في علم المستقبليات علم … نموذج عربي!

بقلم الكاتب الكبير الأستاذ بهجت العبيدي
علم المستقبليات أو الدراسات المستقبلية (بالإنجليزية: Futures studies أو Futurology)‏ هو علم يختص بالمحتمل والممكن والمفضل من المستقبل، بجانب الأشياء ذات الاحتماليات القليلة لكن ذات التأثيرات الكبيرة التي يمكن أن تصاحب حدوثها، حتى مع الأحداث المتوقعة ذات الاحتماليات العالية، مثل انخفاض تكاليف الاتصالات، أو تضخم الإنترنت، أو زيادة نسبة شريحة المعمرين ببلاد معينة، فإنه دائما ما تتواجد احتمالية “لا يقين” (بالإنجليزية: Uncertainty)‏ كبيرة ولا يجب أن يستهان بها. لذلك فإن المفتاح الأساسي لاستشراف المستقبل هو تحديد وتقليص عنصر “لا يقين” لأنه يمثل مخاطرة علمية. وخلال الثمانينات والتسعينات تطور علم دراسات المستقبل، لتشمل مواضيع محددة المحتوى وجدول زمني للعمل ومنهج علمي، يتحدث مع عالم اليوم، الذي يتسم بتغيير متسارع.
ولعله من المناسب هنا أن نعلن أن هذا الحقل من الحقول العلمية قد ظهر في بدايات القرن التاسع عشر الميلادي ولقد ارتبط بأغلب العلوم، تعود نشأته للمفكر الفرنسي “غاستون بيرجيه” الذي يعد الأب الروحي والمؤسس الحقيقي للدراسات المستقبلية، ثم أُطلق على هذه الدراسات فيما بعد (علم المستقبليات) الذي أشرقت شمسه بعد الحربين العالمية الأولى والثانية لتتفادى الدول المتضررة مستقبلاً الأخطاء والكوارث التي نجمت عنهما، وأول من استخدم هذا المصطلح هو المؤرخ الألماني “أوسيب فليختهايم” العام 1943م وجعله فيما بعد عنواناً لكتابه (التاريخ وعلم المستقبل).
هذا العلم، الذي ربما لا نلتفت إليه كثيرا في عالمنا العربي، له أهمية عظيمة فمن خلاله يتم وضع السيناريوهات المحتملة لما يمكن أن يقع في المستقبل تلك السيناريوهات التي لا توضع هكذا عبثا بل من خلال تحليل دقيق لما وقع في الماضي وما يقع في الحاضر، الذي تكون نتيجة له ما يقع في المستقبل، هذا الذي لا يمكن أن يكون شيئا واحدا، ولكنه يمكن أن يكون عدة أشياء، هذا الذي يجب أن يوضع في حسبان القائمين على الأمر، ويعدون العدة له، بحيث يستطيعون استثماره من ناحية، أو التقليل من آثاره إن كان مضرا من ناحية أخرى.
إنه لا يمكن الوصول إلى السيناريوهات الأقرب للحدوث إلا إذا استطعنا أن نقلل بشكل كاف احتمالية “اللايقين” ذلك الذي لن يحدث إلا من خلال العكوف على دراسة دقيقة متأنية للواقع وما يعتمل فيه من عوامل وما يتفاعل فيه من عناصر، مع دراسة واقعية للماضي، تلك الواقعية التي ترفض رفضا كليا التأثر بأي توجه أيديولوجي، أو الوقوع بحال من الأحوال تحت تأثير عاطفي، لا يعود بأي نفع على التصورات المستقبلية، بل سيعيق إعاقة كبيرة وضع السيناريوهات الواقعية المناسبة والتي لن تستقيم بحال من الأحوال إلا إذا تم الاعتماد فيها على المناهج الموضوعية والتحليل العقلي الرصين.
هناك أهمية كبيرة توليها الدول المتقدمة لعلم المستقبليات، فهو ليس رجما بالغيب، ولا ادعاء معرفته، ولا ينطوي تحت ما يمكن أن يطلق عليها العلوم الكاذبة، لأنه يقدم سيناريوهات مبنية على أسس موضوعية، كما ذكرنا آنفا، ولا يقدم تصورا واحدا يزعم زعما مطلقا أنه ما سيقع، ولكنه يقدم ما يمكن أن نسميه الاحتمال الأكبر للحدوث، في ذات الوقت الذي لا يغفل أو يهمل بقية الاحتمالات مهما كانت يمكن أن يكون وقعوها نادر الحدوث.
في العام ١٩٥٧ أنشأ الفيلسوف الفرنسي غاستون بيرغر(Gaston Berger)، المركز الدولي للاستشراف (Centre International de Prospective) بهدف، كما يقول الدكتور أنيس رزوق في مقال له، تشجيع الباحثين للتفكير في الغد بنظرة أكثر تفاؤلاً، والتي تركزت جهوده على عدم الفصل بين الظاهرة الاجتماعية والتطور التكنولوجي والربط بينهما، وأثر كل منها على الأخرى، والتركيز على كيفية إيجاد طرائق بحثية تربط بين التطور التقني والتطور الاجتماعي المستقبلي والذي تجلى بشكل كبير في بعض التقنيات المعروفة مثل تقنية دلفي (Delphi Technique) وهي تقنية تواصل منظّمة، وضعت أصلا باعتبارها طريقة تنبؤ منهجية وتفاعلية تعتمد على لجنة من الخبراء.
أو مصفوفة التأثير المتبادل (Cross Impact Matrix )، هي دراسة أو طريقة في علم الضبط يتم من خلالها محاولة التعرف في الأنظمة ذات المداخل والمخارج المتعددة (أي الأنظمة من نوع ميمو) عن مدى تأثير مدخل معين على مخرج آخر معين. هذا ما أدى إلى تحول واضح في مناهج البحث في الدراسات المستقبلية.
العديد من دول العالم اهتمت اهتماما كبير بعلم المستقبليات بعد اهتمام الغرب به، ولقد جاء الاهتمام العربي به مؤخرا ومتأخرا بعد العديد من المناطق الجغرافية الأخرى. حيث كانت الدول الفرنكوفونية، بحكم ارتباطها بفرنسا مهتمة بهذا النوع من الدراسات في وقت مبكر، كما اهتمت به دول أمريكا الجنوبية، بعد أن كان الاتحاد السوفيتي، سلف الاتحاد الروسي، قد اهتم به اهتماما كبيرا.
يمكننا أن نلحظ اهتمام الحكومات العربية بهذا النوع من العلم في كل من مصر والجزائر والمملكة العربية السعودية، حيث تضع تلك البلدان وغيرها من دول المنطقة الخطط المستقبلية المبنية على دراسة الماضي وفحص وبحث الواقع المعاصر لكي تتلافي الصدمات التي يمكن أن يحملها المستقبل من ناحية، وتضع السيناريوهات الملائمة لظروفها وواقعها من ناحية أخرى.
ولعله من المناسب هنا أن نتعرف على نماذج الدراسات المستقبلية الأربعة بشكل دقيق كما يعرفها هذا العلم:
النموذج البديهي
وهو يعتمد على الخبرة العملية ولكنه يفتقر إلى وجود قاعدة كبيرة من البيانات والمعلومات. ومستمد فقط من رؤية بديهية ناتجة عن خبرة ذاتية. وهو محاولة للتعرف على التفاعلات المستمدة من قضية معينة. إن الحدس في هذه القضية ليس مصدر إلهام لكنه تقدير يعتبره الباحث مناسبا لبعض الحالات المستقبلية المحتملة.
النموذج الاستكشافي
يشير إلى مستقبل ممكن من خلال مثال يوضح العلاقات والتشابكات؛ وهذه العلاقات والتشابكات تقوم على ثلاثية الماضي والحاضر والمستقبل والعلاقة التناغمية القائمة بينهم فمستقبلنا نرسمه في حاضرنا وحاضرنا كان مستقبل ماضينا.
النموذج الاستهدافي أو المعياري
وهو تطوير للنموذج البديهي، ولكنه يستفيد من مختلف التقنيات العلمية المستخدمة.
نموذج التغذية العكسية
يركز هذا النموذج على جميع المتغيرات في إطار موحد يجمع النموذجين السابقين، وذلك على شكل ردود فعل ولهذا فهو يعتمد على التفاعل، على عدم نسيان الماضي وعلى عدم تجاهل الأسباب الموضوعية التي ربما تتدخل لتغيير مسار المستقبل. فهو يجمع، بما فيها البحوث الاستكشافية، البيانات والوقائع والبحث التنظيمي، وإنه يعلق أهمية خاصة على الإبداع والخيال والتقدير. هذا النموذج يمثل خطوة إلى الأمام للبحث المنهجي المستقبلي.
ولا يمكننا ونحن نتحدث عن علم المستقبليات أن نتجاوز العالم العربي المغربي الكبير مهدي المنجرة، والذي يعد أحد أهم علماء هذا العلم في العالم العربي، والذي نحت مصطلح “صدام الحضارات”، وذلك في إحدى محاضراته باليابان، وقدم بعد ذلك أطروحته التي دافع فيها عن دول العالم الثالث كما انتصر فيها للأمم ذات الحضارات العريقة من ناحية وفضحه لادعاءات أصحاب الحضارة الحديثة من ناحية أخرى فقارن المنجرة بين الحضارات القديمة والمتجذرة في عمق التاريخ وبين الغرب المتغطرس صاحب الحضارة الأقل عراقة وتجذرا حيث يقول:
“الغرب متغطرس ثقافيا لأن فضاءه الزمني التاريخي محدود، وحين تذهب الى العراق أو الصين أو إلى أمريكا اللاتينية تجد لديهم ثقافة متجذرة ومتطورة، وفي الولايات المتحدة تجد بالمقابل الأكلات السريعة. إن التقدم العلمي لا يعني آليا امتلاك ثقافة التواصل مع الآخر”.
لقد كان لعالمنا العربي هو السبق في ابتكار ونحت مفهوم “الحرب الحضارية” والذي استعمله الكاتب الأمريكي الشهير صموئيل هنتنغتون باسم “صدام الحضارات”، وهذا باعتراف هنتنغتون نفسه.
إن دراسة المفكر العربي المهدي المنجرة (1933- 2014 ) للماضي بتفاصيله الدقيقة كما يجب أن يفعل عالم المستقبليات وتفحصه العميق وبحثه الدقيق للحاضر جعله يستشرف المستقبل بعين نافذة، فجاء كما تصوره، فلم يكن من قبيل الصدفة أن يتحدث عن حرب الخليج الأولى، التي سماها الحرب الحضارية، قبل وقوعها، أو أن يتنبأ بالربيع العربي منذ 2006 في كتابه «الانتفاضة في زمن الذلقراطية»، كما أنه تنبأ بالأزمات الاقتصادية والمالية التي تعصف بالعالم منذ 2008، من خلال أطروحته « الميغا إمبريالية».

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: