مداخل جديدة لفهم السُنَّة النبوية (5)  

أ.د محمد فتحي العتربي
(جامعة السلطان عبد الحليم معظم شاه الإسلامية العالمية UniSHAMS)
لم تكن غاية السُنَّة النبوية وهي تطبق الوحي الإلهي بيان الأحكام التكليفية أو الإشارة إلي الأحكام الوضعية فحسب ، إذ لم يقتصر الوحي علي ذلك ، بل كان للوحي الإلهي مقاصد وغايات وأهداف وكليات تستوعب الزمان والمكان والأحوال والأشخاص،وآيات الأحكام كما ألمحنا من قبل لم تتجاوز ربع القرآن وعلي أكبر تقدير خمسمائة آية،إذن ونحن نريد تجديداً بالسُنَّة النبوية لابد أن نتجاوز تلك النظرة الجزئية بفهم جديد للسُنَّة النبوية.ويري الكاتب أن ذلك ممكنً بعدة مداخل:
أولاً : المدخل المقاصدي:أجمع الأصوليون قديماً وحديثاً علي أن السُنَّة النبوية طريق من طرق إثبات المقاصد، وأن من لم يفطن لوقوع المقاصد في الأوامر والنواهي فليس علي بصيرة في وضع الشريعة قال إمام الحرمين في البرهان:”ومن لم يفطن لوقوع المقاصد في الأوامر والنواهي فليس علي بصيرة في وضع الشريعة ” البرهان للجويني : 1/ 205 ط2 دار صادر سنة 1400 هـ تحقيق د/ عبد العظيم الديب،وطالما كان الأمر كذلك فإن المدخل المقاصدي لفهم السُنَّة مدخل ضروري لا يمكن تجاوزه عند تصور الأحكام وأمثلة ذلك في السُنَّة أكثرمن أن تحصي ومنها: النهي عن بيع الطعام قبل قبضه علته طلب رواج الطعام في الأسواق والنهي عن بيع الطعام بالطعام نسيئة إذا حمل علي إطلاقه عند الجمهور علتـه أن لا يبــقي الطعام في الذمــة فيفوت رواجه،والنهي عن الاحتكار في الطعام لحديث ابن عمر الذي رواه مسلم مرفوعاً :”من احتكر طعاماً فهو خاطئ “علته إقلال الطعام من الأسواق.فبهذا الاستقراء يحصل العلم بأن رواج الطعام وتيسير تناوله مقصد من مقاصد الشريعة ، فنعمد إلي هذا المقصد فنجعله أصلاً ونقول : إن الرواج إنما يكون بصور من المعاوضات ،والإقلال إنما يكون بصور (أخري) من المعاوضات إذ الناس لا يتركون التبايع،فما عدا(هذه الأصناف من) المعاوضات لا يخشي عدم رواج الطعام ،ولذلك قلنا تجوز الشركة والتوليةوالإقالة في الطعام قبل قبضه.ومن هذا القبيل كثرة الأمر بعتق الرقاب الذي دلنا علي أن من مقاصد الشريعة حصول الحرية.وقوله(ص)في زجر المطولين في الصلاة من الأئمة الذين يؤمون الناس :”يا أيها الناس إن منكم مُنَّفرين فمن صلي بالناس فليخفف،فإن منهم المريض والضعيف وذا الحاجة “وفيه إشارة إلي أن الدين مبني علي اليسر وأن الطاعة إذا أدت إلي ضياع المصالح أو لحق الناس منها ضرر خرجت عن مقصود الشارع ؛المقاصدية عند التعامل مع السُنَّة النبوية تعني أن للمقاصد دور كبير في حل المشاكل المجتمعية والسياسية، بل إن الوعي بها لدي الأصوليون كالجويني والشاطبي كان بدافع مجتمعي سياسي علي الأرجح حيث تقدم المقاصد حلاً عملياً لمشاكل البدع وأزمة الأنماط التي أصابت البلاد بالفساد في نواحي شتي بوجه كبير راجع عبدالمجيد الصغير في كتابه الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية .
ثانياً : المدخل الحضاري :الحضارة تعني الإقامة في الحضر.قال القطامِيُّ: ومن تكن الحضارة أعجبته*** فأي رجال بادية ترانا
وهي ضد البداوة،وقد استخدم التنزيل الحكيم ذلك المعني مشيراً إلي ساكني الحرم المكي في سورة البقرة: 196(حاضري المسجد الحرام)،وعندما يُقال فلان حضري نقصد به أنه من أهل المدن والقرى. والمتأمل للتاريخ وما كان عليه العرب وساكنو الجزيرة العربية يسلم بأن الحال الذي كانوا عليه قبل الإسلام وبعثة النبي (ص) كان بداوة و ترحال ، فمن أين أتت حضارة العرب بعد بعثة النبي (ص) ونزول الوحي الإلهي ؟! مؤرخو الحضارات يدركون أن ثلاثة وعشرين عاما غير كافية في حياة أمة من الأمم لإنتاج حضارة راسخة كتلك التي أصلها الوحي الإلهي في جيل النبوة وترجمها النبي الكريم وأصحابه في حياتهم ، وبالأخص ونحن نري أن الحضارة تعني-عند علماء الاجتماع – مرحلة سامية من مراحل التطور البشري(الإنساني)ومظاهر الرقي العلمي والفني والأدبي والاجتماعي في الحضر.والمتأمل لحياة العرب–عند حركتهم بهذا الدين- بعد بعثة النبي (ص) سيري أنهم لم يملكوا بالنبوة والرسالة غير حضارة القيم والمبادئ والأفكار والأخلاق،فما سر هذا التحضر،وما منهج النبوة في إحداثه ، وهل يسهم منهج النبوة في تفهم المشكلات الحضارية المعاصرة والتي تحولت عند الغربيين إلي صراع بدلاً عن الحوار والوفاق؟لعل المدخل الحضاري للسُنَّة النبوية يبين ذلك ويعطي إجابات لهذه الأسئلة إن اتسعت رؤية الأصوليين للسُنَّة النبوية فيسهموا في حركة وتطور هذا الدين، وبيان دوره في حل مشكلات الإنسانية الحائرة !! لقد ترك لنا النبي (ص) آثاراً عظيمة–ذكرها صاحب المنهج النبوي والتغيير الحضاري–مثلت تنزيل القرآن إلي أرض الواقع ، وتحويله إلي ثقافة اجتماعية وأخلاقية وروحية وسلوكية وعمرانية ،والعجيب حقاً–كما يري الكاتب–أن يتم هذا التنزيل في هذه الفترة الوجيزة من حياة النبي (ص) وفي عصر الصحابةوالتابعين وتابعيهم، تركت لنا كتب الأخبار تراثاً فكرياً ومعرفياً بدت فيه عبقرية المسلم،راجع: المنهج النبوي والتغيير الحضاري د/ برغوث مبارك .ومن الممارسات الحضارية-والتي تمثل منهجية حركية بهذا الدين في الشدة والرخاء والتشييد والبناء–بيانه (ص)لأهمية العلم والتعلم،ومزج الإيمان بالعمل ومشاركته (ص) للجماعة المؤمنة في سلمها وحربها وتأديبها وتوجيهها نحو المعالي والغايات السامية،دون الارتباط بالأرض،والارتفاع بالقيم الفاضلة من الصدق والأمانة والحرية والمساواة،والعمل والإنتاج،والعفة والطهارة،والشجاعة والمروءة والنجدة والكرم،والأخوة والإيثار،والإغاثة والرحمةوالصلة لذوي القربي والإنصاف والعدل والتواضع والشوري والحلم والعفو وطيب العشرة وحسن الجوار…إلخ،وقد مثل النبي (ص) بذلك خُلقاً فريداً وقدوة حسنة كانت أسوة للمؤمنين به في زمانه وإلي أن تقوم الساعة،وإذا كانت الحضارة قيمة وفكرة أولاً فإن النبي (ص) وصحبه الكرام قد أعطوا البشرية درساً–لا يغمض عنه عينه إلا المكابر–في تحويل القيم والأفكار إلي واقع يغير- بإذن الله تعالي-الواقع،ويحيي النفوس الموات بهدي من الله تعالي مالك الكون وما به من أرض وسماوات.
ثالثاً : المدخل الإنساني :تعتبر الجوانب الإنسانية في حياة النبي (ص) معلما نبوياً يمثل الرسالة التي بعثه الله بها،وفي الوقت ذاته نداءً قرآنيا مُفَّعلاً يخاطب البشرية كلها والإنسانية بأسرها ،فإنسانية النبي (ص) ليست شاهداً حضارياً فحسب،بل شاهداً علي ما تميزت به رسالته ودعوته من معالم الخير للإنسانية جمعاء،وكيف لا وقد وصفه الله تعالي بأنه رحمة للعالمين.فالرحمة من مستلزمات الرسالة ووسائل نشرها،والرسالة رحمة في ذاتها والذي فَعَّل ومَثَّل تلك الرحمة هو النبي (ص).إن الذي يتتبع مظاهر رحمة النبي(ص) بالبهائم والدواب، يدرك كيف يكون حاله (ص) عندما يخاطب البشر،وهو المبعوث إليهم ليأخذ بأيديهم من ظلمات الشرك إلي نور الإيمان، وإذا أراد الأصوليون تطبيق السُنَّة في واقع الناس الآن،فعليهم أن يقفوا أولاً علي الواقع ليدركوا مدي شمــوله وتركيبه وانفتاحه واتساعه ، وبعــد ذلك يكــون التطبيق المتوازن للسُنَّة بوصفها مشتركاً إنسانياً قبل أن تكون تكليفاً نبوياً يحمل افعل ولا تفعل،،، فالسُنَّة لم تكن كلها أحكاماً ، بل كانت غايتها إحكاماً للحياة وصيانتها بالحكمة التي اتصف بها النبي (ص)،إذ حملت السُنَّة من المقاصد الإنسانية والغايات الحِكْمِيَّة ما يربو بكثير علي الأوامر والنواهي التكليفية،وعندما نقف علي ذلك سنري السُنَّة مشتركاً إنسانياً يمد جذور التواصل ،والتعايش بين البشر كافة. لقد أجمع الأصوليون قديماً وحديثاً علي ما يسمي بالكليات الخمس أو الست صيانة الدين والنفس والعقل والمال والعرض والنسل أو النسب،وقدم البعض النفس علي الدين والعقل علي الدين والعرض علي المال . وأري أن منشأ ذلك التقديم – ليس مجرد الاختلاف العقلي والفكري بين الأصوليين ، لكنه راجع إلي مقدار ما أولته الشريعة وأحكامها والسُنَّة وآدابها للنفس البشرية وما يتعلق بها من حق الصيانة والحماية ،وهل يُصان الدين ويقوم إلا بالنفوس؟فحفظ الإنسان مقدم علي صيانة الأديان!! 1 من فبراير 2023

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: