فايز أبو جيش يكتب : دولة الشعر

دولة الشعر

فايز أبو جيش

 

قالوا أميرُ الشِّعْرِ منَّا من تُرَى

أولى بِحَمْلِ لوائِهِ إلَّانَا

فجميعُ مَن نظَمَ القصيدةَ دونَهُ

فهو الأميرُ فصاحةً ولسانا

وهو الأميرُ ومَنْ سِواهُ مُتَوَّجٌ

كُلُّ القَصائِدِ بَعْدَهُ بُهْتانا

قُلْتُ المَعَرِّي أَوْسُنَا وَنِزَارُنَا

وَأَبُو فُرَاتٍ رَدَّدُوا وُلدَانَا

قُلْتُ ابْنَ بُرْدٍ حَافِظٌ وَالأَصْمَعِي

وَابْنُ الحُسَيْنِ فَكَرَّرُوا صبيانَا

فأجبتُهم لا تَظْلِموهُ فمَنْ حَباهُ

الشِّعْرَ والقَولَ الفَصِيحَ حَبانا

شوقي وما شوقي لروعةِ شِعْرِهِ

إلَّا اندهاشًا حِرفةً وبَيانا

هو شاعرٌ جعلَ القصيدةَ ماؤه

وهواؤه وطعامه أحيانا

هو من أذاق الحرفَ حلو لسانهِ

فسما به للمُشْرِقَاتِ مكانا

هو شاعرٌ للكونِ لا لمدينةٍ

أو دولةٍ كي يُستَباحَ كِيانا

فأَجَلُّ ما منحَ الإلهُ مَزِيَّةً

للشِّعْرِ أن تَحْيا بهِ أوطانا

إنْ كانَ أحْسَنَ في القَصِيدِ ونَظْمِهِ

فلأنَّهُ أحْيا بهِ إنسانا

قَالُوا وَزَادُوا فِي الأَمِيرِ وَشِعْرِهِ

بَعْضُ المَدَائِحِ ذِلَّةً وَهَوَانَا

لاحاكمٌ في دولةِ الشِّعْرِ النفيسِ

فكلُّنَا لِسُموِّهَا فُرسانا

كالبُردَةِ العَصْمَاءِ لمّا جَمَّلتْ

كعباً زها في حُسْنِها حَسّانَا

ما من أميرٍ كي يُقَلَّدَ تاجُها

فجميعنا في حُكمِها سُلطانا

وأنا بها ربُّ القَصِيدِ فمَنْ لَهُ

عِنْدِي أمانٍ فلْيَقُلْها الآنا

حقَّقْتُ فيها ما يَشاءُ إذا أشَا

ولَدَيَّ من فيضِ الكَرِيمِ جِنانا

نهرانِ من لَبَنٍ وخَمْرٍ مُسْكِرٍ

والزَّهْرُ في أكْمامِهِ ألْوانا

ورُزِقْتُهُ من فَضْلِ رَبِّي ساعةً

أمْسَتْ بحَسْبِ زَمانِنَا أزْمانا

يَحْيا بها وَقْتًا كما لو أنَّهُ

في رَوْضَةٍ أنْسامُها رَيْحانا

يَشْتَمُّ من عِطْرِ القَصِيدِ ويَنْثَنِي

فوقَ الأرائكِ باسِمًا ولَهانا.

الشِّعْرُ أَكْرَمُ مِنْحَةٍ قَدْ خَصَّهَا

رَبُّ العِبَادِ لِمَنْ تَوَاضَعَ شَانَا

الشِّعْرُ لا أَرْضٌ تَحِدُّ كَيَانَهُ

فَهْوَ الفَضَاءُ رَحَابَةً وَمَكَانَا

الشِّعْرُ كَالْأُمِّ الرَّؤُومِ مَهَابَةً

وَجَلَالَةً وَمَحَبَّةً وَحَنَانَا

الشِّعْرُ تَارِيخٌ وَوَجْهُ مَلِيحَةٍ

يَغْدُو إِذَا حَمِيَ الوَطِيسُ سِنَانَا

رُوحَانِ مِنْ بَعْدِ الفِرَاقِ تَلَاقَيَا

فَتَعَانَقَا وَتَجَاوَرَا أَبْدَانَا

عُكَّازَتَانِ لِعَاجِزٍ إِمَّا مَشَى

مَنْحَاهُ مِنْ غَدْرِ الطَّرِيقِ أَمَانَا

كَفٌّ تَلُمُّ الدَّمْعَ عَنْ خَدِّ الطُّفُولَةِ

لَوْ طَغَى لُؤْمُ الزَّمَانِ وَخَانَا

قَالُوا الأَمِيرُ أَمِيرُنَا فَإِذَا دَنَا

لِحْيَاضِ عَرْشِهِ غَيْرُهُ عَادَانَا

هُوَ كَالْقَصِيدَةِ مُشْرِقٌ بِجَلَالِهِ

فَإِذَا رَثَى أَحْوَالَنَا أَبْكَانَا

وَإِذَا تَرَنَّمَ كَالطُّيُورِ مُغَرِّدًا

وَتَلَا نَفَائِسَ شِعْرِهِ أَشْجَانَا

كَالْبُلْبُلِ الْمَحْبُوسِ خَلْفَ بَهَائِهِ

لَمَّا بَكَى مَلَأَ الدُّنَا أَلْحَانَا

«رَمَضَانُ وَلَّى هَاتِهَا يَا سَاقِي»

لَمَّا أَتَتْ مِنْ خَمْرِهَا أَسْقَانَا

فَتَلَوْتُ وِرْدَ الْخَاشِعِينَ تَقَرُّبًا

مُتَشَهِّدًا وَلَقَدْ رَفَعْتُ بَنَانَا

فَلَقَدْ بَنَى لِلشِّعْرِ أَجْمَلَ دَوْلَةٍ

وَبِهَا النُّجُومُ وَنُورُهَا سُكَّانَا

وَسَمِعْتُ ضَبْحَ الصَّافِنَاتِ بِسَاحِهَا

وَرَأَيْتُ عَدُوَ الْمُورِيَاتِ عِيَانًا

وَشَمِمْتُ عِطْرَ الْيَاسَمِينِ بِرَوْضِهَا

وَالزَّهْرُ مِنْ فَرْطِ الْحَلا جَذْلَانَا

وَلَمَحْتُ رَبَّاتِ الْجَمَالِ عَلَى الْعُرُوشِ

وَمَا اتَّخَذْنَ مِنَ الْوَرَى أَخْدَانَا

مَا الشِّعْرُ إِلَّا آيَةٌ إِنْسِيَّةٌ

مِنْ لُدْنِ وَحْيٍ رُتِّلَتْ أَوْزَانَا

الشِّعْرُ فَلْسَفَةُ الوُجودِ لأنفسٍ

يغدو لوحي شعورها قرآنا

ما كانَ سُلْطانًا يُمارِسُ حُكْمَهُ

بِعَصا الجُنودِ وَلَمْ يَكُنْ سَجَّانا

بَلْ كانَ مُبْعوثًا لِيُسْعِدَ وَرْدَةً

فَضَتْ بِكارَةَ عِطْرِها كَفانا

لِيُعِيدَ لِلشَّيخِ العَجوزِ إذا طَغَتْ

كَفُّ الزَّمانِ فُتُوَّةً وَرَزانَا

هو كالأنوثة رِقَّةً وكما الرُّجولةِ

عُنْفُوانًا ما تَلاهُ جَبَانَا

هو كالشآمِ عروبةً وكرامةً

كالرافدين بلاغةً وبيانا

كجراح غزة إن تعاظم نزفها

لثمت ضفاف جراحها لبنانا

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: