عرض كتاب تاريخ البحرية التجارية المصرية 1854-1879م

عرض/ أشرف خيري يوسف

الكتاب الذي بين أيدينا هو من إصدارات الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2007م، ويقع في 704 صفحة من القطع المتوسط، وهو لمؤرخ قدير ذو مكانة رفيعة بين أساتذة التاريخ الحديث والمعاصر بصفة خاصة، وبين أساتذة التاريخ بصفة عامة، ليس في مصر وحدها بل في عالمنا العربي كله، ألا وهو الأستاذ الدكتور/ خلف عبد العظيم سيد الميري، الذي التقيته منذ ما يزيد على عشرين عاماً في مؤتمر حول قناة السويس أُقيم بمكتبة الإسكندرية، وقد أثنى على بحثه الذي شارك به في المؤتمر كبار أساتذة التاريخ الحديث من جميع أنحاء العالم، بل قيل أنه أفضل بحث قدم للمؤتمر، وهذا ما قاله الأستاذ الدكتور/ عمر عبد العزيز – رحمه الله – الذي كان يترأس الجلسة التي أُلقى فيها البحث، وهذا ليس بغريب على مؤرخ قدير يمتلك أدوات البحث التاريخي حتى صارت طيعة بين يديه، فأخرج لنا أبحاث ومؤلفات ثرية أفادت المكتبة العربية بعامة والتاريخية بخاصة، ومنها كتاب تاريخ البحرية التجارية المصرية الذي كان في الأصل أطروحة سيادته التي نال بها درجة الماجستير بامتياز، وهذه الدراسة تُعد في ظني من الدراسات البينية؛ لأنها قُدمت في قسم التاريخ – وإن كانت هي الأولى من نوعها في أقسام التاريخ – وتُدرس في كليات الحقوق بالجامعات حيث يُوجد تخصص القانون البحري، وأيضا في كليات التجارة حيث يُوجد تخصص الاقتصاد البحري، وفضلاً عن هذا كله هناك أكاديمية بأكملها تختص بالنقل البحري، بل أنه كانت هناك وزارة مستقلة بهذا الشأن، أي أن هذا النشاط كُثفت حوله الدراسات في عدة تخصصات، كان الأولى لها أن تبدأ بالتاريخ ومنه تنهل التخصصات الأخرى
والدراسة التي نعرضها اليوم ذات أهمية خاصة لكونها تختلف في منهج التناول والمعالجة لهذا النشاط من خلال تخصص التاريخ الحديث عن التخصصات الأخرى، وتشمل هذه الدراسة سبعة فصول، فضلاً عن مقدمتين احداهما للعلامة الأستاذ الدكتور/ يونان لبيب رزق، والأخيرة للمؤلف، وتمهيد حول ” البحرية التجارية قبيل 1854م، ماهيتها والمعطيات الجغرافية وخلفيتها التاريخية “
أما الفصل الأول فكان عنوانه: ” ظروف قيام النشاط البحري التجاري المصري ” عالج فيه المؤلف الدوافع والحقائق التي دعت لقيام بحرية تجارية مصرية، وذلك من خلال ثلاث مباحث مثل؛ تطور شخصية الحاكم، وتطور ظروف التبادل الدولي، وتطور الاصلاحات البحرية
و تناول الفصل الثاني: ” قيام البحرية التجارية المصرية ” في مبحثين لعهدي: محمد سعيد باشا (1854-1863م)، والخديو اسماعيل باشا (1863-1879م)، بينما عالج الفصل الثالث: ” الادارة العمومية للبحرية التجارية المصرية ” في محاور ثلاث أيضاً؛ الجمعية العمومية، مجلس الادارة، وديوان العموم، وتعرض الفصل الرابع لموضوع ” ادارة السفن وشئون الأفراد ” في احدى عشر عنصر ومبحث، ثم يأتي الفصل الخامس بعنوان: ” سفن البحرية التجارية المصرية وتطورها “، ويعرضها في محاور ثلاث؛ السفن البخارية، والسفن الأخرى غير البخارية، السفن تاريخياً في ظروف الشراء والاصلاحات،وجاء الفصل السادس تحت عنوان: ” التوكيلات الملاحية ” في ثلاث عناصر كسابقيه، وهي؛ ماهية عمل الوكلاء الملاحيين، ظروف مرور السفن وانشاء التوكيلات الملاحية، بيان التوكيلات الملاحية بشيىء من التفصيل، ويُختتم الكتاب بالفصل السابع والأخير الذي كان تحت عنوان: ” دور السفن التجارية المصرية في النشاط الخارجي ” في سبعة عناصر توضيحية
على أية حال فقد أوضح المؤلف من خلال هذه الدراسة القيمة بعض الحقائق المؤكدة، ومنها أن مصر تتميز بموقع ملاحي مميز، وكان حفر قناة السويس اضافة جوهرية لهذا الموقع المميز، وقد بينت لنا هذه الدراسة محاولة الوقوف على نجاح مصر في ايجاد اسطول تجاري خاص بها يفيد من موقعها وما أجرته من الاصلاحات، ويُسهم في حركة تطورها ويدعم اسطولها الحربي، وفي نفس الوقت يحد من سيطرة السفن الأجنبية في أعقاب انتكاسة النشاط البحري في عهد عباس باشا الأول (1848-1854م)، كما يُسهم بدوره في الربط بين مصر والعالم الخارجي، وأتاحت هذه الدراسة المجال لرصد مسألة التطور الحضاري المصري وتواصله مع التطور العالمي بعد اكتشاف البخار واتساع استخداماته خاصةً أنه كان يًعد ثورة في عالم الملاحة كبديلاً للشراع، اضافة لذلك اتاحت المجال لمقارنة حجم تطورها مقارنةً بالدول الأوربية، ثم تفوقها عما امتلكته الدولة العثمانية وتقدم بالدليل العملي الموثق حقيقة قوة البحرية التجارية المصرية، وفي جوانب كثيرة توضح الدراسة أدلة على تطور حركة الاستثمارات المصرية المبكرة في شركات المساهمة التي تُوجب التحفظ ازاء القول بسيطرة المشروعات الأجنبية، وكذلك مدى الضرر الذي أصاب مشروعاتها من سوء ادارة بعض الأجانب وتضيف أبعادا جديدة لمسألة الصراع السياسي بين مصر وانجلترا في البحر الأحمر، كما تمتد لرصد آثار العلاقة مع الدول الأجنبية سواء بالنسبة للاستثمارات أو نشاط السفن في نقل التجارة والركاب والبريد وكيفية تصدي السفن التجارية المصرية لتجارة الرقيق قبل توقيع المعاهدة الانجليزية المصرية عام 1877م

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: