في الأدب واللغة (١ـ ٢) تأليف: أ. د. أحمد هيكل ط. الهيئة المصرية للكتاب ١٩٩٨

عرض وتقديم: حاتم السيد مصيلحي

في البدء يضع المؤلف تعريفا متصورا للأدب على غير مفهوم عامة المثقفين له، وبعيدا عن تعريف المتحاملين على الأدب من المتشدقين المتحذلقين، فيرى أنه: تعبير جميل بالكلمات عن تجربة صادقة، قادرة على التجاوز إلى الآخرين سواء أكانت ذاتية أم اجتماعية أم وطنية أم قومية.. لأن من خصائصها أن تأخذ صفة العموم حتى ولو كان مصدرها الخصوص، ومقياس نجاح هذا العموم أن يتعاطف الآخرون مع صاحبها، وأن يشاركوه عاطفته، فإذا ظلت التجربة عند حدود صاحبها، ولم تستطع أن تستقطب الآخرين، فهي ـ في الحق ـ ليست تجربة أدبية، وإنما هي شعور خاص للأديب، أو مناسبة عارضة، لم تصل بعد إلى حد أن تكون تجربة.
ومن ثم يتضح الفرق بين أدب التجارب، وأدب المناسبات.
الأدب والمتلقي:
ويتحول المؤلف إلى أداة الأدب وهي (الكلمة) التي لها دلالة تفهم بالإضافة إلى ذات المعنى، وبهذا تكون للكلمة ـ التي هي آداة الأدب ـ دلالة أصلية، وهي مايفهم منها أولا، ودلالة فرعية، هي ماقد توحي به أو ترمز إليه أو تلقي ظله على النفس، على غير ما للفنون الجميلة الأخرى، فالنغمة في الموسيقى، والخط واللون في الرسم، والحركة في الرقص، ليس لشيء منها تلك الدلالة التي للكلمة.. ومن هنا كان الأدب أكثر الفنون الجميلة مراعاة للمتلقي واهتماما به واحتشادا له.
ويرى أنه لايصح فنيا أن يتسم العمل الأدبي بالإبهام والانغلاق والإلغاز تحت أي دعوى أو أي شعار، مع أنه يقر حقيقة أن التعبير الفني المباشر تعبير أقل جودة من التعبير غير المباشر، وأن قدرا من الغموض الفني ـ الذي يحول دون المباشرة ـ مطلوب في العمل الأدبي دون أن يتطرف إلى الإبهام والإلغاز والتعمية، فيأتي العمل الأدبي ـ على حد قوله ـ أخرس لا ينطق بشيء، ولا يوحي بشيء.. حتى يصفها بـ ( طرطشات انفعالية).
إن عملية الإبداع الأدبي عملية لا يستقل بها الأديب المبدع بحال، إذ لابد فيها من مراعاة المتلقي ووضعه في الحسبان، مادام العمل الأدبي سيقدم لهذا المتلقي بلغته، ومن ثم فالمتلقي هو الطرف الثاني أو الشريك في عملية الإبداع الأدبي، ولكي تنجح هذه الشراكة لابد أن يراعي المبدع ساعة إنتاجه هذا المتلقي، ويعمل على أن يفهمه وينقل إليه تجربته.
الأدب والتجديد:
ويرى أن الأدب مثل كل كائن حي، لايمكن أن يعيش إلا بالتطور والتجديد؛ لأنه إذا ظل على صورته أصيب بالتوقف والتجمد.
فحين انفتح وجدان أدبنا العربي على الفكر الإسلامي في صدر الإسلام، أصبحت لغته أكثر سماحة، وأنصع فصاحة، وصارت روحه أدنى إلى الإنسانية، وأقرب إلى المدنية، فحلت قيم السلام والوئام، محل قيم الصراع والخصام.. وبعد أن اتسعت رقعة الأمة العربية، وأتيح لها أن تتفتح على حضارات وثقافات أخرى، دخل الأدب العربي مرحلة جديدة من مراحل تطوره وتجدده، فأخذ من فلسفة اليونان، وحكمة الهند، وفكر الفرس، وعرف أشكالا من التعبير وفنونا من التصوير، لم يكن ليعرفها لولا هذا الانفتاح للتطور والإقبال على التجديد، حتى وصل الأمر به إلى إبداع ألوان من الفن القولي لم تعرف في الشرق، وهو نتاج أندلسي خالص، ومن تلك الألوان مثلا، الموشحات في الشعر، والقصص الأخروي في النثر، كالتوابع والزوابع لأبي عامر بن شهيد… وعلى العكس من ذلك نرى أدبنا العربي قد تخلف وتجمد حين تخلف وتجمد، وانغلق وتقوقع في عهود سيطرة المماليك والأتراك، عل أنه عاد إلى الارتقاء والحياة والازدهار، حين تفتح من جديد واستجاب للتطور والتجديد في العصر الحديث.
وينبه إلى ضرورة أن نعي أن التجديد لا يعني أن نستبدل دما بدم، ولا نفرغ أنفسنا من حقيقتنا لنقحم في كياننا حقيقة أخرى، وأنه نأخذ عن الغير أنفع ما عنده إنما نأخذه لنضيف إلى ما عندنا، لا نلغي ماعندنا، نأخذه لنجمل ملامح أدبنا بالتوليد الخصب، والمزاوجة المثمرة، لا لنمسخ تلك الملامح بالخلط العقيم أو الترقيع المشوه، والسبيل إلى ذلك، هو معرفة تراثنا والارتباط به والإفادة منه والبناء عليه والإضافة إليه، ولكن دون التكبل به والعبودية له، كل ذلك على التوازي مع التطور والتجديد، بالتعرف على ماعند الآخرين والانتقاء منه والتطعيم به دون التغرب به والفناء فيه.
الأدب والتاريخ:
يرى المؤلف أن ارتباط الأدب بالتاريخ له صور شتى، نلمحها فيما تم إنجازه من أعمال أدبية ناجحة قد ارتبطت بالتاريخ، تظهر في كتابة التاريخ في قالب أدبي، كأن يعرض في شكل رواية تاريخية تقدم التاريخ الحقيقي، لا في صورة سرد وعرض للأحداث، وإنما في شكل قصصي فيه حكاية وأبطال، وفيه بناء روائي فيه عناصر التشويق والتعقيد والحل.. ويهدف إلى جعل مادته جذابة شائقة، بعيدة عن جفاف العلم، قريبة من شفافية الفن، مثل: كتاب (على هامش السيرة) للدكتور طه حسين، وروايات جورجي زيدان.
وقد يستخدم التاريخ كمادة لإثراء العمل الأدبي وتضمينه طاقات فعالة، وإعطائه أبعادا أكثر عمقا وأشد تأثيرا، مثل مسرحية ( السلطان الحائر) لتوفيق الحكيم.
والصورة الثالثة، هي وسط بين الصورتين السابقتين، أو أنها تجمع بين الصورتين السابقتين بمعنى، تقديم التاريخ والرأي معا في شكل من أشكال الأدب، له أسسه الفنية وقواعده المقررة، ومن أوضح الأمثلة على ذلك، مسرحية ( مصرع كليو باترا) للشاعر الكبير أحمد شوقي.
والصورة الرابعة، صورة استحضار بعض الشخصيات أو الأماكن والأحداث، وتوظيف هذا المستحضر توظيفا أدبيا؛ ليقول الأديب المبدع شيئا جديدا تماما، ومعاصرا تماما، فيكون استحضار هذا العنصر التاريخي رمزا أو تلميحا أو تذكيرا، يكتسب العمل الأدبي باستحضاره قوة، كقوة الدليل والشاهد، ومن أنضج نماذج هذا اللون،( البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) للشاعر أمل دنقل.
ويؤكد المؤلف على أن ارتباط الأدب بالتاريخ في أية صورة من الصور لا يسمح بتغيير الحقائق الثابتة في هذا التاريخ.
الأدب والتراث:
يرى المؤلف التراث منجما فيه جوهر ومجمع سماتنا وحقيقتنا، لذا كان استيعاب التراث الأدبي ضرورة فنية؛ لإنتاج أدب أصيل، و”الأصالة ” احدى دعامتين أساسيتين يقوم عليها أدب عظيم، أما الدعامة الثانية، فهي ” المعاصرة “، إذ لابد لكل أدب ـ حي صادق جيد ـ من أن يمثل حلقة قوية من سلسلة متينة متصلة، تبدأ من ماضي هذا الأدب، وتمتد إلى حاضره، لتسلم إلى مستقبله.
ويرى أنه من غير المتصور أن ينبت أي أديب عن ماضي أمته، ويقطع صلته بجذور شعبه، وينتج كلاما لا شيء فيه من قيم الآباء، أو مثل الأجداد، ولا روح فيه من عبق تلك الحضارة العربية العريقة؛ لأن أصالة الفرد امتداد لأصالة شعبه، فلا أصالة فردية مالم توجد أصالة كلية، ولا أصالة ذاتية بدون أصالة قومية.
ومن هذا المنطلق وجه المؤلف إلى ضرورة العناية بالتراث جمعا، وتحقيقا، ونشرا، ودراسة، وانتقاء، وبثا، واستيعابا، واستلهاما… وأوجب على الأجهزة الرسمية الثقافية في بلداننا العربية أن تتبنى خطة علمية لجمع هذا التراث، وإنقاذ ما هو مهدد منه بالضياع، مهما تكلف هذا الإنقاذ من جهود ونفقات.
الأدب والتنمية:
ارتبط الأدب منذ نشأته ـ كفن ـ بترقية الإنسان، والإسهام في تخليصه ما أمكن مما يربطه بعالم الحيوان، أو في أقل تقدير عمل الأدب منذ ميلاده البعيد على السمو بالغرائز الدنيا، والاقتراب بالبشر من المثل العليا، وبالتالي ارتبطت كلمة أدب ـ في معناها القديم ـ بالأخلاق الفاضلة، حتى أصبحت الكلمة تعني الخلق الكريم، وهو بطبيعة الحال أقدم من المعنى الفني الذي يعني فن القول، أو التعبير الجميل بالكلمات، فقد تطور المعنى الثاني عن المعنى الأول أو تفرع منه، وذلك أن اللغويين والرواة، كانوا يقومون في عصور الإسلام الأولى بتثقيف النشء وتعليمهم حميد الصفات، وكريم الأخلاق، ولذا سموا بالمؤدبين، وكانت لكلمة الأدب في لغتنا الجميلة الثرية معنيان: الأول: الخلق الكريم، والثاني: القول الجميل.
ويرى المؤلف أن من أهم القيم التي يقوم عليها الأدب: جمال التعبير دون تصنع، ودقة التصوير دون تنطع، وصدق الشعور دون مغالاة.
ولا يليق بالأدباء أن يتخلفوا عن دورهم في التنمية، حتى لا يفقدوا رسالتهم التاريخية بل حقيقتهم الجوهرية، وحتى لا يكون أدبهم صرخة في واد، أو نفخة في رماد.
الأدب، وإعادة بنـاء الإنسـان:
أرجع المؤلف أسباب نشاط الأدب وازدهاره إلى احتياجات الإنسان، والرغبة في بنائه، فهو في حاجة دائمة لارتواء روحه وأشواقه النفسية، وضروراته المعنوية التي لا تغني عن سدها الأمور المادية، فليس بالخبز وحده يعيش الإنسان، وليس بالعلم وحده ينهض أي إنسان، وإنما يكون عيشه الكريم ونهوضه الراقي بتلبية احتياجات الروح، وإرضاء أشواق النفس، وتصحيح مسار العقل، وذلك يأتي عن طريق الثقافة والفن، والأدب أهم روافد الثقافة.

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: