مع كافور الإخشيدي  

بهجت العبيدي

سبعة وثلاثون عاما فقط هو عمر هذه الدولة التي أسسها مُحمَّد بن طُغج، وذلك في العام ٩٣٥م، ومؤسسها كان غلاما تركيا، أبلى بلاء حسنا في صد الفاطميين الذين كانوا يسعون حثيثا لاقتطاع مصر من دولة الخلافة العباسية المتداعية، وضمها إلى دولتهم الصاعدة، ولجهوده في هذا الصد فلقد منحه، بناء على طلبه، الخليفة العباسي أبو العبَّاس مُحمَّد الراضي بِالله لقب “إخشيد”، وهو لقب فارسي يعني الذكي أو النبيه، ولم تأت مطالبة مُحمَّد بن طُغج بهذا اللقب اعتباطا، أو لمجرد الصفة بل لأنه لقب ملوك المدينة الأوزبكية فرغانة “التي تبعد 420 كم شرق العاصمة الأوزبكية طشقند ولذلك حينما ترقى مُحمَّد بن طُغج في المناصب القياديَّة ووصل إلى منصب الولاية أراد أن يصل نسبه بِمُلوك فرغانة إعلاءً لشأن أُسرته.
ومن المعروف أن النفوذ التركي في مفاصل الخلافة الإسلامية كان قد تغلغل بعدما اشتد الصراع بين العنصرين: العربي والفارسي في عصر الدولة العباسية، فما كان من الخليفة المعتصم بالله للحد من هذه المنافسة الشرسة بين العرب والفرس إلا أن استعان بالعنصر التركي في الجيش والحكومة على السواء، هذا العنصر الذي كان قد بدأ يظهر على الساحة بعد دخوله عن طريق الفتوحات الإسلامية في صميم الحياة الإسلامية منذ العهد العباسي.
وكانت طرق دخولهم
١- عن طريق أسواق النخاسة: وهي أسواق شراء العبيد.
٢- عن طريق الأسر في الحروب.
٣- عن طريق الهدايا التي كان يبعثها ولاة أقاليم ما وراء النهر على شكل رقيق فكانوا يبعثون بالجواري والغلمان.

إن جد مؤسس الدولة الإخشيدية مُحمَّد بن طُغج، قد أتى إلى الخليفة العبَّاسي أبو إسحٰق مُحمَّد المُعتصم بالله مع طائفةٍ من الضُبَّاط التُرك، والمعروف أنَّ التدخُّل التُركي في شؤون الخِلافة بدا واضحًا في عهد هذا الخليفة الذي بويع في ظل صراعٍ عنيفٍ بين العرب من ناحية وبين الفُرس من ناحيةٍ أُخرى، واختلالٍ في التَّوازُن بين العصبيَّات القوميَّة التي تكوَّنت منها الدولة العبَّاسيَّة، وقد فقد ثقته بِالعرب والفُرس ما دفعهُ إلى تقريب العُنصر التُركي، وخصَّ التُرك بِالنُفوذ والسُلطان، وقلَّدهم قيادة الجُيُوش، ومكَّن لهم في الأرض، وأقطعهم قطائع في سامرَّاء.
لقد عقبت الدولة الإخشيدية الدولة الطولونية في مصر، وسار الإخشيد على طريق أحمد بن طولون مُؤسس الإمارة السابقة لِإمارته، فاستقلَّ بِمصر عن الدولة العبَّاسيَّة، واستولى على أغلب أجناد الشَّام: فلسطين ودمشق وحمص والأُردُن عدا حلب التي تركها لِلحمدانيين.
وحقق الإخشيد أكثر مما حقق ابن طولون فلقد نجح الإخشيد في ضمَّ الحِجاز إلى دولته، ذلك الذي لم يكن قد استطاع فعله ابن طولون الذي باءت محاولته في ضم الحجاز بالفشل.
وكان الإخشيد واليًا حازمًا يقظًا خبيرًا بِالحرب، شديد الحذر والحيطة على نفسه، فاعتمد على جُنده وحرسه وخدمه.
وممن اعتمد عليهم كان أحد الرقيق الذي سيصبح حاكما على مصر في حالة فريدة إذ لم تكن بدايته ترهص بذلك، فلقد اشترى في عام 923م محمد بن طغج مؤسس الأسرة الإخشيدية “كافور”. وكان كافور حبشي مخصي وأسود اللون، ولم يكن وسيماً بل كان دميماً قبيح الشكل مثقوب الشفة السفلى مشوه القدمين بطيئاً ثقيل القدم، وكان قد وقع في يد أحد تجار الزيوت فسخره في شؤون شتى. وقاسى كافور الأمرين ولقي الكثير من العنت من سيده هذا، حتى إذا خرج من تحت قبضته ووقع في يد محمود بن وهب بن عباس الكاتب، فعرف كافور السبيل نحو القراءة والكتابة فنفض يديه من متاعب المعصرة وأدران الزيت، ولقد كان السيد الجديد ابن عباس الكاتب هذا موصولاً بمحمد بن طغج ويعرفه منذ كان قائداً من قادة أبو منصور تكين بن عبد الله الحربي الخزري (- 16 مارس 933م)، هو قائد عباسي ووالي مصر ثلاث مرات، وقبل أن يصبح ابن طغج على حكم مصر.
ولقد اشترى الملك أبو بكر محمد بن طُغْج الإخشيد سنة 312هـ / 923م كافور بثمانية عشر ديناراً من محمود بن وهب بن عباس؛ ولهذا نُسِبَ كافور إليه، فقيل: كافور الإخشيدي.
وعينه الإخشيد كمشرف على التعاليم الأميرية لأبنائه، ورشحه كضابط في الجيش. فكان يفضل البقاء والإخلاص لسيده ليس طمعا في إرثه أو هداياه كما فعل بقية الناس، وعندما انتبه سيده لذكائه وموهبته وإخلاصه جعله حرا وأطلق سراحه. أُرْسِل كافور كقائد عسكري في عام 945 م لسوريا، كما أرسل ليقود حملات أخرى في الحجاز، كما كان له خلفية بالترتيبات والشؤون الدبلوماسية بين الخليفة في بغداد والأمراء الإخشيديين.
بعد وفاة مؤسس الدولة الإخشيدية مُحمَّد بن طُغج وكان ذلك في العام ٩٤٦م تولى ابنه «أنوجور» حكم «مصر» وكان لايزال طفلا صغيرًا لا يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، فقام (كافور) بتدبير أموره وأمور الدولة، وبقيت علاقتهما – كما كانت – علاقة الأستاذ بتلميذه، وأصبح (كافور) صاحب السلطان المطلق في إدارة الدولة الإخشيدية، واستطاع التغلب على المشاكل التي قابلت الدولة في مستهل ولاية «أنوجور»، وتمكن من القبض على زمام الأمور بيده وخاطبه الناس بالأستاذ، وذُكِرَ اسمه في الخطبة، ودعي له على المنابر في (مصر) والبلاد التابعة لها.
كما عامل رؤساء الجند وكبار الموظفين معاملة حسنة، فاكتسب محبتهم واحترامهم، فلما كبر «أنوجور» شعر بحرمانه من سلطته، فظهرت الوحشة بينه وبين أستاذه (كافور)، وحاول البعض أن يوقع بينهما، وطلبوا من (أنوجور) أن يقوم بمحاربة «كافور»، فلما علمت أم «أنوجور» بذلك خافت عليه، وعملت على الصلح بينه وبين «كافور»، وما لبث (أنوجور) أن مات سنة (960م).
ولمَّا مات عليّ الابن الثاني لمؤسس الدولة الإخشيدية مُحمَّد بن طُغج انفرد كافور بالحُكم، ونشط إلى توسيع رقعة إمارته مُستفيدًا من تضعضُع الدولة الحمدانيَّة، ورضى الخِلافة العبَّاسيَّة عنه. وقد استطاع كافور أن يصمد أمام هجمات الفاطميين القادمين من إفريقية. وأمضى كافور في الحُكم، نيابةً وأصالةً، اثنين وعشرين سنة، من أصل 34 سنة من حياة الدولة الإخشيديَّة كُلَّها. واعتُبر من الشخصيَّات التاريخيَّة النادرة بحيثُ يُعتبرُ بُلُوغه قمَّة الحُكم وهو الخادمُ المملوك، أوَّل حادثةٍ من نوعها في التاريخ الإسلامي، وإن كانت قد تكررت فيما بعد. وقد استغلَّ كافور الظُروف السياسيَّة التي كانت قائمةً في أيَّامه لِمصلحته، فاستفاد من ضُعف الخِلافة في بغداد، ومن الخلاف الناشب بين أُمراء الدُويلات المُجاورة، وحافظ على التوازن في الصراع القائم بين الدولة العبَّاسيَّة المُتداعية في بغداد والدولة الفاطميَّة النامية في إفريقية. وبِموت كافور، ضاع التوازن السياسي الذي كان يُحافظ عليه. فقد خلفه أبو الفوارس أحمد، حفيد الإخشيد، وكان عمره أحد عشر سنة، ولم يستطع أن يُقاوم القُوَّات الفاطميَّة التي استولت على مصر، وأسقطت الدولة الإخشيديَّة. وبدأ في مصر والشَّام عهدٌ جديد هو العهدُ الفاطميّ.
هذا العبد الذي استطاع ببراعة فائقة تعكس ذكاءه الكبير أن يمضى في الحُكم، نيابةً وأصالةً، اثنين وعشرين سنة، من أصل 34 سنة من حياة الدولة الإخشيديَّة كُلَّها. وأن يستغل الظُروف السياسيَّة التي كانت قائمةً في أيَّامه لِمصلحته، فاستفاد من ضُعف الخِلافة في بغداد، ومن الخلاف الناشب بين أُمراء الدُويلات المُجاورة، وحافظ على التوازن في الصراع القائم بين الدولة العبَّاسيَّة المُتداعية في بغداد والدولة الفاطميَّة النامية في إفريقية. والتي ما أن مات كافور حتى استطاعت الاستيلاء على مصر.
ولقد استطاع كافور الإخشيدي أن يجعل من نفسه شخصية محبوبة وأن يصنع له مكانة كبيرة في نفوس رجال الدين والعلم والفن والأدب، بعدما استمالهم بإغداق العطايا حتى ملك نفوسهم وقلوبهم ليزداد شعبية نظرا لما لهذه الفئات من تأثير في نفوس العامة.
لقد أحب المصريون هذا الحاكم العبد، فلقد عمل على قضاء حوائج الناس بنفسه، كما أنه كام كريماً وسخياً مع رعيته وشعبه، وقد أثبت للجميع أنه مهما كانت الصعاب ومهما كان الوضع، فليس هناك أسوأ من وضع الرق، ومهما كان لون البشرة الرق فإن كل ذلك لم يكن سبباً في إعاقته عن التقدم في حياته، على العكس كان دافعاً له لإثبات جدارته، ورباطة جأشه في أحلك المواقف، استطاع أن يحيا حياته بشرف بين المصريين حتى مات بينهم في القاهرة وتم نقل جثمانه ودفنوه في القدس.
ورغم هذه السنوات التي حكم فيها كافور مصر وامتدادات الدولة الإخشيدية، وهذه السياسة التي نال فيها رضا الشعب، فإن الغالبية الساحقة لا تعرفه، ولم يكن ليصبح له ذكر إلا بين أوساط المتخصصين، لولا تلك القصائد التي هجاه فيها شاعر العربية الأول أبو الطيب المتنبي، والذي كان قد غادر سيف الدولة الحمداني مصوبا نحو كافور الإخشيدي الذي كان يجزل العطاء للأدباء، والذي كان قد طلب من المتنبي النزول عليه، نقول لولا تلك القصائد التي هجى المتنبي فيها كافور الإخشيدي، بعدما خاب أمله في أن ينال منه مبتغاه السياسي، كما خاب سابقا مع سيف الدولة، لولا تلك القصائد لم يكن لكافور ذكر بين العالمين، هذا الذي يعكس مكانة الفن وقيمة الأدب حينما يخرج من أديب بارع وموهبة أصيلة كالمتنبي، فيتم تخليد من يتناوله هذا الأديب وذلك الفنان، سواء كان بالسلب أو الإيجاب، فلو سألنا أي شخص عن كافور لن يذكر شيئا من حياته فضلا عن أن يمنحنا طرفا من حُكْمِه، ولا معرفة عن الصراعات التي خاضها، ولا نظرة على الأوضاع في عصره، وكل ما يمكن أن نظفر به أو يمنحنا إياه ليس أكثر من بيت من شعر المتنبي قدحا أو مدحا في الرجل، نتيجة لانقلاب العلاقة بين شاعر العربية الكبير والعبد الحاكم القدير..

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: