ملحمة المدنجية – الحلقة الأولى

ملحمة المدنجية – الحلقة الأولى

بقلم: يسري ربيع داود

المادة التاريخية – عبدالناصر عبد الله

اليوم الأول

المكان : مدرج ( أ ) كلية الآداب ، عربي مبنى جامعة عين شمس المدينة الجامعية .. مبنى ( د )

الأحداث:

في عصر أحد الأيام ، وفي محاضرة للدكتور رمضان عبد التواب(رحمه الله )، أستاذ علم اللغة بالكلية حينئذ ، كنت أجلس في مكاني المعتاد قبالة الدكتور المحاضر أدوّن كل ما يتفوه به ثم أناظره بكتابه ، وأمامي يجلس صديقي الأنتيم عبدالناصر مع مجموعتنا التي لا تمل من الضحك ولا الإفيهات،  تقتنص السعادة من بين أقسى اللحظات كآبة ،وتبتسم في مواجهة التحديات ،جلس ناصر وبجواره حسام حسن (من الشرقية )،وسعيد يوسف (قليوبية)،ووائل محمود( الشرقية)  ومحمد عبد الجيد (البحيرة)، وكان حسام حسن بجوار ناصر ،وحسام  كان معروفا  بثقته في نفسه ولباقته ، كنت إذ رأيته تحسبه مصطفى قمر، بشعره أصفر مجعد وعيون عسلية ،ومشية متأنقة ،بقميصه الأبيض المزركش بالأزرق ،والزركشة على النسيج  مع الجينز الواسع كانا موضة التسعينات  .

وبعد انتهاء المحاضرة جاء زميل بالقسم، ليس مدنجيا (نسبة إلى المدينة الجامعية)، وأشار لحسام قائلًا :

– ممكن كلمة برة…

تنقل حسام بين المقاعد الطويلة ، نزل الدرج في منتهى الثقة خلف الداعي وفي يده كتابه،  أصابنا القلق ،فليس هذا الزميل من (الشلة )،كما أن هيأته لا توشي بخير ،بيد أن سعيد يوسف طمأننا . وسعيد يوسف كنت لا أناديه بهذا الاسم ؛بل كنت أناديه سعيد الثقفي ، وهو قريب الشبه جدًّا من يونس شلبي ،لا يعطي أهمية لأي شيء ؛بل كان بالنسبة له كل شيء عادي :

– حيحصل إيه يعني ؟

هكذا كان يقول ،وكان عبد الناصر يقول دائمًا إن سعيد له نظرة فلسفية عميقة متأملة لكنها _أي النظرة الفلسفية _غريبة الأطوار، تحسبها فلسفية وهي إلى الباذنجانية أقرب .. فلم يشاركنا القلق إلا قليلًا، حيث كان دائما يميل لتحليل الموقف بصورة يعجب لها ذوو الألباب، لدرجة أننا قد نتركه يتفلسف ونمضي ويستمر هو في تفلسفه !

وعندما يتنبه  بعد إخراج فلسفته في الهواء يتكلم مع نفسه قائلًا:

– انتو عيال رخمة !

المهم خرجنا نبحث عن حسام خارج المدرج فوجدناه مضروبًا في عينه التي تورمت ،والغريب أنه يبدو عاديًّا رغم أن العلقة بدت ساخنة يظهر أثرها على عينه ،فهل نسكت ،قد كنا نشحذ الضحكة من فم المصيبة ، تلاقت الأنظار ،وبدى على سعيد الفيلسوف الخزي لأنه لم يحلل الموضوع بطريقة صحيحة ،والحق أنه لم ينجح قط في تحليل أي موقف ، ابتسمنا وعبد الناصر الذي كان — – ولا يزال_ في  الحقيقة _يفهمني من دون كلام ،يفهم الإفيه قبل أن أطلقه ،يعرف التريقة قبل أن تسقط على رأس صاحبها فتسلبه كل ناحية إيجابية في المعركة، أما عبد الجيد العجوز المتصابي فنظر إلى سعيد شزرًا وقال له باحتقار :

– انت عيل تافه ،ولا ليك أي تلاتين لازمة ،نعمل إيه احنا دلوقتي؟

ثم تنحى جانبًا ويكأنه حزين ،لكنني رأيته يركن إلى جذع الشجرة يلفظ ضحكته المعتادة بعد نوبة من الجد ،ثم عاد إلى تجمعنا بهيئة يبدو على ظاهرها الجد وتخفي في باطنها قمة الهزر.

بادر ناصر صديقنا المتورم وإلى جانبه وائل يتأفف:

– في ايه يا ابني.. ؟

رد حسام الشرقاوي بلا مبالاة:

–  جاي يقول لي بتعاكس خطيبتي ليه.. وضربني..!

انتحيت جانبًا مع سعيد الفيلسوف لنفرغ الضحكة الملعونة التي أتت في غير وقتها ،في حين يبدو عبدالناصر متماسكًا، ويرد عليه باهتمام ملحوظ :

– وأنت عملت ايه؟

يرد حسام:

– ضربته أنا كمان!

يرد ناصر، وكأنما يطبطب عليه :

– تمام ، واحدة بواحدة.

انطلقنا من مكاننا ،نظر ناصر إلى الشبراوي الذي نادى حسامًا ،ونظرنا إليه جميعًا ،فلم يبد عليه أي أثر للضرب ، وكانت الحلقة التي تمسكنا بها لتصبح السبب في ضحكاتنا التي لا تحتاج أصلًا لسبب ويا ويل من يسوقه قدره ليقع وسط يسري، وناصر ،وسعيد ،ومعنا الضلع الرابع عبد الجيد ،وما أدراكم ما عبد الجيد !

عبد الجيد هذا يا حضرات هو الذي نجح في الكلية بدعاء الوالدين ، كان أكبرنا سنًّا ، إلا أنه كان ابن نكتة ،يتكلم بجدية مع أي زميل لدرجة أنك تحسبه صاحبك وحبيبك ،لكنه في حقيقة الأمر يدبر لك مكيدة تجعلك تندم على اليوم الذي تواجدت فيه وسطنا .

وبالمناسبة ،أحكي لكم عن زميل لنا ،سعيد سمير ،كنا نطلق عليه سعيد نكلا ،لأنه من بلد اسمها نكلا إحدى قرى محافظة الجيزة ،وكان سعيد _حفظه الله _ لا يدخل مكانًا إلا ويأخذ ضيافته عنوة ،وفي إحدى المرات دخل علينا ،فقام ناصر بتجهيز مشروب خاص، هو خليط من الشاي والسكر والملح والتوابل وكل شيء مركون في الرف الخشبي بغرفة ناصر بالمدينة الجامعية ، وكان يومًا حافلًا بالنكات والضحك لدرجة البكاء ، وكان المسؤول عن إلهاء  سعيد نكلا  حتى ينهي المشروب هو المدعو عبد الجيد!

نعود إلى الحادثة سبب ملحمة حديثنا اليوم ، فعند خروجنا من المدرج إلى حرم الجامعة بدا  على  صديقنا وائل محمد الغضب ،وكان من الشرقية ،ووائل فتى أبيض بياض أوروبي ،بشعر أصفر، وعيون ملونة ،يلبس في معصمه سوارًا ذهبيًّا ،وقد أتاه الله بسطة في الجسم ،ولكنه على هذه الهيئة طيب القلب جدًّا ،لدرجة أن كلمة واحدة من زميل يقولها له بجدية تجعله يغير وجهته 360 درجة .

كان وائل الشرقية  يراقب معنا الموقف ،لكنه لم ينبس ،بيد أنه كان يخبئ نارًا تحت الرماد، نارًا ستوقظ في المدنجية نارًا لا يعلم مداها إلا الله ،وقد شعر بالإهانة لأن  حسام بلدياته، وجدناه قد انتفض ،رغم أن حسام لم يظهر أي نوع من الحزن، ورغم أن أثر الضرب بدا واضحًا على عينه.

ذهب ناصر للزميل الذي كان قد تشاجر مع حسام ،وكان يعرفه جيدًا، وسأله عن المشكلة، فقال لناصر:

– ابعد انت عن الموضوع  علشان الموضوع كبير..

تدخل سعيد  في أذن ناصر هامسًا :

– هو بيزعق ليه؟

بدا وائل  غاضبًا ، يريد أن يشتبك ،ولكن لم يجد سببًا كافياً للدخول في المعركة،  كان رقيق القلب فلم يكن يعرف من أين يبدأ الاشتباك.. فقال بعفوية :

– هاتوا لي  راجل أكلمه…

وفجأة وجدنا حوالي عشرين قد تجمعوا،  وكأن وائل دعك الفانوس…

رد أحدهم بصوت شبراوي (صايع):

– واحنا مش عجبينك يا ..؟  وشتم

أشار وائل بيده إشارة مكسور الجناح ،فماذا سيفعل وسط كل هؤلاء ،وحوله أنا وناصر وسعيد الفيلسوف ،نحن مجموعة لم تخلق للمعارك ،بل خلقنا للتريقة على خلق الله ،والمذاكرة فقط .

قال وائل بعصبية وهو يغادر المكان وعينه الخضراء تطلق الشرر:

– بقولكم إيه ،روحوا نادوا زمايلنا من المدينة

رحنا طبعًا  فما وجدنا أحدًا  ، كلهم كانوا في محاضرات…

رجع ناصر إلى الجامعة التي يفصلها عن المدينة شارع واحد، فقابل وائل  على باب المدينة وهو حزين جدًّا.

وقال وائل بانكسار وبلهجة شرقاوية :

– احنا اتبهدلنا (بفتح الدال)، واللقاء ومع العيال دول الأسبوع الجاي لازم ناخد حقنا..

وبدأ الاستعداد لتجميع المدنجية الذين لا يشغلهم الآن إلا بطونهم بعد نهاية اليوم ،وترى الواحد قد سحب ملعقته في يد ،وفي يده الأخرى بطاقة التغذية ،متجهًا إلى المطعم الذي اقترب غلق أبوابه ،فإذا حاولنا التكلم مع أحد هبدنا بظاهر كفه حتى نفسح له الطريق للمطعم ،فعم صلاح على الأبواب قد ولدته أمه في ليلة سوداء قد انقطع فيها النور  والسرور فلا تراه مبتسمًا أبدًا.

وفي الليل نبدأ الشحن إيذانًا بخروج المدنجية لملاقاة أشباح شبرا .

بدأ وائل والمجموعة المشاغبة في بث روح الحماس في المدينة إيذانًا بشىروق يوم جديد لا يعلم أحد فيه لمن تكون الغلبة .

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: