عرض كتاب أعلام من الإسكندرية لمؤلفه : نيقولا يوسف

أم البحرية نموذجًا

عرض: أشرف خيري يوسف
أعلام من الإسكندرية هو عنوان الكتاب الذي نتناول أحد أعلامه اليوم، والكتاب يقع في 510 صفحة من القطع المتوسط، طبعة منشأة المعارف بالإسكندرية، عام 1969م.
يرتبط موضوع هذا الكتاب ارتباطًاً وثيقًا بأهمية الإسكندرية كمدينة مصرية عريقة، تمثل نافذة مصر على البحر المتوسط والعالم الخارجي، فضلًا عن كونها ميناء مصر البحري والتجاري وكان بها بورصة القطن وبورصة الأوراق المالية، وعاصمة ثقافية كوزومبوليتنية طوال القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، تعايشت فيها الجنسيات المختلفة والثقافات المتعددة، فامتلئت بالأجانب الأوروبين واليهود والشوام والمغاربة، وكان الكثير من الأوربين واليهود والشوام يأتون إليها بهدف الثراء لما تتمتع به من ظروف وعوامل تساعد على نجاح الأنشطة التجارية والصناعية وخلافه، ولاشك أن الإمتيازات الأجنبية كان لها دور كبير في هذا، ليس هذا فحسب فلا يستطيع أن ينكر أحد ما للإسكندرية من إسهام ودور بارز في الحياة الثقافية سواء في التاريخ القديم على مستوى العالم أجمع، أو العصر الحديث على مستوى العالم العربي كله؛ ففيها بدأت الصحافة والمسرح والموسيقى والغناء والسينما، فضلًا عن الأدب بكل أنواعه وأطيافه.
لذا فمن الطبيعي أن تفرز هذه المدينة عددًا كبيرًا من الأعلام البارزين في كافة المجالات وعلى مر العصور، حتى أن منهم من ذاع صيته وشهرته إلى ما هو خارج الحدود المصرية، سواء في العصور القديمة وقبل ظهور المسيحية والإسلام إلى أن وصلنا للعصر الحديث، ولذا نجد الإسكندرية لا تبخل على العالم بما تقدمه من أعلام، فيهم من هو ربيب عصره متأثرًا بظروفه وأحداثه، أو ناشىء بين عقائده ومذاهبه وبين ما قد يدور بين تلك المذاهب من صراع أو بين الحاكم المستعمر والمحكوم المناضل من صدام، فكان منطقيًا أن يترك كل عصر من تلك العصور المتعاقبة بصماته على حياة أعلامه وأعمالهم.
ولهذه الوفرة من أعلام الإسكندرية، وللشهرة الواسعة التي حازها بعضهم، يشير الأستاذ/ نيقولا إلى أنه طال الحديث عنهم منذ القدم، ووُضع مالا يُحصى عن الكثير منهم من الدراسات والتراجم في شتى اللغات والقصص والروايات، كما نُشر لعدد منهم ما أنتجه من مؤلفات علمية أو أدبية أو دينية، ويشير المؤلف أيضًا بأنه كما اعتاد المترجمون لأعلام هذه المدينة أن يُلقبوا كلًا منهم بالسكندري مادام قد وُلد بها أو دُفن فيها أو هاجر إليها واتخذها موطنًا ومُقامًا.
ولأن الكتاب يحوي بين دفتيه وجنباته العديد من الأعلام الذين عرض لهم المؤلف بعد المقدمة، وبالطبع بدأ بأعلام العصور القديمة، حيث افتتح الحديث “بالإسكندر الأكبر” مؤسس الإسكندرية عام 331 ق.م، واختتمه “بنيللي زنانيري” -1900م- الكاتبة الشاعرة في العصر الحديث، فأردت أن أسلط الضوء على احدى الأعلام الذين ترجم لهم هذا الكتاب، فاخترت “أم البحرية”.
عصمت محسن ( بنت بطوطة – أم البحرية )
ليست المرة الأولى التي أُسلط من خلالها الضوء على أم البحرية، ولإعجابي بما قدمت يُسعدني أن أُعاود الحديث عنها كإحدى نماذج المرأة المصرية، وعلى وجه الخصوص ” المرأة الإسكندرانية ” عن نموذج تجلى فيه العطاء أتحدث، العطاء الذي بدوره – من المُفترض أن – يؤدي إلى النماء، عن “أم البحرية “أكتب عن “بنت بطوطة، عصمت محسن”، فقد نشرت عنها سابقاً مقالاً بجريدة الأهرام المسائي بتاريخ 9/10/2003م، بل وحينما طلبت مني الأستاذة أماني مرسال منذ فترة طويلة أن أكتب مجموعة مقالات لتنشرها في جريدة ” القاهرية” فأرسلت إليها ضمن مجموعة مقالات مقالًا عن أم البحرية، ولم أتابع هل تم نشره أم لا؟ واليوم أكتب عنها للمرة الثالثة كنوذج اخترته من كتاب ” أعلام من الإسكندرية “.
وُلدت شخصيتنا السيدة عصمت “رحمها الله” في عام 1316ه / 1898م، واسمها عصمت حسن محسن حسن الإسكندراني، التي لُقبت “بأم البحرية” فقد عُرفت بمآثرها على البحرية المصرية ورجالها بصفة خاصة. ونشأت بجوار البحر والسفن في مدينة الإسكندرية، وفي أسرة ذات صلات عريقة بالبحر والبحرية، فهي حفيدة قائد أعالي البحار ” حسن الإسكندراني ” وابنة ” حسن محمد عبد المحسن باشا “، أحد رجال الدولة، شقيق محمد وأحمد أبناء محمد عبد المحسن بن حسن الإسكندراني، فهي حفيدة مباشرة لمحمد عبد المحسن بن حسن الإسكندراني، وأمها ” عزيزة حسن ” ابنة الأمير ” حسن إسماعيل ” وشقيقة ” عزيز حسن ” من قواد الجيش المصري، الذين اشتركوا في حرب البلقان عام 1912م، وأجادت السيدة عصمت محسن عددًا من اللغات الأجنبية بجانب اللغة العربية، وخاصًة اللغتين الفرنسية والإنجليزية، وتلقت تعليمها في المنزل والمدرسة، وكانت عاشقة للبحر والأسفار البحرية منذ طفولتها، كما تعلقت بتاريخ البحرية المصرية ومواقعها الحربية، كما تعلقت بأمجاد العرب في مجال البحر، ونظراً لعطفها ورعايتها لرجال البحرية فقد لُقبت ” بأم البحرية “
وانطلاقًا من حبها للتاريخ العربي والاهتمام بالآثار العربية حرصت على الترحال عبر البحر وزيارة الأقطار، فطافت بمعالم لبنان وسوريا وتونس والجزائر والمغرب وآثار الأندلس بأسبانيا، ولهذا قامت بدراسة المساجد والقلاع والمزارات القديمة، وأصبحت من رواد المتاحف والمكتبات في فرنسا وبلجيكا وسويسرا وغيرها، وكانت السيدة عصمت محسن تعبر البحار على المراكب الصغيرة متنقلة بين موانيء البحار، وأمضت 18 عامًا في رحلاتها الاستكشافية والدراسية حتى أُطلق عليها ” بنت بطوطة ” تشبيهاً بالرحالة العربي القديم ” ابن بطوطة “، ولم تستهوها بواخر الترف ورحلات البزخ، بل كانت تشارك الملاحين حياتهم الصعبة فوق الأمواج، وحينما تعود إلى البر تعكف على دراسة الآثار والأطلال والمتاحف وسائر المعالم التاريخية.
وحينما سافرت إلى فرنسا واستمرت بها فترة طويلة من الزمن تبحث وتكتب في التاريخ العربي وتنشر بعض مقالاتها في الصحف الفرنسية، وتعرفت هناك على المستشرق الفرنسي ” كريستيان شيرفيس ” الباحث في المخطوطات العربية، والمتخصص في فقه أبي حنيفة، ومن خلال هذا التعارف لاحظ المستشرق شغفها بالتاريخ والآثار فسمح لها بالبحث في مكتبته، وكان يرى أنه من الأولوية لها أن تكتب في تاريخ بلادها، وأن تُكنى ” بنت بطوطة “، وفي هذه الأثناء كانت جريدة ” ماتان ” الباريسية قد أعلنت عن مسابقة للكُتاب الفرنسيين في موضوع يختص بأشهر المواقع الحربية التاريخية الفاصلة، وجائزة المسابقة خمسمائة فرنك، واشتركت ” بنت بطوطة ” في هذه المسابقة وكتبت عن موقعتي ” حطين وعين جالوت ” وهما من المواقع التي انتصرت فيها الجيوش العربية، فكان لها أثر كبير، وفازت ” بنت بطوطة بالجائزة ” لدقة البحث وجمال الأسلوب، فكان هذا دافعاً لها بالكتابة في الصحف الفرنسية عن التاريخ العربي والشرقي وأمجاده، وبدأت في تأليف الكتب بالفرنسية ليطلع عليها الغربيون، وحينما عادت إلى بلادها مارست الكتابة في الصحف والمجلات العربية، وللأسف أن هذا المقالات لم تُجمع بعد، بل الأشد أسفاً أن السيدة “عصمت محسن” لم تهتم بكتابة مذكراتها وذكرياتها ورحلاتها ومشاهداتها، ويأتي الأسف لأنها من الشخصيات الجديرة التي تستحق أن تُكتب دراسة بحثية وافية عنها أو فيلم وثائقي أو مسلسل تليفزيوني فيما أرى – كما اقترحت وسعيت منذ ما يقرب من 20 عام – فعدم وجود مذكراتها وإنتاجها الفكري يُعد عائق وقصور أمام من يتصدى لدراسة أو عرض سيرة حياتها الشخصية الحافلة بالعطاء، والتي تساعد في إلقاء الضوء على زاوية وحقبة هامة من تاريخ البلاد، وإن كنا نعرف أسماء بعض مؤلفاتها بالعربية، مثل؛ ” أحاديث تاريخية ” و ” تاريخ هارون الرشيد والبرامكة ” عام 1943م، و” فينيقية ” الذي ألفته عام 1945م، و” موقعة نافارين ” عام 1960م.
وقد استقرت أم البحرية في أخر أيامها في بيتها ” فيلتها ” المطل على البحر بحي رأس التين تشاهد مراكب الصيادين، وكان بالبيت مكتبة عامرة بالمراجع والكتب كانت ترجع إليها في أبحاثها – وللأسف الشديد أيضاً أن هذا البيت قد تم هدمه في السنوات القليلة الماضية بحسب رواية أحد المعاصرين لهذا، لتحل محله إحدى العمارات الشاهقة التي ابتليت بها الإسكندرية – ومن حين لأخر كانت تقضي بعض الوقت في عزبتها بشبرا خيت، وكانت كعادتها تقدم المساعدة للفلاحين والمحتاجين، ونظراً لما عُرف عنها من حب للبحرية ورجالها ولما قدمته من خدمات للوطن، فقد كرمها الرئيس الراحل ” جمال عبد الناصر” حيث منحها وسام ” الكمال الذهبي ” في عام 1955م، ولم سُرق هذا الوسام من بيتها، أهدى إليها الرئيس جمال عبد الناصر وساماً أخر، ووصلت إليها رسالة من رئاسة الجمهورية جاء فيها: ” لما عُرف عنك من حب الخير واهتمام بشئون البحرية، فرئاسة الجمهورية تهدي إليك هذا الوسام بدلاً من الذي فُقد منك …” وكان ذلك بمناسبة الاحتفال بيوم البحرية وبإنشاء المتحف البحري بالإسكندرية في 29 أغسطس عام 1960م، حيث كانت أم البحرية في مقدمة المدعويين إلى ذلك الحفل، الذي أصبح عيداً من أعياد القوات المسلحة نتذكر فيه أمجادها البحرية.
هذه لمحة بسيطة عن أم البحرية التي وهبت حياتها للبحرية وأبنائها وللوطن وأبنائه، هذه السيدة التي كانت تنبض كل نقطة من دمها بحب الوطن، فبرغم ثرائها قدمت كل ما تملك ووهبته للقوات البحرية، فهي التي منحت الأسطول المصري العربي سفينة حربية كاملة من مالها الخاص في حرب فلسطين، وروى أحد المعاصرين لها أيضاً، أنها كانت تقدم ساعة ذهبية كل عام للطالب المتفوق الأول على طلاب الكلية البحرية، إضافةً إلى أنها تفتح منزلها في حي رأس التين لجنود وضباط صف القوات البحرية لما يحتاجونه من راحة ورعاية ومأكل ومشرب، وكانوا يزرونها في عيد الأم 21 مارس من كل عام ويقدمون إليها باقات الورود والأزهار ويستمعون إليها وهي تسرد عليهم أمجاد أمجاد آبائهم وأجدادهم في المعارك البحرية التي خلدت أسماءهم، وأنشأت في عام 1959م مسجدها الأنيق على ناصية شارع محمد مظهر باشا عند تقاطعه مع الشارع الذي يحمل اسم جدها حسن باشا الإسكندراني.
رحم الله السيدة عصمت محسن التي رحل جسدها عن عالمنا في عام 1973م، وبقيت مآثرها وتاريخها رمزاً للتضحية وحب الوطن، وبقيت جمعية ” أم البحرية ” التي تحمل لقبها دليلاً على الرعاية والعطاء لأبناء البحرية من جنود وضباط صف وزوجاتهم وأبنائهم، هذه الشخصية التي لا زلت أتمنى أن أقدم عنها مسلسلاً تليفزيونياً وإذاعياً وفيلماً وثائقياً، هي واحدة من الأعلام الذين قدمهم لنا الأستاذ ” نيقولا يوسف ” والأستاذ ” يوسف فهمي الجزايرلي، حيث كانا مصدرنا الرئيس في إلقاء الضوء على هذه السيدة الفاضلة.

أعلام من الإسكندرية

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: