عنترة بن شداد والوعي بحقيقة الموقف 

 

دكتور رجب إبراهيم أحمد
جامعة السلطان عبد الحليم معظم شاه الإسلامية العالمية ماليزيا
فقد كان واعيا بحقيقة عبوديته،مدركا لنظرة الناس إليه،لكنه عمل على تغييرها،بل إلى هدمها،واجتثاثها، فقال عن نفسه مقدما صورة متغايرة عما في أذهان المجتمع،دون أن ينفي عن نفسه صفة العبودية، إنه العبد، ولكن ليس كأي عبد:
أَنا العَبدُ الَّذي خُبِّرتَ عَنهُ يُلاقي في الكَريهَةِ أَلفَ حُرِّ
خُلِقتُ مِنَ الحَديدِ أَشَدُّ قَلباً فَكَيفَ أَخافُ مِن بيضٍ وَسُمرِ
ويكثر هذا في شعره، يُصدِّر “الأنا” ليغير الواقع والمفاهيم:
أَنا العَبدُ الَّذي خُبِّرتَ عَنهُ وَقَد عايَنتَني فَدَعِ السَماعا
مَلَأتُ الأَرضَ خَوفاً مِن حُسامي وَخَصمي لَم يَجِد فيها اِتِّساعا
إن المواجهة والاعتراف الصريح والمباشر من عنترة بعبوديتة، وفي الوقت ذاته تفرُّد هذه العبودية، وتميزها بالفروسية والشجاعة،التي ،حسب رأيه،تحجب هوان العبودية وذلها، كانت هي الوسيلة الأولى ليجد عنترة ذاته التي يبحث عنها. كما حاول أن تتصالح نفسه مع لونه حيث كان سواد اللون هو التبعة الثقيلة التي أثقلت عاتق العبيد، وأوهنت ظهورهم،لكن عنترةَ حاول الانسجام، والتوافق مع هذا الأمر، الذي لا يستطيع أن ينفك عنه، أو منه،فحاول أن يحيل هذا اللون البغيض إلى قلبه سجية يحسن الفحر بها، فالسواد لون المسك الذي يحرص كثير من البيض،لا سيما السادة منهم،رشه على أجسادهم، فيقول:
لَئِن أَكُ أَسوَداً فَالمِسكُ لَوني وَما لِسَوادِ جِلدي مِن دَواءِ
وَلَكِن تَبعُدُ الفَحشاءُ عَنّي كَبُعدِ الأَرضِ عَن جَوِّ السَماءِ
ويقول: سَوادي بَياضٌ حينَ تَبدو شَمائِلي وَفِعلي عَلى الأَنسابِ يَزهو وَيَفخَرُ
كما اعتمد على الاعتداد بنسب أبيه، وإن تضاءل نسب أمه فالمعلوم أن كفتي نسبه غير متوازنتين، فالأولى تعلو بالثانية، الأولى أب ذو حسب ونسب، والثانية أم ضئيلة النسب قليلة الشأن.لكنه حاول أن يخلط بينهما فيستر أحدهما الآخر.يقول:
إِنّي اِمرُؤٌ مِن خَيرِ عَبسٍ مَنصِباً شَطرِي وَأَحمي سائِري بِالمُنصُلِ
وَإِذا الكَتيبَةُ أَحجَمَت وَتَلاحَظَت أُلفيتُ خَيراً مِن مُعَمٍّ مُخوَلِ
وَالخَيلُ تَعلَمُ وَالفَوارِسُ أَنَّني فَرَّقتُ جَمعَهُمُ بِطَعنَةِ فَيصَلِ( )
هنا يفاخر عنترة بنسب أبيه، وهو كافٍ لمنحه الشرف، والسؤدد أمام قومه، كما أنه لا يتحرج من نسب أمه، وإن كان ضئيلا،فاختلاط نسبه هذا منحه قوة وبسالة،وأنه بهذا النسب لم يتساو مع قومه،بل فاقهم، وزادهم قوة وشجاعة.
لقد حاول عنترة ،رغم تميزه عن غيره من السود، أن يعمد إلى بناء ذلك العالم الخاص به، عالم الجمادات،سيفه، وفرسه، ورمحه، مستعيضا بها عن أولئك الذين لم يقتنعوا بحقه في امتلاك الحرية الإنسانية الكاملة. 1 من فبراير 2023

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: