محمد رجب البيومي … جوانب من حياته وثقافته

د. علي زين العابدين الحسيني |كاتب وأديب أزهري

كانت مجلة “الرسالة الزياتية” في مقدمة المجلات الأدبية التي تشترك فيها مكتبات المعاهد الأزهرية، وبطبيعة الحال كانت تعرض أعدادها في مكتبة “المعهد الديني بدمياط” بانتظام في قاعة المطالعة، وكان بالمعهد “محمد رجب البيومي” الطالب النابغة المحب للأدب بشهادة أساتذته، فكان يقرأ ما يستطيع قراءته من مقالاتها ومحتوياتها المتنوعة، ويعدها زاداً أدبياً ثميناً، وقد نشأ منذ هذا الوقت المبكر على إجلال أدب “أحمد حسن الزيات” وإكباره، فكان يتلهف على افتتاحيات رسالته، ويترقبها بعين الشوق المتطلع، ويجد فيها روعة الكتابة، وحلاوة الأسلوب، وبهجة الأفكار!

وفي مجلة “الرسالة الزياتية” عدد: 342 في 22 يناير سنة 1940م نشر أستاذنا “محمد رجب البيومي” أول مقال له -وهو طالب بمعهد دمياط- في التعقيب على رد الأستاذ الشهير عبد المتعال الصعيدي على كلام للأستاذ “محمد محيي الدين عبد الحميد” في مسألة نحوية تتعلق ببيت شعري للأعشى في الإعراب، وقد بدأ البيومي مقاله بكلّ ثقة، فقال: “للأستاذ عبد المتعال الصعيدي انتقادات ومباحث تصيب مرماها تارة وتخطئه أخرى، وآراء وملاحظات تحمل قارئها على التأمل والتبصر في محتوياتها مما جعلني أخالف ما ذهب إليه في إعراب قول الأعشى”. وقد سعد أستاذي كثيراً بعد نشر مقاله هذا، فأصابته نشوة جعلته يسير في الشارع إلى غير قصد، بل ويطرق منازل زملائه؛ ليخبرهم أن الأستاذ “أحمد الزيات” قد نشر له مقالًا نقدياً بالرسالة.

هذا وقد سبق أن نشر له مقال قبل ذلك عن جميل بُثينة بجريدة “دمياط” الإقليمية التي كان يحررها ويشرف عليها الشاعر الأستاذ علي الغربي، واختار له الغربي عنوان “شهيد الحب”، فأوقعه في حرج شديدٍ مع شيخ المعهد الأزهري كاد أن يقضي على مستقبل دراسته بمعهد دمياط؛ إذ اتصل بشيخ المعهد أحد رواة السوء قائلًا: كيف يجوز لطالب أزهري أن يجعل المحب شهيداً؟! ولأجل ذلك فصله الشيخ ثلاثة أيام إلى أن ينتهي إلى رأي فيه، لكن بعد مراجعة أساتذته له طلب من البيومي ألا يعود للكتابة، وتجاوز عن فصله، ثم بعد فترة ومراجعة أذن له بها، فكان مقال الرسالة السابق ذكره.

و”محمد رجب البيومي” بعد كتابة مقاله الأول في “الرسالة” هو موضع إعجاب أساتذته وزملائه، فلم تكن “الرسالة الزياتية” في الواقع مجلة بقدر ما كانت “مدرسة” لها شهرتها المعروفة في كل أنحاء الوطن العربي، فهي القائمة بأعباء السفارة الفكرية بين الأقطار العربية. لها أعلامها الكبار المتصلون بالحياة الثقافية أمثال: العقاد، والرافعي، وطه حسين، وزكي مبارك، والمازني، وأحمد أمين، ولها تلاميذها الذين خرجتهم أمثال: البيومي، ومحمود شاكر، وسعيد العريان، والأفغاني، وأبي القاسم الشابي، وكمال السوافيري، هذا بخلاف الذين تحمسوا لها وتأثروا بها من القرّاء النابهين في مختلف البلدان، وبالتالي فإنّ الكتابة فيها تعدّ شرفاً كبيراً لا يناله أيّ أحد، لا سيما مع شدة الزيات واعتنائه البالغ في اختيار المقالات الجادة الدسمة ذات الأفكار والرؤى الواضحة، وعلى الرغم من رد الأستاذ عبد المتعال الصعيدي على البيومي، إذ جاء الرد عليه في العدد التالي، وقد تبين تسرع أستاذنا في الفهم -كما أخبرني- إلّا أن ذلك لم ينقص من قدره بين عارفيه؛ لأنّ الأساتذة والطلبة كانوا يعدون مجرد نشر “الرسالة” لمقاله في هذا السن المبكر هو في ذاته مظنة تقدير له.

وكان من عادة الأستاذ أحمد حسن الزيات أن يقسم كُتّاب “الرسالة الزياتية” إلى درجتين: مبتدئ، ويوضع تحت عنوان مقاله “للأديب”. ومتمرس، ويوضع تحت عنوانه “للأستاذ”.

وأما أستاذنا البيومي فقد وضع اسمه فقط “محمد رجب البيومي” تحت عنوان مقاله الأول، ثم بعد ذلك كان يضع تحت عنوان مقاله “للأستاذ”، ووضع تحت مقاله “عمر بن الخطاب الأديب” للشيخ محمد رجب البيومي عدد ديسمبر سنة ١٩٤٦م، واستمرّ لقب “الشيخ” ملازماً لمقالاته إلى مقال “عدالة قاض” فكتب تحته الزيات “للأستاذ محمد رجب البيومي عدد ١٥ يونيو ١٩٤٩، وحين كتب أستاذنا مقالاً عن زكي مبارك وضع الزيات تحت عنوانه “بقلم تلميذه وصديقه الأستاذ محمد رجب البيومي”.

ولعل آخر مقال كتبه بالرسالة الزياتية هو “من تاريخنا القريب: ثورة في أول برلمان مصري”، ويلاحظ أنه بعد كتابة مقاله الأول بالرسالة -وهو طالب بالمعهد- سنة 1940م قد انقطع عن النشر في مجلة “الرسالة” ليعاود الكتابة فيها بعد سنوات، فنشر قصيدته “في مقبرة ريفية” بالعدد: 688 في يونيو 1946م، وانتظم بعد ذلك كاتباً وشاعراً حتى عدّ من كُتّاب الرسالة، وهو ممن أشار إليهم الأستاذ أحمد حسن الزيات في مقاله “مدرسة الرسالة” المنشور في مجلة “قافلة الزيت”، يوليو – أغسطس 1963م.

وقد عرفه الأساتذة والعلماء بالأديب الكاتب في مجلة “الرسالة”، ففي كتابه [من أعلام العصر، ص١٢٣] ذكر أنه قابله أستاذه العلامة محمد الطنطاوي أستاذ النحو بكلية اللغة العربية، فقال له: “الشيخ الجبالي حدّثني عنكَ مادحاً، فقلتُ له: إنّكَ أديبٌ تكتب في مجلة الرسالة”، ومثله تلك الكلمة الناقدة التي ألقاها الدكتور “محمد مهدي علام” في احتفال مجمع اللغة العربية الخاص بتكريم أستاذنا محمد رجب البيومي عن بحثه “الأدب الأندلسي بين التأثر والتأثير” ونشرت كلمته بمجلة “الأديب”، العدد: ٩، سنة ١٩٦٦، وفيها: “وهو رجل [أي البيومي] وهب نفسه للعلم والتعليم، يعلم نفسه ويعلم تلاميذه ويفيد قراءه … وله نشاط أدبيّ ملحوظ يكفي في تقديره شهادة الأستاذ أحمد حسن الزيات له بأنه في طليعة كُتّاب الرسالة”.

ولوالده فضل كبير عليه في التعلم والتربية والسلوك، وقد لخص البيومي أبرز صفاته في سيرته الذاتية “ظلال من حياتي” في قوله: “كان مع أبوته الحانية رجلًا مؤمناً كأحسن ما يكون المؤمن، لا يبرح تفكيره أمر الله ونهيه، فهو يهتدي في كلّ حركة بما يعلم من قول الله وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد أورثه ذلك مهابة واعتزازاً لدى الناس في قريتي فهو موضع الأمانة”. وله عنه قصيدة لطيفة بعنوان “أبي” نشرت بمجلة “الرسالة” في يونيو 1949م، يقول فيها:

ويعلم أنّي بالقراءة مولع

فيملأ بالأسفار والصحف مكتبي

 

ويقرأ مثلي ثم يصدر نقده

فإن أر للتعقيب باباً أعقب

 

وأطلب منه الرأي إن عنّ مشكل

فينطق عن فكر أصيل مرتب

 

وليس أقدر من “البيومي” نفسه في تصوير بعض مآسي أهل قريته؛ إذ سلمه الله من وباء “الكوليرا” في شبابه سنة ١٩٤٧م، وكانت قريته “الكفر الجديد” من قرى “الدقهلية” التي انتشر فيها هذا الوباء، ولشدته فقد ثكلت “الكوليرا” مائة نفس في أسبوع واحد، وهو عدد كبير سيما أن القرية كانت لا تزيد وقتئذٍ عن ثلاثة آلاف، وقد شاهد أستاذنا محنتها القاسية بنفسه، فكان الصراخ الفاجع المنتشر في أنحاء القرية يشرد نومه، وكان الرجل يجلس بجانبه يتحدث معه ثم يأتي نعيه بعد ساعة واحدة من حديثه، والجميع ينتظر قدر الله ورحمته، حتى سلمه الله من هذا الوباء، وكتب قصيدة “وباء الكوليرا” بمجلة الرسالة، عدد: ٧٤٩، وفي بعض أبياتها يقول:

شب تحت الضلوع يعصف بالجسم

كما يعصف اللظى بالهشيم

 

ذعر الناس فاستهلت دموع

كانهمار الغيوث تحت الغيوم

 

وأفاق الشعب الجريح كما استيقظ

جفن على صراخ أليم

 

زأر الرعب في القلوب فجاش الحز

ن يغلى بها كغلي الحميم

 

الصبور الشجاع غير صبور

والحليم الرزين غير حليم

 

جزعت أنفس وطارت عقول

قد دهاها الردى بخطب جسيم

 

سلمت أمرها إلى الله لكن

هل يردّ القضاء بالتسليم

 

 

وقد يتوهم واهم أن كتابته عن الأعلام المعاصرين وغيرهم جاءت في مرحلة متأخرة من حياته بعد استكمال أدوات هذا الفن المتعلق بكثير من العلوم، والحال أنها كانت في بداية كتاباته بمجلة “الرسالة” واستمر أمرها ولم ينقطع منذ هذا الوقت المبكر من عمره، فلا زال يكتب هذه التراجم النادرة ويروي الذكريات النفيسة عن أساتذته حتى وفاته، ولعلّ أول دراسة متخصصة كتبها عن علم من أعلام عصره كانت في شهر مايو سنة 1947م بمجلة “الرسالة” عن الشاعر الكبير “محمد عبد المطلب” المعروف بشاعر البادية، وقد خصص الدراسة عنه في مقالين، وعنون لها بـــــ”أعلام معاصرون”، أتي فيهما على مراحل حياته والوظائف التي تقلب فيها، ثم تكلم بشيء من التفصيل عن قصيدته في الحرب العظمى؛ لأنّها من وجهة نظره كافية للتدليل على مذهبه في الشعر.

وقد أهدى البيومي بعض مقالاته إلى أساتذته كما في مقاله “عدالة قاضٍ” المنشور بمجلة “الرسالة” في شهر يونيو 1949م، حيث أهداه إلى أستاذه العلامة راوية الشعر أحمد شفيع السيد، فكتب تحت العنوان: “مهداة إلى أستاذي الأديب الشاعر الراوية أحمد شفيع السيد”، ولا أعلم عن حيثيات هذا الإهداء أو أسبابه شيئاً، إلا أن له محبة خالصة لهذا العالم الذي كان يعرفه ويدرك أفضاله ومنزلته منذ التحق بكلية اللغة العربية بالقاهرة، وهو ما أكده بقوله: “وكنت منذ التحقت بالكلية أسمع عن مآثره ما يملأ الصدر إعجاباً”، وفي موضع آخر يقول: “لا تزال ذكرياته الطيبة تملأ نفوس تلاميذه؛ لأن كان نمطاً فريداً في سماحة النفس، ورحابة الصدر، وبذل العون المسعف، مع فكاهة نادرة، ودعابة فريدة، هذا إلى أستاذيته الأدبية في فنه، ومقدرته الشعرية ذات البديهة الحاضرة”. [من أعلام العصر، ص319]

و”البيومي” في كلّ أحواله في حالة ترقب وترصد لمن ينزل بأرض مصر من علماء البلدان وأدبائهم، فكتب في مجلة “الرسالة” عن زيارة شاعر العراق الأستاذ “محمد الجواهري” الذي قدمته الصحف المصرية إلى قرائها تقديماً يظهر مكانته الشعرية في الوطن العربي، لكن أستاذنا “البيومي” اشتكى من قلة قصائده المنشورة بمصر، فالأدباء والنقاد يتطلعون إلى قصائده فلا يجدونها، وأنه فتش عن كثيرٍ منها فلم يجد إلا ثلاث قصائد نشرت في مجلة “أبولو”، وقد كتب عنه في هذه الفترة الأستاذ “عبد الخالق طه” مقالين، وهي كتابة في نظر “البيومي” غير متكاملة؛ لأنّها اعتمدت على ديوان الجوهري المطبوع سنة 1935م، فيما لم يبرز الجواهري إلّا بعد صدوره، وكان الكاتب قد وعد قراءه بإعادة دراسته عن الجواهري، ومضى عام ولم يفِ بوعده، فرأى أستاذنا البيومي ضرورة الكتابة عنه كتابة شاملة، فكانت في أربع مقالات متتابعة، بدأها بالعدد: 921 في يونيو 1952م تحت عنوان “الجواهري شاعر العراق”.

ومما يلفت النظر إليه أنّه لا مانع عند أستاذنا الأكبر “البيومي” من نشر عمله أكثر من مرة في مجلات مختلفة بزيادات وإضافات، وقد يحذف من المقال القديم ويعدل عليه بما يقتضيه واجب الوقت، فعلى سبيل المثال نشر قصيدته “في مقبرة ريفية” بمجلة “الرسالة”، عدد: 678 في أول يونيو 1964م، ثم أعاد نشرها بمجلة “الثقافة” عدد: 407، 15 أكتوبر 1946م، وقد يكون النشر بعد سنوات كما في مقاله “الصداقة في رأي ابن المقفع” فقد نشره في مجلة “الرسالة”، عدد: 805، 6 ديسمبر 1948م، ثم أعاد نشره بعدها بسنوات في مجلة “جذور” عدد: 17، يونيو 2004م مع تغير وحذف يسيرين، وقد غير العنوان إلى “الصداقة كما يراها ابن المقفع”، وأعاد أيضاً نشره في “علامات في النقد” برئاسة تحرير الأستاذ عبد الفتاح أبو مدين في المجلد الرابع العشر، الجزء 53، سبتمبر 2004، ولا أدري هذا النشر هل كان بإيعاز من أستاذنا البيومي أم كان اجتهاداً من القائمين عليها؟!

ومن أخباره العزيزة أنه انقطع بعد وفاة زوجته الكريمة عن البحوث المركزة التي تستعين بالمراجع وتعتمد على التحليل والتمحيص، واكتفى فقط بما ينقله من معلومات حفظها في صغره، وذكريات ينقلها عن نفسه، وروايات يرويها عن أساتذته، وقد كانت وفاة زوجته الكريمة 9 سبتمبر 1973م، وكتب عن طريقته هذه في مقال “كوكب الشرق” المنشور بمجلة الأديب مايو سنة 1975م، وهذا يبين مدى عظمة هذا الرجل، إذ هو منذ هذا الوقت وهو يعتمد على ذاكرته في الغالب، فقال: “وقد اعتدت منذ رحلت زوجتي الحبيبة إلى عالم الصفاء ألا أتعب نفسي في بحوث مركزة تستعين بالمراجع وتفيض بالتحليل، فإن ما يستلزم ذلك من الهدوء المتمهل والنظر المتأمل يعزّ على مثلي في مصابه، إنما أكتفي بذكريات عابرة أنقلها عن نفسي دون تنميق”.

ومن لطائف كتاباته ما كتبه عن “قرية ديمشلت” بمركز دكرنس بمحافظة الدقهلية والتي تبين منزلة صديقه الشاعر الكبير أ.د. محمد أحمد العزب وموقع قريته في الواقع الثقافي ساعتئذٍ، وقد خص صديقه بمقال تكلم فيه عن إبداعه الأدبي، وابتدأه بنشأته الثقافية، إذ “نشأ الأديب محمد العزب في إحدى قرى الدقهلية ببلدة يكثر فيها عشاق الأدب والشعر من أصلاء ودخلاء، ولي بأكثرهم صلة تجعلني أحكم على إنتاجهم في ارتياح صادق، وطبيعة هذه البيئة المتطلعة للثقافة أن يكثر في أبنائها التنافس الحميد، والتسابق السار في مضمار الثقافة، فما يأتي يوم الجمعة حتى يعود إليها أكثر طلاب المدارس والكليات من أشبالها، وتنتهز المناسبات دينية وسياسية للقول، فكم من شاعر وكم من زجال وكم من خطيب”. محمد العزب شاعر العواطف الإنسانية [مجلة الأديب، أكتوبر ١٩٦٥م]

وكان في فترة طلبه بالقاهرة متعلقاً بمسجد “السيدة نفيسة” رضي الله عنها، محباً لزيارة مقامها الشريف مع أساتذته، فقد كان أستاذه العلامة الكبير “أحمد شفيع السيد” حريصاً على الصلاة في المسجد النفيسي عصر كلّ جمعة، وكان يصحبه معه فيشاهد التزاحم الحاشد والإقبال الشديد، وكانت كلية اللغة العربية آنذاك بمنطقة “الصليبة” وهي قريبة من المسجد النفيسي، فكان يراجع دروسه بالمسجد، بل كانت “أكثرية الطلاب من أبناء الأحياء المجاورة يذاكرون بالمسجد الطاهر في مواسم الامتحانات، وكان عجباً أن ترى تلميذ الابتدائية يذاكر بالمسجد ثم يسأل طالب المدرسة الثانوية إلى جواره عن بعض ما غمض، ويأتي طالب الثانوية ليسأل طالب الجامعة فيجيب، وهذا ما شهدته بعيني وقمتُ به”. [مجالس العلم في حرم المسجد، ص90]

ولا مانع لديه أن ينزل ساحات الأدباء؛ كالمقاهي الثقافية المعروفة في هذا الوقت، ويحاور روادها، ويكتب عنهم الفرائد والدرر، وللكبار مقاه في حيواتهم تعرف بهم، فللزيات بالمنصورة مقهى، وللرافعي بطنطا مقهى، ولأحمد محرم بدمنهور مقهى، هذا بخلاف مقاهي العاصمة المشهورة؛ كمقهى نوبار، ودار الكتب، والإنجلو، وغيرها، وكان أستاذنا البيومي يتساءل عن رواد هذه الأماكن، ويطلب من المعتنين سؤال الأحياء في هذه الأماكن الذين يحتفظون بذاكرة قوية عن الأحداث التي كانت تدور في هذه المقاهي؛ لأن عادة الأدباء أنهم يحتاطون في حديثهم في الندوات العامة، وأما في هذه المقاهي فإنهم يتكلمون في النقد الجريء، ولذا تأتي أهمية تدوين أخبار هذه المقاهي وروادها من وجهة نظره، وقد اعترف بنفسه أنه قد تضاءلت مكانة المقاهي الثقافية فيما بعد، لكنّه كان يفد إلى بعضها؛ كمقهى الفيشاوي بالقاهرة حتى يتذكر الماضي، ويوازن بين عهدين. [حديث القلم، ص٣٠٥]

وقد جرت بينه وبين الأدباء ومؤلفي الكتب رسائل نقدية ومساجلات علمية ولكنه لم يحتفظ بصور هذه الرسائل، وهو ما تأسف عليه كثيراً بعد ذلك في قوله: “كم أسفتُ لأنّي كتبت رسائل نقدية كثيرة لمؤلفين أهدوا كتبهم إليّ، بدون أن أحتفظ بصورة منها”. [من أعلام العصر، ص٣٦٤]

وأستاذنا “البيومي” رجل مسجور العاطفة، رقيق الطبع، صادق المشاعر، يبصر الجمال، وينشد الحب، فإذا تكلم في الحب وأربابه كان كلامه تعبيراً صادقاً عن مشاعره، وتصويراً ناطقاً لأحاسيسه، وهو جانب خفي من حياته، ربما أظهر بعضه في قصائده عن زوجته المصونة، وقصة حبه المروية في سيرته الذاتية، لكن هذا المنحى في الكتابة خفي يكاد لا يعرف عنه في الأوساط الثقافية، وأجزم أنه لو تفرغ للكتابة فيه لأسكت غيره، وكان إذا جلس إليه أحد ثقاته أخذ ينفس عما في قلبه بهذه الأحاديث التي ترهف المشاعر، وتقوي المخيلة، فتحسب أنه طائر يغني على الأغصان، وأما عن سر عدم توغله في هذا الشأن فقد أبان عن فحواه في مقاله “أين المقال الأدبي الذاتي؟” المنشور بجريدة “الهلال”، أول يوليو 2000، وفيه يقول: “ومن ذكرياتي الحبيبة مع أخي الأديب الفنان الأستاذ كمال النجمي -رحمه الله- أنّي أرسلت له مقالًا عن (الحب الصامت) فحدثني تليفونياً أنه سيجازف بنشر هذا اللون، وقد تفضل فنشر المقال مشكوراً … ولكنّي امتنعت أن أسترسل في هذا المنحى كيلا تكون هناك مجازفة أخرى، وأكبر الظن أنّه خاف عليّ إذ أتحدث عن الحب، وأنا عالم أزهري”.

وفي أخلاقه صفات أهل البادية التي نقرأ عنها في أشعار العرب من الرجولة والكرم والوفاء والشهامة وإباء الضيم وغيرها من الشمائل التي يروق لكل شخص أن يحرص عليها أو يتصف بها، وكانت آثار هذه الأخلاق بادية في معاملاته رغم أنه لم يكن له عهد بصحراء أو بادية؛ إذ عاش في مدينة “المنصورة” حاضرة الثقافة والرقيّ، وتنقل بين دمياط والزقازيق والقاهرة والفيوم وغيرها من المدن، ويظهر لي أنّ تعلقه بالشعر العربي القديم هو سبب ذلك، فليس بلازم أن يكون المتصف بصفات أهل البادية أن يكون ساكناً في صحراء؛ لأنّ العواطف الوجدانية تلحق بالشخص من كثرة القراءة والتعلق بمثل هذه البيئات، ويمكن أن تكون فترة إقامته بالرياض إبان عمله بجامعة الإمام محمد بن سعود قد صقلت هذه العواطف، ووقف على حقيقة حياة البادية كما قرأها في أشعار الجاهلية.

هذه صور مختطفة من حياة البيومي وثقافته لو أتيح لنا أن نسهب فيها لجاءت بالعجاب الشائق،

ومن حقه علينا أن نؤرخ ذلك العهد ونذكر مواقفه المختلفة وأحداثه الفكرية، فهو شيخ الأساتذة وسيد العلماء، الأديب الموهوب والعالم الموسوعي الذي اندمج في الحياة الثقافية المعاصرة، وامتزج بأكابر علماء الأزهر الشريف ومشايخه، فصار بالنسبة لنا كالكوكب الكبير الذي ندور حوله، ولا لوم إن ظلّ ذكره حياً في قلوب محبيه وعارفي مكانته، فلا زلت أشعر في أعماقي بالسعادة البالغة للأخذ عن هذا الفرد العلم، أدركتُ وقتئذٍ أنني أصل حاضري بماض مشرق من الحياة العلمية والأدبية في القرن الماضي عن طريقه؛ فهو الرابطة التي تربطنا بالأدباء والعلماء من عظماء الأمة وصالحيها.

ومن ذا الذي يجحد فضائل العظماء التي تبعث على الإجلال والإكبار والتكريم؟!

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: