لمحات أدبية إيطالية عن فلسطين

لمحات أدبية إيطالية عن فلسطين

إعداد دكتور : إسلام فوزي محمد

كلية الألسن جامعة عين شمس

إذا نظرنا إلى ما يشغل العالم حاليًا من صراع في المنطقة – ليس بجديد على كل – فسنجد أن هذا يشغل حيزًا في الحركة الفكرية والثقافية العالمية أيضًا. هذا الصراع المعروف عالميًا بالصراع العربي الإسرائيلي، يعود بالجذور إلى سنوات بعيدة وبشكل موازٍ نجد أن الآداب في مختلف أنحاء العالم لم تكن بمعزل عن ذلك، فهناك من يؤيد طرفًا أو آخر. فدعونا أولًا نحدد وجهتنا بالتركيز على الأدب الإيطالي من خلال ومضات تخص القضية التي تعنينا من وجهة نظرنا وهي القضية الفلسطينية. ولعل أول ما لفت نظري في هذا الشأن قصيدة كان قد ترجمها أستاذنا الراحل سلامة محمد سليمان في العدد الثاني من مجلة الألسن للترجمة 2002، للشاعر الإيطالي أنطونينو كونتيليانو وعنوانها “مقاتل فلسطيني”.

“مقاتل فلسطيني” – بالإيطالية Combattente palestinese – هي قصيدة من قصائد كتاب عنوانه “عطر الأرض” Il profumo della terra وقد صدر عام 1983. وفيها يحث الشاعر الإيطالي الجنوبي المقاتل الفلسطيني على التشجع والمثابرة في مواجهة كد الحياة يوميًا بحمل مجرد روضة ونافورة لشعبه من الصباح عند بزوغ الشمس إلى غروبها واختفاء الضوء. ويعرب الشاعر الإيطالي في قصيدته عن تضامنه مع المقاتل الفلسطيني عن بعد من صقلية جنوب إيطاليا بصوته الذي يشبهه بالروح التي تطحن الباغين وبالبرق الذي يهوي على تلك الأسلاك الشائكة التي يضعونها على أرض فلسطين. ويفصح الشاعر كذلك عن آلامه التي يبوح بها من صقلية وإن كان يموت بعيدًا عن الأرض الغالية للمقاتل الفلسطيني. ويتضامن مع المقاتل ومع صرخات أبنائه المذبوحين ولا يشكو من ذلك؛ فقد سلبوا حقوقهم ومزقوا قلوبهم واستهزأوا بهم دون أي مبالاة وهم يدخنون السجائر ووهم يعملون يوميًا لثمان ساعات دون إنسانية في الزنزانات التي تمثل قبورًا للفلسطينيين. ثم يختم قصيدته الموجزة المعبرة بنداء إلى اللاجئين الهاربين وقد باتت في أعينهم وعود ليخبرهم بأن ما أتاه من بعيد كان بمثابة الحبوب التي حملتها الرياح والطيور القادمة مؤرقة من الصحراء الثائرة للأراضي الفلسطينية إلى أرض شرفته في صقلية جنوب إيطاليا، وكأنه يريد القول إن القيود مهما كانت والأسوار مهما علت لن تمنع الإنسانية من التواصل عبر البحار والرياح والهواء.

وبمرور ثلاثين عامًا نجد عملًا أدبيًا آخر يستلهم فلسطين وأرضها محورًا لأحداثه وذلك عام 2013 بصدور رواية تحمل عنوان “الثلج في غزة” La neve a Gaza للكاتب الإيطالي ابن جزيرة ساردينيا ڤينشينسو سودّو Vincenzo Soddu. وقد استهل المؤلف الإيطالي روايته تلك باقتباس من رواية غسان كنفاني “رجال تحت الشمس” ثم ببعض أبيات الشعر من قصيدة “فكر بغيرك” للشاعر الفلسطيني محمود درويش. وعلى الرغم من أن أحداث هذه الرواية تدور في مدينة كالياري Cagliari بجزيرة ساردينيا جنوب إيطاليا، فكانت البطولة بشكل كبير لعنصر فلسطيني بداية من العنوان وصولًا إلى قضية الشاب الفلسطيني المهاجر إلى إيطاليا واسمه كريم.

فإن قصة رواية “الثلج في غزة” التي يرويها ڤينشينسو سودّو على قرائه تُعد ربطًا للواقع اليومي لمدينة كالياري، بوصفها مدينة متوسطية، بواقع إنساني كوني وعالمي نعيش فيه حياتنا اليومية في تفاصيل مختلفة. ويأتي عنصر التحرك الإنساني من مكان لآخر متمثلًا في الهجرة البشرية – سواء نتيجة لاختيارات فردية أو لظروف اضطرارية – عنصرًا فاعلًا في سرد الأحداث. وتأتي صورة المهاجر بوصفه شخصًا وإنسانًا في تميزه بقصصه ومسيرة حياته ومغامراته.

وفي تصدير كتبه للرواية، أحد المهاجرين الفلسطينيين إلى إيطاليا، فوزي إسماعيل، رئيس جمعية الصداقة بين ساردينيا وفلسطين، نجد أن الفكرة تتلخص في الربط بين مدينة كالياري الواقعة في جزيرة ساردينيا التي تحيط بها مياه البحر المتوسط، وكذلك العلاقة بين المهاجرين بصفة عامة من جهة وأهل المدينة الإيطالية من جهة أخرى وكيف يشكل لفظ “مهاجر” immigrato، – وفي الإيطالية يعني المهاجر الوافد إلى البلد وليس المهاجر الراحل عنها – كلمة مفتاحية وفقًا للسياق الاجتماعي الإيطالي، حيث تشكل الهجرة غير الشرعية إلى إيطاليا أزمة سياسية واجتماعية وثقافية من جهة وثراء ثقافيًا من جهة أخرى.

وإذا نظرنا لتكوين الرواية نجدها مقسمة إلى فصول متباينة الطول بالإضافة إلى تمهيد سردي كتبه المؤلف، منطلقًا فيه من تساؤل لبطلها كريم وهو يسأل: “لماذا لا يوجد الثلج أبدًا في غزة؟”، وهو سؤال لن يجد إجابة له أبدًا. ثم نجد في الرواية عرض للمشكلات الاجتماعية والنفسية التي قد يواجهها لاجئ سياسي أو مهاجر مثل الفلسطيني الذي اضطر إلى ترك أرضه وماله في وطنه ونزح إلى أرض غريبة قد لا يعرف لغتها وطباع أهلها، ونرى الصعوبات التي تتشابك وتتلاقى بين الوافدين الجدد أي المهاجرين وأهل المدينة الأصليين أبناء كالياري وتضامنهم في كثير من الأحيان لمواجهة المشكلات المشتركة والصعوبات والبحث عن حلول لها. ويصبح كريم

وفي النهاية فإن رواية “الثلج في غزة” تبدو رسالة تحمل في طياتها بعض الأمل داخل عالم تنقلب فيه الأحوال رأسًا على عقب، حيث يعدون شخصًا غير شرعي وغير قانوني مَن يبحث عن السلام ومستقبل أفضل لنفسه ولأولاده، بينما يمتدحون من ينزع فتيل الحروب باسم الديمقراطية ويستمر في أعمال الاحتلال المسلح لبلدان يبدأ شعوبها في الهروب فاقدين الأمل.

وليس الاهتمام بفلسطين وأهلها والنازحين والمهاجرين منها والقضية الفلسطينية محض صدفة في الحياة الأدبية والثقافية، لكن الأمر يمتد إلى اهتمام من مجموعة دارسين للغة العربية وآدابها ومترجمين لأعمال أدبية عربية فلسطينية وبالتالي تنظيم جلسات نقاش حول تلك الأعمال وحول القضية الفلسطينية. لعل من أهم هذه المنصات الأدبية والثقافية المدونة والمنصة الإلكترونية editoriaraba (www.editoriaraba.com) التي أسستها وتقوم على إدارتها كِيارا كوميتو Chiara Comito بالتعاون مع آخرين من المعنيين باللغة العربية وثقافتها وآدابها من مختلف البلدان العربية.

وفي هذه المنصة هناك قسم لكل بلد عربي يشمل أخباره الأدبية والثقافية والترجمات التي تتم إلى اللغة الإيطالية لأعمال أبناء هذا البلد. وبإحدى المقالات الخاصة بفلسطين والأدب الفلسطيني وقد كتبت خصيصًا لدعم فلسطين والقضية الفلسطينية نقرأ عرضًا لصورة شاملة للأدب الفلسطيني وعرضًا موجزًا للخلفية التاريخية والسياسية للأراضي المحتلة وأهلها وما شكل وعي الأدباء الذين نشأوا في تلك الظروف. ثم نقرأ أيضًا بعض المراجعات لعدد من الأعمال الأدبية التي ترجمت إلى اللغة الإيطالية، بعضها عن العربية مباشرة وكثير منها عن اللغة الإنجليزية، فنجد اهتمامًا ملحوظًا من الآخر تجاه قضية تخصنا، ربما لما يقتضيه المشترك الإنساني من نصرة لقضية يعاني فيه الطرف الأضعف دائمًا، فأصبح واجبًا على مَن لديه القدرة في إعلاء كلمة حق أن يفعل ذلك بلا تردد.

وبناء عليه أرى أن من واجبنا أن نعمل على الكلمة وإعلاء كلمة الحق وأن نساعد في التجاوب مع مثل هذه القضايا عن طريق الترجمة والتفاعل الثقافي، فعمل أدبي مثل “الثلج في غزة” قد يكون مهمًا للترجمة لمد جسور التواصل في مثل هذه القضايا الأدبية والإنسانية وليكون التفاعل قائمًا بين ضفتي المتوسط لما تدعمه الروح الإنسانية التي قد تبحث في الكلمة عن متنفس لها، ولكي يدرك العرب غير الملمين بلغات أجنبية محددة كل الجهود الثقافية والفكرية التي تبذلها مجموعات من دول غير عربية، مما يجعل النضال من أجل قضية عالمية أمرًا حيًا قائمًا باستمرار.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: