مرآتي اللعــُـوب . .

مرآتي اللعــُـوب . .

 

أسامة ريان

 

أغلَقَتْ باب شقتهم خلفها برفق . . سارحة فيما حدث ، بتلقائية اعتادتها مؤخرا ، تركت الكيس الصغير على مائدة الصالة وأراحت عصاها الأبنوسية إلى ركن الباب ، تغمغم في حيرة ، تبرر خفقان دقات قلبها المفاجئ “غريبة ، ولم أنهج من الخمس درجات بالرغم من إسراعي . . !” تضحك بميوعة “أهرب منه . . ونسيت أبلع أقراص دواء الصبح” . سحبتها قدماها إلى غرفتها –غرفة البنات- وقد خلا المكان من الأحباب وأيضاً زوجها ، رحمهم الله ، وأستقل عيالها ، وجدت نفسها أمام المرآة كعادتها بعد أن تعود من مشوار المعاش . هذه المرة سارحة لاتنظر ، تكمل غمغمتها :”قال عايز يبوسني ابن الك . .” ، تعالت ضحكتها ، صمتت فجأة عندما طالعتها من المرآة عينان مكحولتان ، وقحتان بحاجب أيسر مرتفع ، مزجج بدقة مثل أخيه ، تحتهما تتحرك شفتان مثقلتان بزبدة كاكاو وردية حديثة الاكتشاف ، فرَنت في أذنيها ضحكة ناعمة تخللها همس :”يا بت . . طيب عيني في عينك ؟ بذمتك ما كنتيش ها ترمي نفسك في حضنه زي زمان ؟ وتلفَتْي حولكما ، واختشيتي من شوية عيال كانوا ع الناصية هناك ؟ طيب أفكرك بليلة خطوبتك على المرحوم ؟” تلفتت حولها فزِعة ، عادت عيناها إلى المرآة ، تبينتها الآن بضفيرتيها السميكتان تتخللهما الشرائط الحمراء نارية وكحل يثير المشرفة في طابورالصباح في ثانية ثانوي ، تنهرها بينما تقفل لها أزرار البلوزة ،وصوتها يرد على المشرفة بنعومة :” ده رباني يا ميس ، وأصلا الزرارها يطق . . ” فتتعالى ضحكات البنات ، تتلفت حولها ، لا أحد ، تلمّست خطوتين إلى الأريكة بالجوار، مستغربة ثبات خطاها ، جلست وعيناها على هذه اللعوب في جيبتها الرمادية ،التي ضاقت فجأة مسببة حيرة أصابت الشارع كله ، في عودتها من المدرسة برفقة زميلتها جارتهم عزة ، محتضنة حقيبتها تسمع غناء بأصوات قبيحة حول ذلك الغزال الذي يسبب زلزال . . يهتز برفق وحنية ! وتغمز لها عزة الناشفة بعينها ، تذكرها بما قالته لها الست الناظرة أثناء معاقبتها عقب طابور الصباح ، وتفحُص البنات لبلوزتها وتعليقات مع لمسات عقب عودتها إلى الفصل . تمددت تريح ظهرها ، سارحة بعينيها في السقف المرتفع ، تشعرهنا بالراحة في بيتهم القديم ، بين الأرواح والحكايات ، ثم يظهرهذا الذي أطل عليها هذا الصباح فجأة بينما تستعد لعبور الشارع على مهل ، لاتذكرماذا قالت له ردا على تحية الصباح الهامسة وقد مال على أذنها ، يقبض على كفها وعيناها تلتهمانه ،لا ترى نظارته السميكة ولا صلعته المفاجئة ، شاعت حولها رائحة عرقه بعد ماتش الكرة الشراب ، تراقبهم يلعبون من شباك غرفتها بالدورالأرضي ، كانت الشوارع هادئة ، تهرع لفتح باب الشقة بعد أن ينتهي من لعب الكرة ، ومعها المكنسة ، تهدده بأنها ستثير الغبار، فيحتضنها  خطفا هي والمكنسة ، ثم يتركها يجري صاعدا إلى شقتهم بالدور الثالث .  تتأمله .. لكن فجأة سحبت يدها من كفه واستدارت تجري إلى مدخل بيتهما تغمغم “يا لهوي ، يا لهوي . . ” فقد قال لها بنفس الصوت “لازم أبوسك . . ” التفتت رأسها ، لاتزال اللعينة تحملق فيها من المرآة ، بطبقات أكثف من زبدة الكاكاو ، وكانت اختراع جديد زمان ، باعلان في التلفيزيون الأبيض واسود ، تغمز لها :”يا بت . . ده ياما لهط منهم زبدة الكاكاو ، وانتِ عاملة نفسك بتهربي ، وانت شابطة فيه ، وأكيد وحشته زبدتك بعد السنين دي كلها . . ” أدارت رأسها عن هذه الجميلة الشرسة ، تنظر إلى المائدة الصغيرة حيث كانت تجلس لتذاكر، تعلم أن بالدرج الوحيد عدة مجلات منذ تلك الأيام ، تركتها هنا لم تأخذها مع جهاز العروسة ، كان يواظب عليها “ونقرأ فيها معاً أحياناً على سلم السطوح ، ثم يتركها لي على أن أعيدها له ، ومرة في مغربية كنت أنشر غسيلنا ، حصلني ومعاه المجلة فيها صورفيلم كليوباترا ، وبص لي وبسرعة مسك إيدي . . رفعها وباسها ، وانا اترعشت وأخذت طبق الغسيل ونزلت جري . . ” .

لم تهتم عندما أخبرتها أم أمل –بوابة البيت- أن أحد ورثة الشقة في الدورالثالث يحضر بانتظام ، فقد وصفته بأنه أصلع بنظارة سميكة ودائما يرتدي بذلة ويحمل حقيبة ثقيلة ، لا تعرفهم أم أمل ، فقد جاءت والمرحوم زوجها لبوابة البيت بعد مغادرتهم ، وتحكي لي دائما عن دهشتها من هذه الشقة المغلقة دائما ، وتسبب لها مشاكل عندما يتعطل دفع فواتير الماء والكهرباء ، لكنها تحب التسلل اليها عندما يكون هناك صيانة أو تصليح لمواسير المياه أو أعمال نظافة كل عدة شهور ،تتأمل بدهشة اللوحات على الجدران ، ومؤخرا قالت لي أن أحدهم جاء ليقيم فيها لفترات طويلة ، يترك لها الباب مواربا عندما تحضر له طلبات ، فتجده يقلب في الكتب الكثيرة في أرفف تغطي الجدران . استغرَبتْ عندما حكيتُ لها عن تفاصيل في هذه الشقة .

سخرت مني الناشفة عندما قلت لها تاني يوم في المدرسة “ده باس إيدي . .” ، رقعت ضحكة ، وشدت ازرار البلوزة وغزّتني بصباعها في جنبي :”ده باين عليه خيبان يا بت ، يسيب كل الحاجات دي ، ويبوس إيديك !” وبانت نظرات عينيها الصفرا . . ومن يومها وهو شابط في الحاجات دي . . في الطالعة والنازلة ، وبالليل لما اقول لأمي :”طالعة أجيب بلوزة المدرسة من الغسيل” ، ألاقيه قاعد ع السلم جنب باب السطح ومعاه المجلات ، وأنسى نفسي وهو بيحكي عن الروايات والأفلام وأشعار عجيبة ، يشرحها لأني مش فاهمة . . أتوه والاقيه حاضنني لأني كنت ها أقع ! جاء صوتها هامساً من المرآة :”وإيه كمان يا بت ، نسيتي ؟ يوم خطوبتك كان فوق منتظرك ، وأمك شايفاكِ لم قمتِ من جنب العريس ، وطلعتي جري تجرجري فستانك الابيض ، عشان تقولي له : خلاص . . إنسى !” .

قامت متمهلة لتعد فنجان القهوة ، ولتبتعد عن هذه الشرسة التي تقلب عليها المواجع ، حتى التلفيزيون القديم ينطق صباح اليوم ! تنظر إليه في مكانه على جدار الصالة الواسيعة والسجادة العتيقة  ، وصوت المذيع “كابتن لطيف” يصف مباراة ،يحب أبوها كرة القدم ويستضيف اولاد الجيران والأصحاب وفرقة الكرة الشراب ، يقنع أمي بلهجة اعتذار بأنهم سيجلسون على الأرض ، ويجلس معهم ليشعر انهم في مدرجات الملعب . كان يأتي.

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: