) تابعة في الإعراب لما قبلها، وقد سُمِعَ الاسم الذي قبلها غَيْرَ مُنَوَّنٍ للتخفيف، أما الاسم بعد (ابن) فيكون مضافًا إليه، ولا فرق بين العلمين أن يكونا اسمين، أو كُنيتين؛ مثل: أبو بَكْرِ بن أبي مُحَمَّدٍ، أو لَقَبَيْنِ؛ مثل: سيفُ الدولةِ بنُ زَيْنِ العابدين، وعَضُدُ الدَّوْلَةِ بنُ الفرزدقِ.. فإذا وقعت (ابن) خبرًا عن علم منون متقدم عليها لم تُحذف ألفها؛ كما في قولك جوابًا عن سؤال (مَنْ هِشَامٌ؟): هِشَامٌ ابنُ عبدِ الله..

هذا في الأسماء العربية أو الأعجمية المُعَرَّبَةُ مثل: إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق،…، أما الأسماء الأجنبية التي لم تُعَرَّبْ، فلا يخفى ما يترتب من إدخال (ابن) كلها بينها من الركاكة وعدم الانسجام بَلْهَ حَذْفَ ألف (ابن)، واستمع إلى قولي: بِيتَر بن دِيفيد، وإلى قولك: مارك بن مايكل، فلا أرى جواز إدخال (ابن) بين علمين أجنبيين إلا بعد تعريبهما وردِّهِمَا إلى نَقْلِ العرب لهما إلى لغتهم علمَيْنِ في أول استعمالهما العربي، فنقول في مايكل إيزاك: ميكائيل بن إسحاق، وفي ديفيد إفرايم: داوود بن إبراهيم، أما التي ظلت على حالها في الاستعمال العربي المعاصر دون تعريب فلا ينسجم جَرْسًا ولا صوتًا ولا ذَوْقًا إقحام (ابن) بينها.

أما بالنسبة للمنع من الصرف في نحو قولك: توم بن أرنولد، ونحوه من الأعلام الأجنبية المنقولة حديثًا، فالرأي الراجح أنها ممنوعة من الصرف وجوبًا للعلمية والعجمية، مادام قد تحقق فيها شرطا المنع وهما:

– أن تكون أعلامًا في أصلها الأعجمي ثم تنتقل بعد ذلك إلى اللغة العربية أعلامًا فيها.

– وأن تكون رباعيَّةً فأكثر.

فإن كان العلم الأعجمي ثلاثيًّا فإنه لا يمنع من الصرف، سواء أكان ساكن الوسط، أم متحرك الوسط؛ مثل: نوح، وإذا كان العلم الأعجمي قد دخل العربية قديما أو حديثًا وهو ساكن الآخر لزومًا بسبب ضبط الحرف الأخير بالسكون أصالة؛ مثل: ابن جني، وابن سيده … بسكون الياء في الأول من غير تشديد، وسكون الهاء في الثاني، فإنه يعرب كما ذكر الدكتور عباس حسن -في أقوى الآراء- إعراب الممنوع من الصرف، ولكن بعلامات مقدرة على آخره في جميع حالاته.

وعليه فـ(تُوم) علم أعجمي ثلاثيٌّ، فيُجرى مُجرى (نوحٍ) في الصرف، ولو قال قائل: إنه يلزم سُكون الآخر أصالة في لغة قومه فيُعرب إعراب الممنوع من الصرف بعلامات مقدرة على آخره في جميع حالاته لكان قولًا له وجهٌ، والله أعلم.

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: