محمد فيض خالد يكتب : بياع البلابل

قصة

بياع البلابل
سَلخت الشَّمس فضلةٍ من نورها الفاتر، تغَسل وسَن الصّباح الوليد ، تتراقصُ مُلحّة في الخارجِ خيالات اللّهب ، تلقي بوعيدها جَمرا مُلتَهِبا ، تَشقّق بصري عن إرهاقٍ غريب ، يسري وَهَنا وضَعفا ، ربَّما بُرودة المُكَّيف تكون السَّبب ، لم يتَعوَّدها جسدي بعد ، أجواء مُثلجة تَتساقط كِسفا من فوقي، كنتُ في ماضي وأنا القروي الغرير ، تكفيني نسَمات المساء الرَّقيقة ، تتلاعب فوق أسطح البيوت ، ساعات نومي حين اتخذ من سطح بيتنا مهجعا ، مُمددَّا فوق حصيرِ الحلَفاء المَنضوح بالماءِ ، أو اتخذ لنفسي مكانا قَصيا استَظلّ فيه بظلِ نخَلةٍ وارفة الظِّلال ، أو احتضن جذع صفصافة تهَدَّلت فُروعها ، فبدت كجنةِ المأوى ساعة القيلولة .
أمَّا الآن وقد تبَدَّلت الأرض غَير الأرضِ ، فقد أُذِن لهذا الجَسد المُضنَى بأثقالِ الماضي القريب ، أن يهَنأ بعد شَقاءٍ ، وأن يجد لنَفسهِ برَاحا ، ينفض عنهُ غبار شقوته.
قَضيتُ دقائق اُطاِلعُ مبَهوتا آلة التَّكييف ، اطلقت بعفويةٍ دعوات أن يرحمَ الله صاحبَ هذا الاختراع السِّحري ، تَفلتت مني نَهنهة آنست لها ، تَواردَ على خاطري في هاتهِ اللحَّظات ، صوت الشَّيخ ” بلال الحدق” مُجلجِّلا ، في حُمرةٍ مُفزِعة يشَيبُ لمرآه الولدان، صَادِحَا بفتواه ، حَالِفا أغلظ الأيمان :” إنَّ هؤلاء الكُفار مُخلَّدون في نارِ الجَحيم ، حتَّى وإن اخترعوا لنا ما يُحيي الموتى ، لأنَّهم كَفروا واشركوا “، لم أكن يوما أركنُ لفتَواه ، بعدما عَلِمت أنّ رحمة الله وسعت كُلَّ شيء ، وهو القَادر على أن يُغيَّر ولا يَتَغيَّر ، اطرقتُ قَليلا مَأخوذًا بسكونِ المكان كان الجو هادئا لينا كعادتهِ كل صَباح ، ثوانٍ وتَسلَّل لمسامعي ما شَدَّني إليهِ ، امتلأت الغُرفة بأصواتٍ عذبة ، ما كنُتُ أظنّها يوما ، إذ كَيْفَ لهذا الجُحر الحَقير أن تَسكنه مثل هذه الأرواح الرَّقيقة ، وكيف لمَخبأ القَسوة وموطن العَذاب ، أن ينَقَلِب فيَحتضن ملائكة الرَّحمة ، مدفوعا بغريزة الفضول اطلقتُ مسَامعي ، تعترض الصَّوتُ القَادِم في استَحسانٍ ، في صَمتٍ بَاكٍ تحركتُ صَوب الباب ، عندها اختلطت الأصوات وتَداخلت النَّغَمات ، في تجَانسٍ عجيب مُحَّبب ، تركتُ لأفكاري الحَبلَ على الغَارِب ، تمرح في ونَسٍ على مَهلٍ ، جذبت مقبض الباب ، انفتح لأجدني وجها لوجهٍ مع لوحَةٍ بديعة التَّراكيب ، صُفوفٍ طويلة ممُتدَة من الأقفَاصِ الحديدية منوعة الأحجام ، متراصة في نسقٍ بديع ، فَجَّ النُّورُ الهَزيل سريعا فوق الرِّيشِ في بهُرجٍ فتَّان، ببغاوات وعصافير ، وطيور مختلفة الأصناف ، تتلألأ أصواتها في تغَريدٍ لطيف ، تترَاقص وتتَشاكس في عفويةٍ مُضحكة ، نظرت نظرة حيرى في جنباتِ المكان الغَارق في خُمولٍ مُخيف ، مَددّت بصري حتى نهايةِ المَمر ، باغتت رائحة العَفن أنفي ، فاستغفرت الله مُحَوقلِا ، بدى المكان حول الأقفاصِ على غيرِ مَألوفِه ،لوحة جميلة ، ضَربتُ كفا بكف ، إذ كيف لموطنِ الفئران والحشرات من كل نوعٍ ، أن ترتع فيه مثل هذه المخلوقات الرَّقيقة ، وكُلما علت تغاريد الطيور ، وتَصَاعد صداها في المكان امتلئ بالبهجة ، اظن والله اعلم أن لا مكان للفئران والقطط الضَّالة بعد الآن ، تخيلت الجدران وقد استحال لونها ورديا جميلا ، والعطن القاتل تبدّل بغيرهِ زكيا طيبا ، في تلك الأثناء تَقدَّم مني فتى هندي مُتَهلّل القسمات ، يَشعُّ وجهه ببسمةٍ فاترة ، وعلى فمهِ ابتسامة رخيصة ، يتقافز في فرحٍ يَلهو ، يُردِّد نغمات أسيوية طنانة ،يهمز أصابعه السُّوداء الرفيعة بين الأسَلاكِ ، ينَثرُ حبات الطعام ، اعتدل قائلا بصوتٍ مشروخ:” صديق هذا طير حقه عشرة دينار “، ثم تغافل عني مع طيورهِ ، تفَلّتت مني ابتسامة مُحتَقِنة ، أردد ضاحكا من قوله ، اُطالِعُ في تأثرٍ أقفاصه ، اقولُ في دَخيلِة نفسي :” لقد شططت في عرضك يا صديقي ، عشرة دنانير يا بلاش ؟”، هَز َّرأسه مُستَغرِّبا ، وكأنَّه سمعَ نجواي، تضاحكت مُجبَرا ، عُدت ثانية للغُرفةِ ، اغلقت الباب ، جلست على الأرضِ هامدا ، وصوت العصافير والبلابل يهزّ الأرجاء ، كَرَّت أسئلة مُستَفِزة تحاول أن تجد إجابة :” كيف تساوي زرازير الحقل ، وأبو فصاده كل هذه الثروة الطائفة ؟! ، اطلقت ضحكة عالية أضاءت ظلمة المكان ، قلت في حَسمٍ :” لابُدّ أن تكون خطوتي القادمة جادة ، عليَّ الحُصول على وكالةٍ لتصديرِ عصافير الحقول لهذا البلد “، راقبتُ في مَرارةٍ الفضاء السَّاجي في رقدتِه ، تَقدَّمت ساعات النهار جافلة، وانتشرت مع مجيئهِ ذرات الغبار ، التي تتحلق في الجو مُتكاثِفة أمام زجاج ِالناَّفذة ، حَدجتُ الصورة الكئيبة في فَزعٍ ، يقطعه أحيانا صوت البلابل ..

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: