قصيدة الإنسانية للقس جوزيف إيليا

قصيدة الإنسانية للقس جوزيف إيليا

د. علي زين العابدين الحسيني |كاتب وأديب أزهري

 

ستبقى الصداقة التي جمعت بين الأستاذين نقولا يوسف ومحمد رجب البيومي من أبرز الصداقات العميقة، تلك الصداقة القائمة على كلّ معاني الصدق والوفاء رغم اختلاف مشربيهما في التلقي والفكر، وقد كان مؤلماً لي ومثيراً لدهشتي حين قرأت ما كتبه أستاذنا البيومي عن صديق عمره نقولا يوسف بعد وفاته في عدة مقالات، كان خبر وفاته صدمة عند أستاذنا محمد رجب البيومي؛ إذ رجع بعد غيبة قصيرة في العمل الأكاديمي إلى مصر، فسأل عن صديق عمره، وعلم أنه قد غادر الدنيا منذ فترة دون انتشار واسع لخبر وفاته، فتعجب أشد العجب من صمت أصدقائه وإخوانه الأدباء عن نعيه، وكتب تلك الكلمات المؤلمة في مقال عنه: “عجبت كلّ العجب أن يصمت إخوانه الأدباء وأصدقاؤه الكتاب عن نعيه، وفيهم من يملك القلم المسهب والصحيفة الذائعة، وما كان الفقيد النبيل لهم إلا أخاً أصيل الود، عريق الوفاء، ينزلون عليه في الإسكندرية صيفاً فيجدون الأنيس الملاطف، والصديق الباذل، والجليس المهذب، يتحسس مطالبهم ليقضيها على عجل ويتلمس رغباتهم تلمساً حتى لتقع في اليد قبل أن ينطق بها اللسان! أهكذا يسكت عن نقولا أحباؤه وكانوا يراسلونه بالشوق ويقابلونه بالعناق ويودعونه بالدمع!”.

 

ولا تزال روح الوفاء سائدة عند أربابها، ممتدة يتوارثها جيل بعد جيل، ويأتي في صدارة المشتغلين بهذا اللون الاجتماعي العزيز سعادة الشاعر العروبي القس جوزيف إيليا الذي يمثل قيمة أدبية وعروبية عظيمة، ورمزاً من رموز التواصل الإنساني، ومن آيات إنصافه ونبله رصد العلاقة بين الأستاذين رجب البيومي ونقولا يوسف في صورة شعرية راقية، فجلّى بقصيدته الغرّاء المعدن، وأزال الصدأ، وأيقظ الهمة، وفسح المجال أمام العزائم الصادقة للالتفات إلى مثل هذه العلاقات الإنسانية التي يجب تسطيرها والاستفادة منها نظرياً وعملياً، ولا غرو في ذلك فالأستاذ الشاعر أسرع الناس إلى أداء الواجب، يحمل أصالة وتفتحاً، ويفرض على نفسه قدراً كبيراً من المودة، فيعمق إنسانية الإنسان، ويحمل راية النبل، ويثبت بقصائده المنشورة ما للذات الإنسانية من قدرة على التعايش والإبداع، هذه القدرة التي تفيد الأجيال الناشئة، وتمنحهم قوة على بلوغ درجات عليا في ميدان التآخي والمحبة بصدقٍ، وهما كفيلان بالتعايش الإنساني الذي نحن بحاجة إلى نشره.

ولئن قيل إننا نغلو في هذه العلاقة المتميزة بين الأستاذين البيومي ونقولا يوسف، ونجزل لها تقديراً يكاد يجعلها حدثاً أدبياً واجتماعياً وإنسانياً، فلستُ أبرئ نفسي من تهمة الإعجاب بالشخصيتين، وقد قرأت لهما معظم آثارهما، ما كان منها من كتب، أو نشر في مقالات في المجلات الأدبية، وأحسب أن من يقرأ لهما سيجد زاداً أدبياً وروحياً في آن واحد.

القس جوزيف إيليا: شاعرٌ سوريٌّ مقيمٌ في ألمانيا من مواليد 1964م، كان رئيسًا للطّائفة الإنجيليّة في مدينة “المالكيّة” التّابعة لمحافظة “الحسكة” لمدّةٍ اقتربت من ربع قرنٍ قبل أن تدفعه الأحداث الأخيرة في بلاده مكرهًا لهجرتها، يكتب الشِّعر العموديّ وقصيدة التّفعيلة وأناشيد للأطفال وقد صدرت له عدّة دواوين: أنا لغةٌ أخرى، وأحبّكَ حتّى وإن، وإنّي هنا، وامرأةٌ من بنفسجٍ، ونمضي ولا نمضي، والجزء الأوّل من أعماله الشِّعريّة الكاملة. أجريت معه حواراتٌ كثيرةٌ، وتمّ تكريمه في عدّة محافل أدبيّةٍ في سوريّة وغيرها من البلدان، وغنّى من شِعره مطربون ومطرباتٌ كثرٌ من جميع أنحاء الوطن العربيّ، وثُبِّت اسمُه في عدّة موسوعاتٍ شِعريّةٍ في أكثر من بلدٍ، وصاغ مفاتيحَ جديدةً لبحور الشِّعر العربيّ، ونظم على البحور المهملة المنسيّة الّتي لم يشر إليها الفراهيدي وتضمّنتها كتب التّراث الأدبيّ العربيّ.

وقد كتب سعادة القس جوزيف إيليا بتاريخ 26 من شهر سبتمبر سنة 2023م هذه القصيدة بعنوان “كأنّك لم تغب”، وهو عنوان يدل على بقائها، وقدمها بمقدمة نثرية يثبت فيها وقوفه على تلك الصداقة النادرة التي يجب أن ندرسها دراسة وافية من جميع جوانبها، وقد أرسلها لي بعد أيام قليلة من طلبي إياها، فأردت أن أنشرها في هذا المقال؛ تخليداً لذكراها، يقول فيها:

“من الصّداقات الرّائعة المتميّزة في الوسط الأدبيّ الّتي يُتَوقّف عندها كثيرًا ويُصَفَّق لها بحرارةٍ تلك الصّداقة الفريدة الّتي جمعت الأديب الشّاعر المؤرّخ الدّكتور الأستاذ المسلم ” محمد رجب البيّومي رئيس تحرير مجلّة الأزهر السّابق ١٩٢٣ – ٢٠١١” بالشّاعر الأديب المؤرّخ المترجم الأستاذ المسيحيّ “نقولا يوسف نيوفتوس ١٩٠٤ – ١٩٧٦”

وإنّي هنا لأشكر لصديقي الدّكتور علي زين العابدين الحسيني دعوته إيّاي للإشارة إلى هذه الصّداقة النّقية كنموذجٍ يحتذى به في العلاقات الإنسانيّة بعيدًا عن الانتماءات الدّينيّة والفكريّة بمناسبة الاحتفاء بمئويّة أستاذه البيّومي فتخيّلت البيّومي وقد تلقّى نعي صديقه نيوفتوس يرثيه فقلت بلسانه قبل أن يتوفّاه الّله:

كأنّكَ لمْ  تَغِبْ    ما  زلتَ  قربي

تجالسُني    وتطردُ   غيمَ  كَرْبي

وتسكبُ مِنْ مياهِكَ فوق قمحي

وتقرأُ     كلَّ   ما   أخفاهُ   قلبي

وترسمُني    بلونٍ     لا  يُلاشى

وعن  صدري  تُبعِّدُ  كلَّ  صعبِ

وتُنشِدُ   ليْ    مزاميرَ   الدّوالي

وتنثرُ   ما   أنا   أهوى   بدربي

وقد  كنتَ  المُعينَ  إليهِ  أجري

إذا   ما  صارعتْني   نارُ   حربِ

وكنتَ المُشتهيْ ليْ عند جوعي

رغيفًا  طازَجًا    ونهرتَ   رعبي

ولمْ  تكسرْ  قواربَ   كنتُ  فيها

نداءَ    شواطئٍ    تُرجى   أُلبّي

تلاعبُني   وتروي    ليْ  الحكايا

وتصفعُ وجهَ من قد شاءَ صلبي

كأنّكَ   حاضرٌ   ما   غبتَ  عنّي

أرى   كلَّ  الّذي  أحببتَ  جنبي

هنا    كتبٌ     وأقلامٌ     وحِبْرٌ

وذي  حلوى   وكاساتٌ  لشُرْبِ

تذكّرُني   بمن    مشيًا   مشَينا

معًا  شرقًا   ورحنا  نحوَ  غربِ

ستبقى لن تغيبَ  فأنتَ عندي

تظلُّ  إلى  دهورٍ  خيرَ صَحبي

وللمولى  سأدعو  في  صلاتي

لأسكنَ معْكَ  بعدَ قضاءِ نَحبي

لقد تخيل الشاعر في قصيدته أن أستاذنا الدكتور محمد رجب البيومي عاش عمرًا أطول من عمر صديقه الأستاذ نقولا يوسف -وهو ذلك- وقد تلقى نعيه فرثاه بقصيدة أظهر فيها الصداقة بمعناها الصحيح التي تتجاوز المعتقد إلى البعد الإنساني، فهو يراه معه حاضرًا حتى بعد رحيله كما كان معه في الحياة، يجالسه ويخفف عنه ويدعمه ويسنده ويتمنى له ما يتمناه لنفسه من النجاح حتى أنه يرجو أن يكون معه متابعًا صداقته في الأبدية بعد رحيله عن العالم، ففي القصيدة تتجلى إنسانية الشاعر الشفيقة وصفاء روحه ودعوته إلى القيم العليا والحب وإبرازه للصوت الإنساني لا نداء المنتفعين بل الصادقين! فتحية صادقة إلى سعادة القس جوزيف إيليا، يعيبها ذلك الفكر المتبدد بأحداثنا الأخيرة، فلا تليق برجل هذا مقامه.

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: