قوت الغلابة   

قوت الغلابة   

 

بقلم : محمد فيض خالد

لا يزال الوقت مُبكِرا، فكلبهم باسطٌ ذراعيه أمام عتبةِ الباب مُنذ المغربية ، لا يزوم إلّا لِماما ، يُغالِب نباحه المنقطع حشرجة من أثرِ النّعاس والسّهر .

رفع َرأسه قليلا عن الوسادةِ التي تهدّلت وخرجت حشوتها بقطنها الأسود ، تناثر اخوته الصغار الذين افترشوا الأرض بعيدا عن الحصيرِ ، لكنّ شخيرهم يملأ المكان ، كما أن ما تقذفه بطونهم طِوال الليلِ أزّمه وازعج أنفاسه واشعره بالغثيان والاختناق ، لملم جسده محاولا العودة ثانية لنومهِ، اغمض عينيه وصمّ أذنيه ، وتغافل قليلا عن رفسِ أرجل النِّيام من حولهِ وحركتهم المستمرة .

ارتخت أعصابه وسكنت جوارحه ، وقبل أن تغشاه سكرة النوم ، ترامى إليهِ صوتِ والده وسُعاله المُعتاد ، الذي يغالبه ساعة الصبحية، وجرجرة  نعله البلاستيكي المُثقل بزوائدهِ التي ( لحمت) فيهِ من كُلّ جانبٍ ، وصوته العالي ، لحظات قليلة مرّت اختفى معها الصوت تماما ، هدأت نفسه وتمنى ألا يعود ثانيةً،  وأن يعجّل النعاس بالقدومِ ، لكنّه عادَ ثانيةً أشدّ وقعا من ذي قبل .

مصحوبا باستغفارٍ وتسبيح وتحميد وصلاة على النبي ، رفع رأسه قليلا ونظر بعينيه المُثقلة بأحمالِ النّعاس ، شاهد والده وقد افترشَ حصيره القديم ، جاثما على ركبتيه يختم صلاته ،ويُردد أذكار الصّباح وأوراده المعهودة .

تجاهل كُلّ هذا ، ومضى في عزمهِ ؛عسى على أن يهنأ بدقائق هنية من النّومِ ، فجأة امتلأ الدار بجلبةٍ وضجيج  ، صوتا يألفه مع كُلّ صباح ، يعرفه حق المعرفة منذ أن وعى لنفسهِ بين جنباتِ الدّار ، ها هي أمه تشعل ( وابور) الجاز ، الذي فتح فمه يبحّ.

واستغفار أمه الذي لا ينقطع ، وهي تزوم : استغفر الله العظيم من دا بابور .. لازم تغيره يا حاج.

اعتدل في رقدتهِ ، محولا  وجهه جهة الحائط ، لكنّه انتفض متأففا ، فقد لامست أشعة الشمس المتسللة من بينِ ألواحِ الشّباك رأسه ، كانت أمه قد انتهت من إعدادِ طعام الفطور ، امسكت بين يديها بكسرِ ( البتاو) اليابس ووضعتها على الطبليةِ ، وسريعا تحرّكت ناحية الجوزة ؛ تملأ قارورتها من ماءِ الزيرِ المنصوب خلف الباب ، قرّبتها من الحاجِ مفتاح الذي امسك بقطعِ ( الكوالح) بين يديهِ ؛ يثبتها فوق حَجر المعسل ، وبدأ في سحبِ أنفاسه لتنتظم الكركرة.

وقفت أمه على عتبةِ الغُرفة وهي تنادي : مبروك .. أنت يا مبروك قوم النهار علي يلا ورانا هم ما يتلم.

دسّ رأسه في الوسادةِ ، وعلا شخيره المصطنع وكأنّ شيئا لم يكن، لكن هذا لم ينجده من نعلِ أمه البلاستيكي ، تقدّمت منه في صمتٍ ، ثم انهالت على أرجلهِ فاوسعته ضربا، تحرّك أمامها وقد تغيّرت سحنته وزاد عبوسه ، قطب جبينه وجعل يُبرطِم بكلام مبهم .

تقدم ناحية الزّير ، وغرف منه (كوز ) ماء ، بلّل أصابعه ثم مرّرها فوق وجهه ، وهو لا يزال مغمض العينين ، مشى في خمولٍ يجر أذيال الكسل ، تربّع بجوارِ والده الذي كان قد انتهى من تدخينه ، اسند الجوزة بجانبِ الحائط ، وامسك بكوبِ الشّاي الذي طفت رغوته الصّفراء الثقيلة من فوقهِ، وبدأ يمصّها بصوتٍ عال.

حدّق صاحبنا بعينيه في الطّبقِ ، ثم  هاجت ثائرته ، وقال منفعلا : هو كل يوم كِشك .. صبح ومسا زهقتونا في عيشتنا .

غمره والده  بعصاهٍ في جنبه ِ، وقال موبّخا: كُل وأنت ساكت.. احسن تزول النعمه من وشك.. احمد ربك يا مفتري .

مدّ يده ثانيةً في تخاذلٍ ، وتناولَ كسرةً من البتاوِ اليابس ، وجرّها في الطّبق ِأمامه ، لكنه أفلتها في منتصفه ، رمته أمه بطرفها في ضجرٍ ، وقالت : سلقت لك بيضة كلها علشان تروح ( الطاحونة) تدش القمح عشان نعمل الِكشك الجديد.

وقبل أن تنهي كلامها ، زعق بصوتٍ جهوري : كِشك تاني .. مش كفاية كِشك عاد .

نهنه والده بصوتٍ مسموع ، انتهى من أكلهِ ، كان والده قد جهّز حماره . ووضع فوقه ( زكيبة) القمح ، اعطته أمه صرة من الملحِ لقتها في خرقةِ قماشٍ ، أوصته أن يعطيها لصاحبِ المدشة، ألحت عليه بوصيتها حتى لا ينسى ، هزّ رأسه دون كلامٍ ، وبامتعاضٍ وضيق  ، همز حماره في رقبتهِ بعصاه ، وقال : حا شيح.. يلا أمال ..

وصل الطاحونة ، وهناك وجد نفسه وسط جمعٍ غفيرٍ من النّساءِ  ، اتين من القرى المحاورة لنفسِ الغرض ، اتخذ لنفسهِ مكانا بعد أن حجز دوره ، تنمّر بعينيهِ وهو مهموم ، فأهل المكان لا حديث لهم إلا حديث الكِشك ، يتبادل النساء الوصفات المجرّبة ، والمقادير الأكيدة ، والخلطات التي تجعل من الكِشكِ شهدا مكررا ، ضرب الحائط بعصاه في غيظٍ ، وقال حانقا : هو الكِشك ورايا ورايا في كل مكان مش عاتقني..

نظرت إليه سيدة عجوز افترشت الأرض ، جاوبته وهي تداري وجهها بطرف حرامها القطني من أشعة الشمس : دا إللي قسمه ربنا يا ضنايا ، والموجود أنت هتكفر بنعمته .

انتهى من عمله ، وعاد ثانيةً للبيتِ، كانت أمه قد اعدّت له طبيخ ( النابت) الذي يحبه ، لم يصبر حتى تغرف له ، رفع غطاء الحلّة النحاس الموجودة فوق الكانون ، وجعل يأكل حتى شبع.

انتهت أيام الكِشك، وامتلأت بهِ  (الصوامع ) المرابطة فوق الأسطحِ  كشواهد القبور ، عاد صاحبنا ثانيةً إلى اعتراضهِ ، لكنّ محاولاته جميعا باءت بالفشلِ ، فالكِشك في الريف طعام أهلها حتى ينفد ، وما إن ينفد حتى يعود سيرته الأولى ، اتخذه الناس قوتا من قديمِ الأزل ، لا تخلو منه دار ، يحبه غنّيهم قبل فقيرهم .

في مساءِ أحد الأيام زارهم المعلم عبدالهادي حلاّق الصحة المعروف في الناحية ، هو صديقٌ قديم لوالدهِ من أيامِ العسكرية ، تعوّد أن يمرّ عليهم كلّما هبطَ القرية يسأل عن أحوالهم، وبعد التّحيةِ والسّلام ، تساءل والده عن سببِ مقدمه القرية في هذهِ السّاعة ، أجاب عبدالهادي : العمده يا سيدي جميل بيه أبو الدهب عيان.. أمرّ عليه كل أول شهر اديه حقنة..

ردّ عليهِ متاسفا : وجميل بيه عيان بإيه كفا الله الشر .. دا صحته زي الرهوان ؟!

كان صاحبنا قد دخل عليهما بصينيةِ الشّاي ، وضعها ثم اتخذ مكانا بجوارِ والده على الدّكةِ، قال المعلم عبدالهادي : دا عيان بعيد عن البيت وأهله بعيا وحش .. منعه الحكيم ياكل حاجات ياما.. صحته دي قشرة ع الفاضي.. طب دا يا مؤمن بيهاتي عشان ياكل ( ضورة) كِشك ، بيقول ياخدوا نص مالي واكل كشك زي زمان ..

بهت صاحبنا وفتح عينيه في استغراب ٍ، نظر إليه والده وابتسامة خفيفة تكسو وجهه ، وردد قائلا : يا سلام للدرجة دي صحته مدهورة ؟!

جاوبه عبدالهادي وهو يُمصّمص كوب الشاي ويهم بالانصراف : امال أنت فاكر إيه .. الحمد لله على الصحة .. فتكم بعافية بقا علشان عندي كام مشوار اقضيهم في البلد ..

انصرف الضّيف ، لكن صاحبنا ظلّ مُستغرقا في تفكيرٍ عميق ، يُقلِّب كلامه في رأسهِ مهموما بهِ ، وبعد أيامٍ تغيّر سلوكه ، وأصبحَ لا يرد الكِشك أبدا ، يضع اللّقمة في الطبقِ وهو يُطاِلع والده ، ويحمد الله على قوتِ الغلابة .

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: