مائدة حوار

د. منير لطفي صحبة الطبيب الأديب د. علي الطائي

* أرى أن المُترَفَ والمرتاحَ لا ينتجُ إبداعاً مؤثّراً

* نظام طب الأسرة من الأنظمة الصحية الراقية والتي لا تنجح إلّا في المجتمعات الراقية، وليست العربية مع الأسف الشديد

* كنتُ أظنُّ أن النظْمَ في شِعر الطفل والطفولة من أيسرِ الأمور

* قوّة التأثير أجدها في الشِّعر أكثر ظهوراً من النثر

* المتعة التي ينشدها المؤلِّف تكمن في رؤيته لكتابه يوميا في مكتبته أو على رفوف المكتبات العامة

_______________________________________________

لو كان لسيرته الذاتية الثريّة وصفٌ من كلمتيْن، لَما كان سوى (شطّ العرب)؛ ملتقى نهرَي دجلة والفرات، ومصبّ النفط في الخليج، وواحة الخصب والنماء، واجتماع نخيل العالَم، ولم لا؟ وهو من النسل الطائيّ الطيّب الذي يعيدنا إلى مجد الشِّعر مع الطَّائيَّيْن الكبيريْن أبو تمام والبُحتري.

شاعرٌ مطبوع وكاتبٌ مستنير ومثقَّفٌ عضوي؛ وُلد عام 1967، ونشأ على شاطئ الفرات، قبل أن يتخرّج في كلية الطبّ بالجامعة المستنصرية بالكوفة عام 1992. كتب الشِّعر بالسليقة في سنّ مبكِّرة، وسهر على موهبته مدرّسوه في المرحلة المتوسطة، واستعان بمكتبة كبيرة كوّنها على مدار الأيام رغم شظف العيش وأجواءٍ سياسية ملتهبة عصفت بالعراق في التسعينات وما بعدها. له مؤلَّفات عدّة في الشّعر والطبّ والأدب، أحدثها موسوعة الأطباء الشعراء من جزأيْن. وكأديبٍ صاحب رسالة، ومثقَّفٍ صاحب مشروع؛ دشّن عام 2020 مجلسا ثقافيا يشعّ أدبًا ووعيًا مع إطلالة كلّ شهر، وأَلحق به مطبعةً تُعنى بطباعة الكتب والدواوين لزملائه الشعراء وأصدقائه الكُتّاب، كما أَسدى إلى القرّاء خدمة جليلة عبر التسجيل الصوتي لكُتبٍ قيّمة مُنتقاة، وما زال حبل عطائه على الجرّار، وعن هذا العطاء الوافر دار الحوار…

_______________________________________

=علاقة الطبّ بالأدب؟ سؤال مكرَّر، ولا بأس من زيادة التكرار مرّة؟

كلاهما يتّخذانِ الإنسانَ موضوعا، وأيّ موضوعٍ؟ هو أشرف الموجوداتِ على هذا الكوكب. وما دام هذا الكائنُ يأتلف فيه ركنانِ أساسيانِ: الجسدُ والروحُ، فقد اختصَّ الطبُّ بالأوّل، واختص الأدبُ بالثاني. وإنه لمن كمال النعمة أن يأتلف الطبُّ والأدبُ في شخص الطبيب الشاعرِ، لينتجا أعمالا إبداعيةً قلّ نظيرُها.
=لكل شيء حسناته وسيئاته، فماذا منهما فيما يُقام من صالونات أدبية و يُعقد من مجالس ثقافية؟

الصالونات والمجالس الأدبية هي الرئة التي يتنفّس عن طريقها الأدباءُ والشُّعراء. تتلاقح الأفكار، وتتعارف الشخصياتُ، ويُطلَق العنانُ ليدِ النقد وملكة الذوقِ كي تقول كلمتها، فيقوِّمُ كلٌّ من الحاضرين هفواتِه، ويستفيد من تجارب الأدباء الآخرين. هذا كله بالطبع على فرض نقاء الأرواح وصفاء القلوب، والاستعداد لقبول الرأي الناقد، لا بقصد التقليل من الشأن. أنجبَت وقوّمَت المجالسُ الثقافية عددا كبيرا من الأدباء والشعراء والمفكّرين، والمثقَّفين بشكل عام، ليس في الساحة العربية فحسب، بل وعلى المستوى العالمي، ومن ثمرتها كانت الثورة الفرنسية التي قلبت كل الأنظمة السياسية والثقافية في حينها. والحديث ذو شجون في هذا الجانب.
=في أيّ طور يعيش العراق بعد المحنة المزلزِلة للغزو الأمريكي الغاشم، هل يتعافى أم ما زال يتألّم؟

كل جرح لا بد أن يخلّف ألماً، والجرح أو الجروح التي حلّت على العراق في الخمسين سنة الأخيرة لعبت دورا سلبيا، وغيّرت من أوجه النشاط الثقافي بكل أشكاله. لكنني أرى أن المترَفَ والمرتاحَ لا ينتجُ إبداعاً مؤثّراً، لأن الذي يثير الشجون وينكأ الجروح، لا بد أن يترك أثراً قويا في نفس الأديب، ومن بعده في نفوس المتلقّين. وإذا علمنا أن مجتمعاتنا العربية تعيش ومنذ الأزل تحت تأثير المأساة الدائمة، فلن تهدأ ماكنةُ الإبداع. أما العراقُ فلا يمكن لأي أحد أن يغمط حقه في كونه مصدر الإشعاع الثقافي على وطننا العربي الكبير، ولن ينكر أحد أن آلاف المفكرين والعلماء، ومنهم الشعراء، توافدوا عليه وعاشوا وأنجبوا ورسّخوا جذورهم في أرضه، ولك أن تقلّب صفحات التاريخ، حتى تقف على حقيقة ما أقول. يبقى العراق ولاّدا للمبدعين، لكن حدِّثني في الذوق العام، وما حلَّ به، لأن المطرب دون جمهور، كناعٍ بين القبور!!
=ما أبرز العقبات التي واجهتكم في سبيل إنجاز موسوعة (أطباء شعراء)؟

أكبر العقبات هي عدم الوصول إلى عدد كبير من الأطباء الشعراء، بسبب عدم معرفتي بهم شخصيا، أو عدم معرفتهم بوسائل التواصل الاجتماعي، وعدم الاستجابة للمشروع من قبل آخرين رغم التواصل معهم وكأنني أبغي منهم أموالا، والذي هو آخِر أمرٍ أفكّر فيه. والشيء الذي لا ينكره إلا جاحدٌ هو الفضل الكبير للشبكة العنكبوتية التي أمدتني بالمعلومات الضرورية من سِيَر وقصائد للمترجَم لهم في موسوعتي (أطباء شعراء) بجزئيها.
= هل من سمات عامة لشعر الأطباء بحيث يمكن تمييزه عن غيره؟

شِعر الأطباءِ، امتزجت فيه عدة خبرات. الخبرةُ العملية من خلال التعامل مع المرضى وذويهم، أي مع المجتمع، وما أكسبه هذا التعامل من قدرة على فهم البشر عن كثب. الذكاء الذي يتميز به الطبيب عن الآخرين منحه القابلية على ابتكارِ الحلول الآنية للمشاهد الأدبية، والقدرة على رسم الصورة الشعرية استلهاماً من الواقع. الطبيب قادرٌ بذكائه على مزج الخبراتِ في بوتقةٍ ذهبية واحدة، تجتمع فيها عناصرُ الإبداعِ بكل صورها. الطبيبُ يشعرُ بآلامِ المرضى، وقد عركتهُ المواقف المحرجة حينما يُلقي خبراَ صادما على المريض أو ذويه، حينما يخبرهم بوجود مرض خبيث مثلاً، أو وفاة  في غرفة الإنعاش. ورغم كل هذا جاءَ شعرُ الأطباءِ كترنيمة جالينوس أو أبقراط، أو دعاءِ صوفيٍّ زاهدٍ، يأملُ منها شفاء الأدواءِ، كبلسمٍ اعتادَ على منحه لمرضى القلوب والأجساد. أبدع هؤلاء ومنهم الشاعر المصري المعروف (إبراهيم ناجي) وأحمد زكي أبو شادي، وعدد كبير ممن وثقتُ لهم في كتابي (أطباء شعراء)، الذين كنتُ أستمتع بحق بما نظموا.
=كيف وجدتم تجربة النظْم للطفل والتي قد يظنها البعض -خطأً- أهون من النظْم لغيرهم؟

كنتُ أظنُّ أن النظمَ في شعر الطفل والطفولة من أيسرِ الأمور كما تفضلت، لكنني حينما ولجتُ إلى هذا المضمارِ، أدركتُ مقدارَ المعاناةِ، والصعوبة التي رافقت الكتابة للأطفال. وتكمن الصعوبة في محدودية القوافي وتكرارها، وتحديد النظم على بحورٍ معينة ومجزوآتها، كبحر الخبب، والوافر، والكامل، والرمل. يضاف إلى هذا صعوبة الهبوط بالأسلوب الشعري، والكتابي، كي يحاكي بساطة ومحدودية إدراكِ الطفل. لا أكتمكم خبراً أنني أحسستُ وكأنني لم أكتب شعراً قبل هذه اللحظة. وبالتالي فهي تجربةٌ فريدة لا بد لكل شاعرٍ، باعتباره يتعامل بالعاطفة ويعزف بكلماته على المشاعر، أن يهدي ثمرة القلوب شيئاً من عصارة جهده، وليترك حبيبته جانباً لبعض الوقت، ليكتبَ لزهرة الدنيا وزينتها. وقد كتبتُ أوّل مجموعة شعرية للأطفال بعنوان (أرضنا الزاهية) عام 2022م ونشرتها عام 2023م صادرة من مطبعة المجلس الثقافي في بابل. ولدي مجموعة أخرى لم تكتمل عسى أن ترى النور في العام المقبل 2024م.
=ما الذي تقوله وتعكسه كركوك بخليطها الفسيفسائي العجيب من السكّان العرب والأكراد والتركمان والآشوريين والأرمن وغيرهم؟

لا بد أن أشير إلى أنني وُلدتُ في هذه المحافظة وانتقلت مع عائلتي عام 1972م إلى محافظة بابل التاريخية المشهورة وترعرعت فيها وقضيتُ أغلب سنوات عمري في هذه المحافظة وفي بغداد والكوفة حيث كنت أدرس الطب. أما كركوك فقد قضيتُ فيها سنين الخدمة العسكرية الإلزامية عام 1996م. وكركوك كما تفضلتَ هي فسيفساءٌ يختلط فيها العربُ مع الكردِ والأرمن والآشوريين والتركمان، وهي بحق متحف لكل هذه الثقافات.
=في عصر التكنولوجيا الجامحة التي غيّرت وجه العالم، ماذا بقي للكلمة المكتوبة من دور للنهوض بالتغيير المنشود في عالمنا العربي المتردِّي؟

كل  أبناء البشر الآن هم قابعون في هذا القفص التقني العجيب، الذي فَتح، رغم قيده، الأبوابَ أمامنا حتى نتعرّف على مثيلنا في الخلقة، في أصقاعِ الأرضِ المختلفة. اختلطت الثقافات، وانصهر بعضها في بعض، وبات من الواجب أن ننصهر نحن البشر، لأننا بشر، لا فرق بيننا إلّا بمحل السكن، وجودة الطبيعة، أما العقلُ فواحدٌ، والمشاعرُ واحدة، فلا يسوغ لنا أن نفترق في إبداعنا، لأنه ترجمانُ مشاعرنا، نحن الأدباء. أما الكلمةُ المكتوبة، فلها شقان في الجواب: الأوّل: الكلمة المكتوبة على الورق. وهذا النوع أجد أنه قد أصابه النكوص، والعزوف من أغلب القرّاء، سواء أكانوا في الوطن العربي أو في العالم. وفقد كثيرا من تأثيره، لكنه ما زال يناضل. ولا بأس بالتطوّر، لأننا مؤمنون بهذا، والعبرة في التأثير بالآخَرين من خلال هذه الكلمة المكتوبة. الثاني: الكلمة المكتوبة إلكترونياً. وهذه أجدها قد سمت في علياء الأدب وسماء الثقافة ولن يحدّها شيء. وكلاهما أجده مؤثراً في المجتمع الغربي أكثر من تأثيره في مجتمعاتنا العربية اللاهثة وراء فتات الطغاة.
=في ضوء ما تُزاوِج وتُراوح بين الصناعتين على قول أبي هلال العسكري، ما الفرق بين الناثر والشاعر من حيث الأدوات وقوّة التأثير؟

إذا سلّمنا أن أذواق البشر ليست واحدة، والمستوى الفكري، والقدرة اللغوية والبلاغية، ليست واحدة عند كل البشر، لا بد أن نسلمَ بالحقيقة التي لا ثاني لها وهي : النثر والشعر نتاجان بشريّان، وكلاهما يمتدّان في عمق التاريخ العربي والعالمي، ولّدتهما الحاجة لإيصال الأفكارِ، وسياسة البشر وقيادة المجتمع، وتدبير الشؤون الحياتية المختلفة، واستنهاض الجماهير لأجل قضية مصيرية، فلا فضل لأحدهما على الآخر إنما لكل فئة من الناس منهلهم المناسب. منهم من يتأثر بما يُلقَى عليه من قصائد شعرية ومنهم من لا يستسيغُ هذا اللون، للقصور الذي ألمحْت إليه، فيجنح إلى النثر (وأقصد بهذا فنون النثر لا ما يُسمّى بالقصيدة النثرية وليست كذلك، من المقالة، والخطبة، والرسالة، واللقاء الصحفي، وغيرها). أما قوة التأثير فأجدها في الشِّعر أكثر ظهوراً، بالرغم من عزوف المجتمع عنه بسبب التدنِّي الثقافي، وخاصة في دولنا العربية.
=إزاء سياسة النشر المدفوع التي تتبنّاها أغلب دور النشر الآن، والكُتّاب يعانون من (الفلاكة) كما تعلمون، هل تحبّذ النشر الالكتروني الأيسر والأسرع والأقل كلفة؟

عانيتُ كثيرا من هؤلاء، وأقصدُ دور النشر والمطابع، ووجدتهم في الغالب لا علاقة لهم بالأدب وهم لا يتعدون مهنة التجارة كحال المهن الأخرى، ويحاولون بشتى الطرق كسب المال ليس إلّا، وإذا ما علمنا أن قرّاء النسخ الورقية في تناقص مستمر، ضاق الأمر على الكاتب والأديب، وقلّ مشترو بضاعته. نعم أجد النشر الإلكتروني أقل كلفة أو بدون، وأكثر رواجاً لكن المتعة التي ينشدها المؤلف تكمن في رؤيته لكتابه يوميا في مكتبته أو على رفوف المكتبات العامة.
=هل يخطر ببالكم سؤال من نوع: متى يقرأ ويبحث ويبدع هؤلاء الأدباء الذين يتواجدون بكثافة على الشاشات وفي المنتديات وعلى صفحات وسائل التواصل الاجتماعي؟

ربما أصوغُ السؤالَ بهذه الطريقة: كم من هؤلاء يستحق لقب الأديب؟ كل إنسانٍ يستطيعُ الكتابة أو جلّهم، وهل الكتابة تعني أنّ الكاتب هو كاتب بمعناه الاصطلاحي؟ لا أعدو الصوابَ حين أقولُ: إن الغالبية العظمى من هؤلاء ينطبق عليهم المثل العراقي المعروف (ليس كلّ من سخم وجهه هو حداد!). ابتُلينا بأمثال هؤلاء الذين لم يعترفوا بالرقيب الذاتي، أو الخارجي. ترتكبُ ذنباً كبيرا لا يُغتفرُ حينما تصحّح له بعض الأخطاء التي يرتكبها في كل منشورٍ يرميه على رؤوسنا. ومن صفات العرب أنهم يميلون إلى السهل مع عدم الكلفة، ولن يجدوا غير الكتابة، نثرا أو شعرا، دون كلفة. عُرف عن العرب أنهم كثيرو الكلام قليلو النفع، ونحن منهم مع الأسف. الكل يكتب، ويطرح به إلى سوق الأدب. أشبه ما يحدثُ في وسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام بسوق الهرج والمرج!! تحدثت كثيرا مع شعراء نمطيين يكتبون القصيدة والقصيدة وكأنهم ينسخون القصيدة الأولى مع تغيير في بعض الألفاظ، ويلقيها وكأنه فاتح إفريقيا. قلت لهم : لماذا لا تقرؤون الكتب حتى تثقفوا قصائدكم!! يجيبون: لا وقت لدينا!! ولك أن تقدر مقدار الكارثة من أمثال هؤلاء.
=برأيكم، لماذا لا يتمتع تخصص طب الأسرة لدينا بالمكانة الرفيعة التي يلقاها في الغرب؟

لأنّ النُّظم الصحية العاملة في أغلب دولنا العربية عقيمة، ولا تلبّي طموح أفراد المجتمع، لأسباب كثيرة، منها: عدم قدرة أغلب دولنا العربية على تغطية تكاليف الخدمة الصحية المقدَّمة للمواطن بسبب قلة الموارد المالية. والسبب الآخَر: ضعف الوعي الصحي والذي يرتبط ارتباطا وثيقاً بمُجمل الوعي الثقافي. وإذا علمْنا أن نسبة الأُمّية في مجتمع مثل العراق والتي كانت لا تتعدّى 4% في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين قد وصلت الآن إلى 18% ، هذه كارثة عظيمة. والأُمية الثقافية والمعرفية تلعب دورها السلبي في النسبة المتبقّية من أفراد المجتمع. نظام طب الأسرة من الأنظمة الصحية الراقية والتي لا تنجح إلّا في المجتمعات الراقية، وليست العربية مع الأسف الشديد. يُضاف إلى ذلك قلة عدد الأطباء المختصين في هذا الجانب في كل الدول العربية، رغم أنها لا تشكّل كبير عقبة لو نظرْنا إلى جانب التكامل العربي الغائب في عصرنا هذا.

***

أجري الحوار في 4 يونيه 2023

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: