في الأدب واللغـــة (٢)  

عرض وتقديم: حاتم السيد مصيلحي
 القسم الثاني:( أحاديث في اللغة)
“اللغة في حياتنــا، وأول أسباب ضعف مستواها”
ذا كان من الجائز في أية لغة أن تخضع للتغيير والتبديل، أو أن تقبل التساهل والترخص، فإن لغتنا لا يمكن أن تخضع لشيء من ذلك أو تقبله، وذلك لارتباطها بكتابنا المقدس، الذي شرفت تلك اللغة بنزوله بها، وكتابته وروايته بأحرفها وكلماتها، وصياغته بطرائق تركيبها ودلالة ألفاظها وقواعد إعرابها، فأي تغيير أو تبديل في لغتنا إنما يمس مقدساتنا، وأي تساهل أو ترخص في تلك اللغة، يقطع الصلة بيننا وبين المصدر الرئيسي لديننا وتراثنا، وأي إهمال في عربيتنا يبت الأسباب بيننا وبين إخواننا وأشقائنا، ويحول بين وحدتنا التي هي أهم أسباب قوتنا واستمرارنا.
يرى المؤلف أن أسباب الضعف اللغوي تبدأ من مرحلة التعليم الأولى، وتستمر في مراحل التعليم العام، وتتضاعف في مرحلة التعليم العالي، ففي المرحلة المبكرة من التعليم تهمل أساسيات تعليم اللغة، التي يجب أن تبدأ بتعويد النشء نطق الأصوات اللغوية ـ التي ترمز لها الحروف ـ نطقا سليما، كما يهمل تعليم المبتدئين علامات المد والتشديد والتسكين والوصل، وما إلى ذلك من رموز تعين على ضبط النطق وسلامة الكتابة،( وقد أخذ واضعو المناهج بذلك في تحديثهم للمناهج التعليمية فعلا..).
ويصف لنا بعين العالم الحاذق، الهدف الأساسي من عملية التعليم اللغوية وحصرها في تكوين ( الملكة)، وأن أمورا كثيرة تبعد بالعملية التعليمية عن هذا الهدف، فأولا: تزدحم المناهج بقواعد النحو والصرف، ومصطلحات البلاغة والنقد، التي تستغرق جل الوقت المتاح للعملية التعليمية، وتزحم الساعات المقررة للدروس، وترهق المعلمين والمتعلمين، دون أن تصل إلى الهدف الأساسي، وهو تكوين الملكة اللغوية.
وثانيا: لا يفرد لدروس الاستماع والقراءة والكتابة والتعبير وقت يسهم ـ ولو بقدر معقول ـ في تكوين الملكة، بينما كان يجب أن يكون أهم الأوقات وأفسحها لهذه الجوانب الأساسية في تكوين تلك الملكة.. وبالإضافة إلى زحمة المناهج بالقواعد، وإهمال دروس الاستماع والقراءة والكتابة والتعبير، تأتي مسألة ثالثة، تعد من أهم السلبيات في العملية التعليمية المتصلة بلغتنا العربية، وهي تحميل درس اللغة العربية بمقررات بعيدة إلى حد كبير عنه، ومن ذلك تقرير كتب أو مؤلفات على متعلمي اللغة العربية، لا تمت إلى الدرس اللغوي بسبب قوي، فهي قد تكون نافعة في ميدان السياسة أو في حقل الاقتصاد، أو متصلة بالحضارة أو شئون العمران، وقد تكون أوثق صلة بالفلسفة أو التاريخ أو النقد، ولكنها على أية حال ليست ذات صلة قوية بتعليم اللغة وتكوين ملكتها ومنح المتعلمين القدرة على إجادتها.. والواجب أن يختار كتاب القراءة لكل مرحلة لكاتب كبير، على أن يكون من كتبه الإبداعية ذات التعبير الجميل، والسمة الأسلوبية التي تساعد التلاميذ على تكوين ملكتهم اللغوية.
” اللغة.. وأهم وسائل تكوين ملكتها “:
يقرر المؤلف قاعدة مسلم بصحتها ألا وهي:” أن اللغة تتعلم أساسا بالممارسة، وأن اللغة في الأصل ملكة سماعية ” ثم يحاول أن يجد حلا يصحح به المسار اللغوي، ويصلح المنهج، ويجعل عملية تعليم العربية في مراحل التعليم المختلفة بمدارسنا عملية مجدية.
فبعد العناية بتعليم المبتدئين رموز الأصوات اللغوية، التي تمثلها الحروف الأبجدية، وبعد تدريبهم في المراحل الأولى على نطق الأصوات اللغوية، واستعمال رموزها الفرعية، التي ترمز إلى المد الطويل والقصير، والتسكين والتشديد والوصل وما إلى ذلك، وبعد تعويدهم ـ في تلك المرحلة أيضا ـ تكوين كلمات من تلك الحروف والرموز، ثم جمل من تلك الكلمات، ثم فقر من تلك الجمل، ثم موضوعات بسيطة من تلك الفقر..
بعد ذلك تأتي المرحلة التالية، وهي التي نسميها المرحلة الإعدادية، وفيها يجب أن تستمر عملية القراءة، والكتابة والسماع، مضافا إليه التعبير الشفوي، على أن يكون ذلك كله مقدما للتلاميذ الأنماط اللغوية المناسبة، والنماذج العربية المثلى، التي تمكنهم من اختذائها والنسج على منوالها، مع التركيز على تقديم الكلمات نفسها مضبوطة البنية، دون اكتفاء بالحرف الأخير الذي يتضح عليه الإعراب، فاللغة العربية الصحيحة ليست مجرد أواخر كلمات مضبوطة، وإنما هي كلمات مضبوطة الحروف جميعا، وجمل مضبوطة التركيب كذلك، ثم فقر مرتبة الجمل حسنة التركيب أيضا، ويؤكد على أن قواعد النحو مطلوبة بالضرورة، ولكنها غير كافية لضبط اللغة.. وأهم ما يجب العناية بالاستفادة منه في التعليم اللغوي القرآن الكريم، فهو بلا شك أرقى نص احتوته اللغة العربية، وأسمى نسق في التعبير اللغوي العربي.
” اللغة.. ووجوب الملاءمة في تعليمها “:
يعود المؤلف ويقرر أن القواعد وحدها لا تعلم اللغة، وإنما الذي يعلمها بحق هو السماع والممارسة وذلك عن طريق النصوص، ويزيد الأمر وضوحا بقوله: إن القواعد المطلوبة لسلامة الحديث، والقراءة والكتابة، لا تتجاوز أصابع اليدين بكثير، ومن هنا ينبغي اختيار القواعد الضرورية التي تساعد فعلا على سلامة اللسان والقلم، ثم يكتفى بهذه القواعد الضرورية العملية في مرحلتي التعليم الإعدادي والثانوي، دون دخول في متاهات بقية أبواب النحو والصرف.
وينبه إلى أمر يتعلق بالمرحلة الثانوية، يرى فيه أن الأفضل لتلاميذ هذه المرحلة أن نقدم أدبنا العربي إليهم بالطريقة الملائمة لمستواهم وسنهم أولا، وبما يجتذبهم إلى اللغة ويحببهم فيها ثانيا، وهذا يقتضي أن تقدم العصور الأدبية للتلاميذ لا بترتيبها التاريخي بدءا بالعصر الجاهلي وانتهاء بالعصر الحديث، وإنما بالترتيب الملائم لمراحل نمو التلاميذ ومحصولهم اللغوي، واستعدادهم العقلي، أي بدءا بالعصر الحديث وانتهاء بالعصر الجاهلي، وذلك لأنه من غير المعقول أن نواجه تلميذا صبيا قد انتقل إلى السنة الأولى الثانوية، بنصوص لشعراء وناثرين جاهليين بكل ما تحمل من غريب الألفاظ، وبعيد المعاني، وعويص التراكيب، وبدوي الصور.. إن ذلك يصدم التلميذ وينفره، ويطبعه على استثقال اللغة واستغراب أدبها، وعدم الحب لها أو الرغبة في التعامل بها، لذا يجب حين نبدأ مع هذا التلميذ أن نقدم إليه صفحات مختارة من نتاج أدبائنا الأعلام المعاصرين.. ثم نتدرج مع التلميذ في السنوات التالية صعودا إلى العصور السابقة، مع صعود التلميذ في مدارج الفكر والعقل والقدرة اللغوية.
ويؤكد المؤلف أن العملية التعليمية للغة العربية في مراحل ما قبل التعليم الجامعي يجب أن تتجه أساسا إلى تحقيق غاية بعينها ألا وهي تكوين (الملكة اللغوية) لدى التلاميذ في هذه المراحل.
” اللغة.. وأول سلبيات إعداد معلميها “:
يرى المؤلف أن المعلم هو الأساس في العملية التعليمية، فبقدر حظه من حسن الإعداد وصحة الأداء، يكون حظ تلاميذه من حسن التعلم وصحة التكوين، فطالما كان مستوى المعلمين دون المطلوب، لا يمكن إصلاح تعليمي، مهما أحدثنا من تطوير، ومهما اتسع هذا التطوير ليمس المنهاج والكتاب والمدرسة جميعا، فالأساس هو المعلم، ولا يغني عن الاهتمام به الاهتمام بأي شيء آخر.
وظاهرة ضعف المستوى بين كثيرين ممن يقومون بتدريس اللغة العربية الآن، يرجع إلى أسباب عدة:
أهمها أن أكثر من يلتحقون بالكليات والأقسام التي تعد المتخصص في اللغة العربية وآدابها، يذهبون إليها دون استعداد كاف لهذا التخصص، فأكثرهم من أصحاب المجموع المتواضع في الثانوية العامة، وهؤلاء يلجأون إلى تلك الأقسام مضطرين، حيث لم يجدوا فرصا في كليات أخرى قد تكون ميولهم أكثر إليها، ونفوسهم أشد تعلقا بها.
ويقترح حلا في أن تقوم وزارة التعليم بإعداد أعداد كافية من الطلاب ليكونوا المدد الأساسي للكليات المتخصصة في اللغة العربية وآدابها، ويكون ذلك بأحد أمرين:
الأول ـ وهو الأفضل ـ إنشاء مدارس ثانوية للغة القومية، وهذه المدارس نوع من المدارس النوعية، التي تسلم بعد المرحلة الثانوية إلى لون معين من التخصص، كما يحدث في المدارس العسكرية الثانوية.. وأن تقدم الحوافز المغرية لهؤلاء التلاميذ.
أما الأمر الثاني الذي يمكن أن يكون حلا للأزمة ـ وإن كان دون الحل الأول ـ فهو أن تنشيء وزارة التعليم شعبة في الثانوية العامة تسميها ( شعبة اللغة القومية) تضاف إلى الشعبة العلمية والشعبة الأدبية، على أن يزاد منهاج اللغة العربية وأدبها في تلك الشعبة الخاصة.
إن الأخذ بأحد الأمرين أو كليهما سوف يوفر مددا طيبا لكل الكليات والأقسام التي تقوم على إعداد متخصصين في العربية وآدابها.
“اللغة،وتصحيح إعداد من يتخرجون في معاهدها”:
استكمالا لما تقدم يرى المؤلف أن الدراسة في الكليات والأقسام القائمة على إعداد متخصصين في اللغة العربية وأدبها تحتاج إلى وقفة، وذلك لأن مناهج هذه الكليات والأقسام، وطريقة الإعداد فيها تحتاج إلى تنقية وتصفية وإعادة نظر، فبعض هذه الكليات والأقسام يطغى فيها ماهو ثانوي تكميلي، على ماهو أساسي أصلي، بعضها يترك الجوهر ويعني بالعرض، بعضها يخلط بين عملية البحث العلمي وعملية التعليم الجامعي.
ويقدم مثالا للخلط بين البحث الأكاديمي والواجب التعليمي بقوله: إن رسالة الجامعة تقوم على دعامتين أساسيتين:
الأولى: البحث الأكاديمي، وشأنه أن يقوم على الفرض والاحتمال والتجربة والاستنتاج، وأن يطرح آراء عديدة وأفكارا نظرية شخصية، وأكثر تلك الآراء الأفكار يحتاج إلى وقت لكي يصفي ويستقر ويأخذ شكل الحقائق العلمية المقررة.
والثانية: الواجب التعليمي: وشأنه تععمد إيصال تلك الحقائق المصفاة المستقرة إلى الطلاب.
فإذا خلط من يعلم في الجامعة وفرض على طلابه آراء لم تثبت وأفكارا شخصية لم تستقر ولم تأخذ وضع الحقائق العلمية المقررة، فإنه يكون قد خلط بين الجانب البحثي الأكاديمي، والجانب التعليمي الجامعي.
” اللغة، ووقفة مراجعة لمناهج كلياتها وأقسامها “
ويكشف المؤلف عن كواليس مايجري في أقسام اللغة العربية في الجامعة، مايحيد عن المقصد الأساسي في تعلمها حيث استحدثت دراسات مالبثت أن جارت على اللغة والأدب، وأوشكت أن تشغل بعض الأساتذة والطلاب عن الواجب الأول الذي أنشئت من أجله هذه الكليات والأقسام، كدراسة الأدب الشعبي، ودراسة (الفلكلور) بمعناه الواسع الذي يشمل كل المأثورات الشعبية، إن تلك الدراسة مفيدة وضرورية، لكنها ليست مهمة من نريدهم أن يتقنوا علوم العربية وفنون آدابها ليكونوا حراسها وحماتها وسدنتها والقائمين على تعليمها، لذا يجب أن تعد تلك الدراسة على أنها من المكملات لا من الأساسيات.. كذلك استحدثت بعض أقسام اللغة العربية دراسات مسرحية، تتصل بالدراما ونشأتها وتطورها وأسسها وفنونها وقواعدها، ولاشك أن كل هذا مفيد، ولكنه ليس ضروريا لطلاب التحقوا بكلية ما ليتخصصوا في اللغة العربية وآدابها، إلا إذا كانت نصا أدبيا، كالذي خلفه شعرا أحمد شوقي، أو كالذي أبدعه نثرا توفيق الحكيم.
وهكذا يتخرج كثير من الطلاب وقد عرفوا أشياء عن الفرق بين اللغة واللهجة، وأشياء عن تشريح مخارج الأصوات وطبيعة كل صوت وذبذباته، لكنهم يخطئون في ضبط بنية كلمة بسيطة، ولايميزون بين فاعل حقه الرفع ومفعول حقه النصب.. يتخرج هؤلاء الطلاب وقد عرفوا شيئا عن الرومانتيكية، والرمزية والواقعية ولكنهم لايستطيعون أن يقرأوا قصيدة للمتنبي قراءة صحيحة، بل لا يقدرون على التمييز بين بيت شعر موزون وآخر مكسور…
ومن ثم يحتاج الأمر إلى إعادة النظر في مناهج الكليات والأقسام التي تعد المتخصصين في العربية وأدبها.
وفي الختام يوجه المؤلف إلى ضرورة عمل إصلاح شامل لعملية تعليم العربية في كل مراحل التعليم، ولا يصح أن نغفل هذا الإصلاح الشامل مكتفين بعملية ( الترقيع) التي لا تسمن ولا تغني من جوع، ويقصد بذلك مايحدث من وقت لآخر من تغيير للكتب في المرحلة قبل الجامعية، ومن إضافة مواد جديدة للدارسين في المرحلة الجامعية، دون أن نتأكد من أنهم يستطيعون استخدام تلك اللغة القومية استخداما صحيحا في التعبير أو الكتابة أو القراءة.

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: