في ذكرى وفاة أديب روسيا العظيم ” ليف نيقولايفيتش تولستوي ” (1828-1910م)

الأستاذ الدكتور محمد نصر الجبالي

تحل في شهر نوفمبر ذكرى وفاة اديب روسيا العظيم ليف تولستوي احد اشهر ادباء و فلاسفة روسيا و العالم. ترك هذا الكاتب ارثا عظيما يزيد عن التسعين مجلدا من المؤلفات الادبية والفلسفية والادب الاجتماعي والمذكرات واليوميات والرسائل وحظي مرات عديدة بالترشيح لجائزة نوبل في الادب وفي السلام.
وُلد تولستوي في عائلة أرستقراطية في عام 1828م في قرية تقع بالقرب من مدينة تول. وتوفيت أمه وهو بعد طفلاً رضيعًا لم يبلغ العامين. وقامت إحدى أقربائهم وتدعى تايانا يرجولسكايا بتربيته وأخواته الأربعة.
وفي عام 1837 انتقلت الأسرة إلى مدينة موسكو. وتوفي أبوه فعاد تولستوي مع إخوته إلى قريته في ياسنايا بوليانا، وعاش فيها حتى عام 1840م. ثم انتقلت الأسرة إلى مدينة كازان، حيث تولت عمتهم رعايتهم، وكانت تدعى براسكوفيا يوشكوفا.
وقد تلقى تولستوي تعليمه الأولي على يد مدرسين أجانب من فرنسا وألمانيا. وعندما انتقل إلى بيت عمته في كازان التحق بجامعة كازان. و في عام 1844م التحق بكلية الاستتشراق جامعة كازان بقسم اللغات العربية و التركية. و قد اجتاز تولستوي اختبارات القبول بنجاح، غير أنه واجه صعوبات أثناء دراسته للغات الشرقية، و اتخذ قرارًا بالانتقال إلى كلية أخرى و هي الحقوق.
و في الحادي عشر من مارس 1847م مرض تولستوي و مكث في مستشفى كازان لفترة، و في تلك الفترة كتب يومياته التى وصف فيها حياته و الأحداث التى مرت به، و قد استمر في كتابة يومياته حتى وفاته. و في عام 1847م ترك الدراسة بالجامعة و توجه إلى ضيعة ياسنايا بوليانا و التى آلت إليه ملكيتها بعد وفاة أبيه. و خلال إقامته في ضيعته سعى تولستوي لإقامة علاقة جيدة مع الفلاحين حتى إنه قام بافتتاح مدرسة لأطفالهم، و كان يقوم بالتدريس فيها أحيانًا.
و في يومياته يصف تولستوي الأهداف التى وضعها نصب عينيه في شبابه. و كان منها -على سبيل- المثال تعلم اللغة الإنجليزية و الموسيقى و التشريع.
و في أكتوبر 1848م سافر تولستوي إلى موسكو بهدف دراسة الدكتوراه. غير أنه لم يبدأ الدراسة، حيث شغل و شغف بحضور فعاليات النخبة المثقفة و العلمانية في موسكو، و هناك وقع فريسة للعب القمار، و خسر الكثير من ماله.
و في فبراير 1849م سافر تولستوي إلى بطرسبورج و هناك اجتاز بنجاح امتحانات القبول لدرجة الدكتوراه في كلية الحقوق إلا أنه فشل في اجتياز الامتحان الثالث و الأخير فعاد مرة أخرى إلى ضيعته.
و في تلك الفترة شغف تولستوي بالموسيقى و كان يجيد اللعب على البيانو. و كان عاشقًا لكبار الموسيقيين مثل باخ و شوبين. و منذ عام 1849م حضر إلى قرية ياسنايا بوليانا موسيقي يدعى رودولف فكان يقضي أوقاتًا كثيرة بصحبته في العزف حتى إنهما كانا يعزفان سويًّا بأيديهم الأربعة.
و في عام 1852 نشر في مجلة “المعاصر” كتابه “الطفولة” و كان وقتها كاتبًا غير معروف فوقع بالحروف الأولى فقط من اسمه. و تعد قصة “الطفولة” بمثابة سيرة ذاتية للكاتب، حيث يصف فيها معاناته النفسية أثناء سنوات الطفولة و المشكلات التى واجهها و الحب الأول. و قد لقيت القصة نجاحًا كبيرًا بين القراء في روسيا، و كتب النقاد الروس حينها أن تولستوي يمتلك مهارة التعبير عن أعماق النفس الإنسانية و تحليلها بدقة، و يطرح أفكارًا فلسفية مهمة و ووضعوه في مصاف كبار الكتَّاب الواقعيين في تلك الفترة.
و في عام 1854م نشر تولستوي في نفس المجلة “المعاصر” قصته الثانية بعنوان “الصبا” و التى تعد استكمالاً لقصته الأولى. و هنا يصف الكاتب حياته في سن المراهقة و الأحداث في روسيا في نهاية القرن التاسع عشر.
و في أثناء الخدمة العسكرية شارك تولستوي في معارك شرسة في القوقاز و كذا في حرب القرم. و من أشهر المعارك التى خاضها كانت موقعة الدفاع عن مدينة سيفاستوبول بالقرم.
وفي عام 1855م انتهى تولستوي من كتابة ثلاث قصص قصيرة عن الحرب و أطلق عليها اسم “قصص سيفاستوبول”. و نشرت جميعها في مجلة “المعاصر” و قد أعجب بها الإمبراطور الكسندر الثاني حينها كثيرًا ،و تم منح تولستوي العديد من الأوسمة و الجوائز نظير اشتراكه في القتال و مؤلفاته تلك.
و في 1856م استقال تولستوي نهائيًّا من الخدمة العسكرية، و انتقل إلى سان بطرسبورج و شهد هذا العام صدور قصته “العاصفة الثلجية”. و في عام 1857م نشر تولستوي الجزء الأخير من سيرته الذاتية و التى ضمت في جزئيها الأول و الثاني قصتي “الطفولة” و “الصبا”. و أطلق على الجزء الثالث عنوان “الشباب” و فيه يتناول الكاتب مرحلة الجامعة و علاقة البطل بأصدقائه و نظرته للعالم.
و في عام 1857م قرر تولستوي السفر من بطرسبورج في رحلة إلى أوربا زار فيها فرنسا و ألمانيا و سويسرا و إيطاليا و إنجلترا. و قد تركت هذه الرحلة أثرًا سيئًا في نفسه، حيث أصيب الكاتب باليأس و الإحباط مما شاهده من قيم ثقافية في الغرب. و قد صور ذلك في قصته القصيرة “لوسرن”.
و في عام 1859م أصدر تولستوي قصته “الوفيات الثلاثة” و روايته “السعادة الأسرية”.
و في 1862م سافر تولستوي إلى قرية تسمى كاراليك و تقع بالقرب من مدينة سامار اروسية و كان أغلبها من الشعب البشكيري، و قد أراد تولستوي أن يعالج هناك بحليب الخيول و التى يطلق عليه البشكيريون “كوميس”. و أقام هناك في كهف بشكيري بسيط يسمى “يورطا”. و قد أعجب الكاتب كثيرًا بهذا المكان حتى إنه اشترى ضيعة هناك و كثيرًا ما كان يسافر إليها.
ثم واصل تولستوي بعد عودته إلى قريته ياسنايا بوليانا التدريس لأطفال الفلاحين و استكمال بناء المدرسة الخاصة بهم و تطويرها. و قد أرسى الكاتب نوعًا جديدًا من العلاقة بين المدرسين و نظامًا جديدًا للحياة بين التلاميذ. فلم يكن هناك نظام صارم للتدريس أو مقررات ثابتة بل كان كل تلميذ يمتلك مساحة كبيرة من الحرية. و كان الشرط الوحيد هو أن تكون العلاقة بين المدرس و التلميذ مثالية و كانت مهمة المدرس الأساسية ان يجذب اهتمام التلميذ و ينمي فيه حب المعرفة. و في 1862م بدا تولستوي في إصدار مجلة تربوية بعنوان “ياسنويا بوليانا”.
و في عام 1862 تزوج تولستوي من فتاة قروية تدعى صوفيا اندريفنا بيرس أنجبت له ثلاثة عشر طفلاً إلا أن خمسة منهم ماتوا في سن صغير. و في عام 1863م صدرت قصة تولستوي “القوزاق” و التى يصف فيها حياة هذا الشعب في القوقاز. و قد كتبه من وحي تجربته الشخصية و السنوات التى عاشها هناك أثناء خدمته العسكرية.
و خلال السنوات الست من 1863-1869م عمل تولستوي على كتابة ملحمته الشهيرة “الحرب و السلام” و التى نالت نجاحًا و شهرة واسعة بين القراء و أهدت كاتبها شهرة عالمية. و يصف الكاتب في الرواية أحداث الحرب بين روسيا و جيش نابليون. و تعد الرواية عملاً نادرًا في الأدب الروسي عكس كل جوانب الحياة و كل طبقات المجتمع الروسي من الأرستقراطيين و حتى الجنود و الفلاحين البسطاء. و يولي الكاتب اهتمامًا خاصًًّا فيها بموضوع الوطنية الحقيقية و الحب الحقيقي للوطن.
و في الفترة من 1873-1877 انشغل تولستوي في كتابة رائعته “انا كارينينا” و التى نالت بدورها شهرة عالمية واسعة. و يتناول فيها الكاتب موضوع الحياة العائلية و مكانة و وضع المرأة في الأسرة و المجتمع.
و قد أحب تولستوي الفلكلور الروسي كثيرًا و الحكايات و الأساطير و الأغاني الشعبية الروسية؛ و لذا نجد الكثير من مؤلفاته تزدني بموتيفات الإبداع الشعبي الروسي. و منها على سبيل المثال قصصه ” بم يحيى الناس؟” (1881) و ” العجوزان” (1885م) و ” الأخوات الثلاثه” ( 1885م) و “الصلاة” (1905م) و “العجوز في الكنيسة” (1907م)
و في السنوات الأخيرة من مشواره الإبداعي اتجه تولستوي إلى موضوع الفلسفة الدينية و طرح رؤيته و تصوراته الفلسفية و ما خلص إليه من نتائج من خيراته الحياتية في كتابه “الاعترافات” و الذى هو سيرة ذاتية للكاتب. و صدر في عام 1884م. كما تناول في العقيدة المسيحية و رؤيته حولها في كتبه “الشيطان ط (1911م) و “البعث” (1899). و قد تعرض تولستوي بالنقد في روايته “البعث” لبعض الطقوس التى تمارس في الكنيسة الروسية الأرثوذكسية. و كان ذلك سببًا في أن تقوم الكنيسة في عام 1901م بطرده أي عدم الاعتراف به كمسيحي. و بعد تفكير عميق في معنى الحياة و أصلها قرر نهائيًّا العودة إلى قواعد الدين المسيحي. حتى إنه امتنع تمامًا عن أكل اللحوم و أصبح يرتدي ثيابًا بسيطة و رخيصة تمامًا و أصبح يعيش كإنسان بسيط فقير.
و في عام 1900م كتب تولستوي مسرحيته ” الجثة الحية” و التى نشرت بعد وفاته. و في عام 1912م صدرت له قصة “الحاج مراد” و التى تصف فيها أحداث الحرب التى خاضها الإمام شامل في القوقاز.
و في عام 1910م اتخذ تولستوي قرارًا بالانعزال عن أسرته و غادر سرًّا ضيعته في قرية ياسنويا بوليانا. و توجه في رحلة إلى المدن الروسية، و في أثناء سفره داهمه المرض بشدة و توفي في السابع من نوفمبر عام 1910 في محطة السكك الحديدية بالقرب من مدينة ريزان. و دفن تولستوي في ضيعته، و شارك الآلاف في جنازته.

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: