من قضايا الإيمان بالقدر عند الشباب  

د.محمد السيد عبده
كلية أصول الدين وعلوم القرآن بجامعة السلطان عبد الحليم معظم شاه الإسلامية العالمية بماليزيا
من الأمور التي يجب الإيمان بها عند المسلم؛ الإيمان بالقدر خيره وشره-كما جاء في الحديث النبوي الشريف- إلا أنه قد يصيب المسلمين عامة-والشباب خاصة- بعض الأمور التي تضعف إيمانه بالقدر ومنها: ما يراه أمامه من الحوادث الكونية، وما يشاهده من قتل كل يوم من البشر بعضهم البعض، وما يحزنه بسبب أنه فقير وغيره غني غنىً فاحشًا، أو أن صديقه أصبح طبيبًا وهو تاجرًا، أو يوسوس له الشيطان بارتكاب المعصية ثم يقول بأن الله أراد ذلك ولو لم يرد المعصية ما فعلت، أو الفتيات بعد سن البلوغ تقول لو شاء الله أن ألبس الحجاب لهداني الله إليه وغير ذلك من الأفكار المغلوطة التي نراها بين شبابنا.
أحاول في هذا المقال معالجة هذه المسألة التي ترجع إلى الفهم والوعي ثم التصديق والإقتناع.
لابد للإنسان أن يفهم معنى القدر الذي هو بمعنى تقدير الله تعالى الأشياء في القدم، وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة وكتابته سبحانه لذلك ومشيئته لها ووقوعها على حسب ما قدرها جلّ وعلا و خلقه لها. يقول الله تعالى:” إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ” (القمر: 49″ وقال تعالى:” سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا” (الأحزاب، آية 38)” وقال تعالى:” وخَلقَ كلَّ شيءٍ فَقَدّره تقديرًا” والمعنى أن الله خلق كل ما في الكون وكل حركاته وسكناته، وعلم ما كان ويكون وما هو كائن لو كان كيف يكون، وقدر وأوجد كل شيء بتقدير وحكمة؛ لكن عندما يتسائل الشباب عما يحدث فيه من آلآم وأحزان وموت حبيب وصديق يظن أن هذا شر محض ليس هناك خير وراءه، ويزيد من هذا الشك كثرة الشبهات التي تنهال عليه من الملحدين عبر الإنترنت.
يجب أن يعلم شبابنا أن الشر نوعان: شر محض، وشر نسبي. فالشر المحض؛ أي لا يوجد خير أبدًا وهذا مستحيل عقلا وواقعا نشاهده أمامنا، فالإنسان ينجح في شيء ويرسب في شيء آخر وهكذا.
أما الشر النسبي؛ فإنه يجري بأقدار وحكمة من الله تعالى، كشرور الحياة منها ما سوف ندرك بعد زمن قريب أنه في الحقيقة كان خيرا أراده الحكيم بنا كما أدرك ذلك صاحب السفينة عندما أخرقها سيدنا الخضر. ومنه ما سوف يدرك بعد حقبة من الزمن كما أدرك ذلك الغلامان الذَين وجدا كنزا بعد بلوغهما، ومنه ما لن يدرك أبد الحياة كأم الغلام التي لم تدرك أن موت إبنها صغيرًا كان رحمة له من دخول النار، ولأبويه من إرهاق العقوق، وللمجتمع من الإفساد والشرور، وأن إبنها الثاني كان بدلاً وتعويضا. ويوجد أمثلة واقعية حدثت وما زالت تحدث تبين أن أقدار الله كلها خير، فقد هناك طالبًا فى ﻛﻠﻴﺔ الطﺐ كان يقف أمام ﺍﻟﻜﻠﻴﺔ ﻣﻊ زملائه. ﻭجاءت سيارة مسرعة اختارته وصدمته دون غيره من الطلاب! أسرعوا به الى ﻣﺴﺘﺸﻔﻰ ﺍﻟﺠﺎﻣﻌﺔ.فأبلغه ﺍلأطباء أن ﻋﻨﺪﻩ ﻛِﻠﻴﺔ تنزف، ﻭيجب أن ﻳﺴﺘﺄﺻﻠﻮﻫﺎ ﻓﻮﺭًا، ﻭﺍﻻ ستتسبب فى ﻣﻮته! فاضطر إلى أن ﻳﺨﺘﺎﺭ ﻣﺎ ﺑﻴﻦ ﻛﻠﻴﺘﻪ ﺍلتى تستأصل ﻭﻳﻌﻴﺶ، أﻭ ستبقى ﻭﻳﻤﻮﺕ ﻓبالطبع اختاﺭ أﻧﻬﺎ تستأصل ﻭﺑﻌﺪ عدة أيام. ﻭﻫﻮ جالس ﻣﻜئبًا فى غرفته ﻳﺪﺧﻞ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺠﺮﺍﺡ ﺍﻟذى أجرى له ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﻭﻫﻮ ﻣُﺒﺘﺴﻢ ﻭﻳﻘﻮل ﻟﻪ: هل ﺗﺴﻤﻊ ﻋﻦ ﺍﻟﻘﻀﺎﺀ ﻭﺍﻟﻘﺪﺭ؟! ﺍﻟﻄﺎﻟﺐ ﻳﻘﻮل ﻟﻪ: أجل ﻳﺎ ﺩﻛﺘﻮﺭ لكنى ﺧﺴﺮﺕ كثيرا.. وتم استئصال كليتى!! فقال له ﺍﻟﺪﻛﺘﻮﺭ: أﻧﺎ ﻛﻨﺖ مثلك أسمع ﻋﻨﻪ حتى ما شاهدته معك، ﻭنحن نجرى لك ﺍﻟﻌﻤﻠﻴﺔ ﻻﺣﻈﻨﺎ ﻭﺟﻮﺩ ﻧﺴﻴﺞ ﻏﺮﻳﺐ ﻓﻰ ﺍلكلية التى استأصلناها.. وأرسلناها إلى المختبر للتحليل، ظهر أنه كانت ﺑﺪﺍﻳﺔ ﺗﻐﻴﺮﺍﺕ ﻟﻠﺨﻼﻳﺎ فى طريق ﻧﺸﺎﻁ ﺳﺮﻃﺎنى التى ﻻ ﻳﻤﻜﻦ أن ﺗﻜﺘﺸﻒ إﻻ فى ﻣﺮﺣﻠﺔ ﻣﺘﺄﺧﺮﺓ ﺟﺪًا ﻭﺗﻜﻮﻥ ﺣﻴﺎﺗﻚ ﻫﻲ الثمن.
ﺍﻟﻄﺎﻟﺐ: هل تقصد ﻳﺎ ﺩﻛﺘﻮﺭ أﻥ ﺍﻟسيارة ﺍﺧﺘﺎﺭتنى ﻭﺣﺪﺩﺕ ﻣﻜﺎﻥ الإﺻﺎﺑﺔ بالضبط لأخذ ﻓﺮﺻﺔ ثانية ﻟﻠﺤﻴﺎﺓ؟! ﺍﻟﺪﻛﺘﻮﺭ: تخيل!! هل تعتقد أنها ﺻﺪﻓﺔ؟، ﺍﻟﻄﺎﻟﺐ ﻭﻫﻮ ﻣُﺒﺘﺴﻢ: أﻛﻴﺪ هذا ﻗﻀﺎﺀ وﻗﺪﺭ.
من هنا نقول: من أهم صفاته تعالى ” الحكيم ” أي صاحب الحكم والحكمة على وجه الإتقان والإحكام، فلا عبث في الوجود والخلق والدين يقول تعالى في الآية 115 من سورة المؤمنون: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾، لقد عبّر القرآن الكريم عن العبث بثلاث كلمات مختلفة وهي: اللغو، واللهو، والسهو، ومن هذا المنطلق لا لغو ولا لهو ولا سهو في الخلق والوجود والدين. أما في الآية 30 من سورة الشورى يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، وأما حبيبنا المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فقد نادى ربه قائلاً: «لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»[2]، وأما عبارة الحديث: “خَيْرُهُ وَشَرُّهُ مِنَ اللَّهِ”، فمحمول على الإيجاد لا على الإسناد، لو لم يخلق الله الشرّ على وجه الأرض لانعدمت الغاية من الخلق، وقد جعل الله إقامة الخير والعدل والرحمة، والقضاء على الشر والظلم غايةً لوجود الإنسان، وهل يحق لنا بعد هذا أن نقول لله سبحانه وتعالى لماذا خلقت الشر؟ ولمِ لا تمنعه؟ فلو لم يخلق الله الشرّ لمَا مُتِّع الإنسان بالإرادة والحرية.. ولمَا خُيّر الإنسان بين الخير والشر وبين الإيمان والكفر. 1 من فبراير 2023

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: