محمود حمدون يكتب : جمال بريّ 

جمال بريّ

محمود حمدون

 

وضعت رحلها وجلست أمامي , اخترقتني بعينيها , حتى  استشعرتُ حرارة وأحسست بدخان يتصاعد من بين أوراق الجريدة بيدي , فانتبهت وقلت لها : من أنت ؟

فردّت : لا تسأل من  يعرفك حق المعرفة , ويراك من حيث لا تراه هذا السؤال , ثم ابتسمت وقالت: لا تخف , ما أردت إلّا أن أخبرك ببعض ما لا تعرف ..

قلت : عرّافة ؟

فتجاهلتني , فعاجلتها بسؤال جديد : غجرية ؟ , أجزم بهذا فجمال وجهك بريّ , بعينيك شراسة من لا ترحم ضحيتها .

لوّحت بيديها بغضب شديد أن اصمت , وهمّت بالقيام , فاعتذرت لها, قلت: لا تغضبي , فقد مرّ بحياتي كثير ممنّ يدّعون  وأنا قد سئمت السمع وعفّت نفسي الإنصات , ثم لمَ تهربين من النظر إليّ ؟, أراك تتكلمين وتنظرين بعيدًا , إلى لا مكان!

فأخبرتني أن النظر لعيونها يسلب اللب , من الخطأ أن تطلب ما لا يحق لك , من الخطيئة أن تُصّر على هذا .

فمددت يدي وأدرت رأسها ورفعتها إليّ , برهة , ثانية أو ثوان , ثم وجدتني على قارعة الطريق وحولي تتناثر رمال وودع وأصداف.

بتُّ أحج إليها بنفس المكان كل يوم , بدا أنّي أدمنت النظر للحياة بعيونها , فإن غابت , تبعثرت الحروف وأبت أن تنتظم , وإن هلّت وأقبلت عليّ يسبقها عطرها وبين يديها الدنيا بما حوت , فأجدني أكتب كما لم أفعل من قبل , وأجدني أضحك حتى تحسبني الجن والهوام قد أصابتني جُنة , فينصرفون عنّي وهم يبسملون ويتعوّذون ..

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: