عبد الله جمعة يكتب : تاريخ السرد العربي

إن عالم السرديات العربية – برغم ما خيض فيه من محاولات تأريخ وتصنيف – إلا أنه مازال في حاجة إلى من يخوضه مسلحا بأسلحة الفكر المنهجي حتى يخرج منه بقيم نقدية جديدة تثبت الريادة العربية في الفنون السردية وتفوقها على كثير من الأمم , بل سيثبت – إن كان مسلحا بالمنهجية الفكرية النقدية – أن عالم الغرب جاء تاليا للعالم العربي في هذا الشأن , بل وقد استمد عالم الغرب من العالم العربي أصول نشأة الفن السردي لديه .
حركة الاستشراق ودورها في نقل تقنية السردية العربية
———————————————-
قلت منذ عدة أسطر إن عالم السرديات العربية كان أرضا خصبة لنقل تربته الصالحة إلى عالم الغرب عن طريق حركة الاستشراق عبر علاقات الشرق بالغرب منذ أمد بعيد .
لقد استغل المستشرقون محاولتهم الظاهرية في إلقاء الضوء على الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية في الشرق ومدوا بأنبوب امتصاص في شرايين السرد العربي فنهلوا منه ما نهلوا وبنوا على دمائه أسس السرد الغربي .
فقد كانت العلاقة بين الشرق والغرب من أهم المحاور التي دار حولها التاريخ الإنساني سواء على المستوى السياسي أو العسكري أو الاقتصادي أو الثقافي أو الأدبي أو الفني أو حتى الحضاري .
وهذه الحركة يمكننا تتبعها منذ القرن الثالث قبل الميلاد حين جاء (الإسكندر الأكبر) إلى الشرق لإقامة الإمبراطورية الهيلينية التي كان يحلم بها .
فقد بدأت حركة الاستشراق على يد المؤرخ الإغريقي (هيرودوت) برحلته الشهيرة إلى مصر فكان أول من ألقى الضوء على الحياة الاجتماعية والثقافية في مصر من منظور غربي
وعندما سيطرت الإمبراطورية الرومانية على الشرق في أعقاب الإمبراطورية الإغريقية حيث كان المؤرخون الرومانيون مهتمين على الأرض بالوقائع والأحداث السياسية , أما الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والأدبية فقد وردت عنها لمحات وأفكار في رسائل (شيشرون) وخطبه , ودراسات (هوراس) في الشعر والدراما , وكتابات (بروبرتيوس) , وخطابات (بليني الأصغر) وغيرها من الكتابات التي أوضحت تأثير الشرق على الإمبراطورية الرومانية خاصة التأثير الذي مارسته “مدرسة الإسكندرية” على الفكر الغربي بصفة عامة
وفي القرن السادس عشر انطلقت أفواج من الأسبان المغامرين نحو الغرب يسعون في طلب الرزق ويبحثون عن الثراء في العالم الجديد أو كما حدث في القرن السابع عشر والثامن عشر عندما نزح من بريطانيا الباحثون عن عمل يحققون من ورائه كسبا ومجدا في جزر الهند الشرقية أو راغبين في الاستقرار في المستعمرات بأمريكا الشمالية مما يشبه إلى حد كبير ما جرى في القرن الذي تلا موت الإسكندر الأكبر ؛ إذ انساب تيار كالسيل المنهمر لا ينقطع من المهاجرين اليونان نحو الشرق والجنوب غمر البلاد التي فتحت لهم أبوابها بفضل عبقرية الإسكندر الذي آمن بالمساواة بين كل شعوب الأرض .
وقد أخذ هؤلاء فنهم وأدبهم وأسلوبهم التقليدي في الحياة ونظمهم المدنية ونواديهم الرياضية والثقافية وألعابهم وأعيادهم .
ولكن ذلك لم يكن يعني أن تأثيرهم في البلاد التي وفدوا إليها كان التأثير الأقوى , بل على العكس لقد أثبتت المؤرخات أن التأثير بينهم وبين بلاد الشرق التي وفدوا إليها كان تأثيرا متبادلا , وأن تأثير بلاد المشرق فيهم ثقافيا وأدبيا كان الأقوى .
فعندما بعدت الشقة بهؤلاء المتوطنين عن وطنهم اليوناني ثم الروماني واختلطوا تماما بالأسيويين والمصريين والعرب كان لابد أن يستسلموا إلى الاندماج في الوسط المحيط بهم بحيث لم يعودوا مجرد مستشرقين بل مواطنين بالفعل , لذلك كانت كليوباترا ملكة مصرية قلبا وقالبا على الرغم من أصولها الغربية .
لقد أنتج المواطنون المصريون أدبا سياسيا في فترات الاحتلال الروماني , فقد سجل التاريخ أن المواطنين السكندريين الأحرار لم يستكينوا للحكم الروماني وتسببوا في إثارة متاعب كثيرة للأباطرة الرومان وقد وصفها الكاتب والمؤرخ الروماني (فيلون) في رسالته المسماة “بعثة إلى جايوس” وكانت تجري محاكمات أمام الإمبراطور ويقدم إليها شخصيات بارزة من أحرار السكندريين . في تلك الأثناء نشأت مجموعات كاملة من الأدب القومي الذي يفيض وطنية وكرامة ذاع انتشارها في روما نفسها وأطلق عليها النقاد والدارسون المحدثون “أعمال السكندرين” أو “أعمال الشهداء الوثنيين وأخبارهم” نظرا لما بينها وبين “أعمال الشهداء المسيحيين وأخبارهم” من تشابه
لقد مجدت هذه الأعمال الأدبية شجاعة الزعماء السكندريين وما أبدوه من رؤية ثاقبة ورأي أصيل من خلال تصوير هؤلاء الزعماء في قتالهم لقيصر في جرأة وشجاعة منقطعة النظير وكان لها صدى رائع بين الشباب في روما نفسها ؛ فعلى الرغم من تأليه الرومان لإمبراطورهم فإن السكندريين كانوا من الجرأة بحيث يصيح رئيس “الجمنازيوم” في وجه (كلوديوس) قائلا : “ما أنت إلا ابن سالومي اليهودية الذي لفظته الأقدار” ثم يشير بمنتهى الاحتقار والازدراء إلى (هيرود أجريبا Herod Agrippa) وهو صديق للإمبراطور فيسميه بـ “اليهودي الذي لا يساوي سوى فلس واحد” … وفي قطعة أدبية رائعة يحمل الأحرار السكندريون تمثالا نصفيا لإلههم الحارس والراعي (سيرابيس) الذي يقال عنه : “إن العَرَقَ الذي نفر منه وأخذ يتصبب بأعجوبة أثارت فزع الرومان”
لقد خلدت هذه الأعمال الأدبية ذكرى أولئك الشهداء لأمد طويل .
وعندما مدخلت المسيحية سارع السكندريون المسيحيون إلى تمجيد ذكرى شهدائهم حيث استمرت المدرسة الأدبية السكندرية التي ازدهرت منذ حكم البطالمة تمارس تأثيرها في أشكال متعددة منذ أرسى قواعدها (كليماخوس) و (سبيروس) وغيرهما .
لقد كان للمدرسة السكندرية تأثير كبير في الأدب الروماني بدءا من القرن الأول الأول قبل الميلاد إلى القرن الرابع بعده … وانعكس هذا التأثير في أعمال أشهر الأدباء اللاتين أمثال (فرجيل) و (شيشرون) وغيرهم .
وفي العصور الوسطى مارس كتاب “ألف ليلة وليلة” تأثيرا عميقا في أدباء الغرب سواء على مستوى الشكل أو المضمون , كما يمكن تتبع الملامح والخطوط المتشابهة بين “رسالة الغفران” لأبي العلاء المعري و “الكوميديا الإلهية” لدانتي .
ثم كانت الهند مهد قصص وحكم وأمثال شاعت في أرجاء الأرض وانتقلت إلى بلاد الصين والتبت وإيران وبلغت أوربا في العصور الوسطى , كما ذاعت طائفة من القصص عرفت باسم “كليلة ودمنة” جمعت بين كتابين ؛ أحدهما مأخوذ عن الآخر أو كلاهما مأخوذ من أصل واحد على اختلافهما في الأسلوب , وفي بعض القصص . يعرف أحدهما باسم “بنج تترا” أي خمسة أبواب , والثاني “هتوبادشا” أي نصيحة الصديق . وقد شاع في أوربا وترجم إلى بعض لغاتها .
إن كتاب كليلة ودمنة عبارة عن مجموعة من قصص الحيوانات الهندية الأصل قام بتأليفها الفيلسوف (بيدبا) حوالي عام 300م حيث تركز على العظات الخلقية والتربوية التي نقلت من اللغة البهلوية وترجمها عبد الله بن المقفع إلى العربية في القرن الثامن الميلادي مبتغيا من ترجمتها إرشاد الخليفة المنصور إلى ما يجب أن يتمسك به من خلق .
ويؤكد الباحثون أن الفرس أضافوا إلى الأصل الهندي بعضا من القصص وأن ابن المقفع أضاف بعضا آخر وأن بعض الأدباء العرب فعل ذلك بعد ابن المقفع وترجع هذه الإضافات إلى الانتشار الواسع الذل لقيته تلك القصص بين الشعوب .
لقد كان أول تأثير واضح عميق لقصص “ألف ليلة وليلة” في الأدب الغربي قد تجلى في قصص الأديب الإيطالي (جيوفاني بوكاتشيو) والتي عرفت باسم “الصباحات العشرة” التي تتضمن مائة حكاية يقصها ثلاثة رجال وسبع سيدات بعد أن فر هؤلاء العشرة هاربين من مدينة انتشر فيها الطاعون وعاشوا في برج يقيهم شر العدوى … واقترح أحدهم أن يقص واحد من العشرة حكاية على رفاقه صباح كل يوم حتى لا يصيبهم الملل .
ويبدو تأثر بوكاتشيو بحكايات ألف ليلة وليلة واضحا سواء في طريقة تقنية السرد أو في مصدر الحكايات , كما أن عدد النساء في الرواية ضعف عدد الرجال سيرا على نهج “الليالي” حيث إن القاصة (شهرزاد) .
وفي القرن الثالث عشر قاما (بدور ألفونسو) الإسباني بترجمة ثلاثين حكاية من ألف ليلة وليلة إلى اللاتينية تحت عنوان غريب هو “تعليم العلماء” وقد أثرت هذه الحكايات في الأدب والفن في إسبانيا وجاراتها من البلاد الأوربية منذ القرن الثالث عشر .
ثم تجلى هذا التأثير في مسرحيات وقصص (لوبي دي فيجا) أكبر كتاب المسرح الإسباني الذي كان عبق ألف ليلة وليلة أحد أسباب شعبية بعض مسرحياته
وهكذا تسربت الليالي إلى أوربا عن طريق إسبانيا وجنوب إيطاليا حتى العقود الأخيرة من القرن السابع عشر حين زاد حجم الإقبال عليها وتحول إلى دراسة أساليبها الفنية بعد أن ترجمها (أنطون جالان) إلى الفرنسية ومنها انتشرت في بقية اللغات لتجد لها صدى وترحيبا في ثقافات بلاد العالم الحديث
وفي ألمانيا نقل (يوهان جوتفريد هيردر) أسلوب هذه الحكايات إلى الأدب الألماني كنموذج جديد عليهم , فيه تختفي الحقائق الواقعية خلف ستار من الخرافات والتهاويم الممتعة المثيرة للخيال .
كما وضع الألماني (فيلهلم هاوف) حكايات تجري على نمط الليالي منها (الخليفة واللقلق) و (السفينة الشبحية) و (اليد المقطوعة) و (إنقاذ فاطمة) و (مصير سعيد) واختار لحكاياته عنوانا يجمعها هو (القافلة) وجعل أحد أفراد القافلة شخصيته الرئيسية وهو “سليم بروش البغدادي”
وفي إنجلترا يذكر (س.أ.بوزورث) أن الشاعر الأيرلندي (توماس مور) قدم عملا نثريا هو مزيج من النثر والشعر عنوانه “لالاروخ” الذي اكتسب شعبية جارفة منذ صدوره , ويتضمن أربع حكايات تدور أحداثها في بلاد الشرق ومكتوبة على غرار ألف ليلة وظل (مور) مزهوا بإبداعه هذا طوال حياته .
ويرجع كثير من البُحَّاثُ والنقاد رواية (جوناثان سويفت) “رحلات جاليفر” التي تحكي أسفارا وهمية إلى بلاد الأقزام وبلاد العمالقة إلى “ألف ليلة وليلة” وهي رحلات قريبة في روحها وأحداثها من رحلات “سندباد” .
فمثلا يقص جاليفر في إحدى رحلاته قصة “الأربعين قزما” ممن لا يزيد طول الواحد منهم على ست بوصات , وكيف أنهم ربطوا يديه ورجليه وهو نائم وكيف استيقظ مذعورا قبل أن ينقذه كبيرهم وفي ذلك إشارة لحكاية الأربعين لصا وشيخهم في حكاية “علي بابا” التي استوحى الناقد الإنجليزي (جون راسكن) عنوان كتاب له “السمسم والزنابق” إذ يرمز بالسمسم إلى الكتب التي هي المفتاح الذي يفتح به الباب على الزنابق التي يرمز بها إلى كنوز الحكمة البشرية وهي إشارة أخرى إلى حكاية “علي بابا والأربعين لصا” الذي استطاع أن يفتح باب المغارة التي تحتوي على الكنز بنطق عبارة “افتح يا سمسم” ومن وحيها اختار (راسكين) إحدى كلمتي عنوانه كما بنى عليها مضمون كتابه وتوجهه الفكري .
وكذلك يرجع الكثير من البُحَّاث والنقاد مسرحية (شكسبير) “عطيل” إلى مئوية الأديب الإيطالي (جيرالدي) التي تضمنت سرد مائة نادرة رويت على نمط “ألف ليلة وليلة” ومنها نادرة القائد المغربي الأسود (عطيل) وزوجته (ديزديمونة) التي اتهمها بالخيانة ظلما وانتقم منها بخنقها ومن الواضح أن اسم “أوثيلو” الذي ينطق بالعربية “عطيل” محرف من اسم “عبد الله” أو “عطا الله” .
وفي فرنسا قال (فولتير) إنه لم يزاول فن القصة إلا بعد أن قرأ “ألف ليلة وليلة” أربع عشرة مرة … وهو التأثير المباشر الذي يتضح في روايته “كانديد” التي تدور أحداثها في الجزائر وتونس وطرابلس والإسكندرية وإسطنبول , ذلك أن سفر كانديد إلى “ألدورادو” يشبه إلى حد كبير مغامرات السندباد البحري , بل يشبهه شخصيا في إيمانه المطلق بالقدر .
أما نموذج “علي بابا” فقد عالجه الأدب الفرنسي خاصة والأدب الغربي عامة في إطار الصراع بين الطبقات , أما شخصية “أبو الحسن” فتجسد تطلع الإنسان لتحقيق أمنية صعبة المنال وهي أمنية ترمز لاتحاد الإنسان بالطبيعة بل وبالعناية الإلهية التي يرمز إليها بالجان كقوى غيبية .
وأما تأثير شخصية “شهرزاد” فلم يقتصر على الأدب الغربي فحسب بل امتد إلى كل الفنون الأخرى .
وفي روسيا أعاد (تولستوي) كتابة “ألف ليلة وليلة” بأسلوب مبسط ولغة جذابة محافظا على تسلسل أحداثها مكتفيا بصياغتها بأسلوب يناسب القارئ الروسي مبدلا أسماءها العربية بأخرى روسية لدرجة أن بعض الباحثين والنقاد وصف إنجازه بأنه ألف كتابه “ألف ليلة وليلة” على الطريقة الروسية .
وقد ترجمها (مكسيم جوركي) إلى الروسية بأسلوب أدبي رصين ليستفيد من قراءتها القراء والأدباء والنقاد الروس , ويقول إنها الكتاب الأدبي الأول الذي طالعه بعد أن تعلم القراءة وصحبه منذ الثانية عشرة من عمره حتى آخر سنوات حياته .
وفي أمريكا يقول الناقد (جون إريكسون) في بحث له بعنوان “أثر البلاد العربية في الأدب الأمريكي” أن الروائي الأمريكي (إدجار آلان بو) كتاب الليلة الثانية بعد الألف تصور فيها مصيرا مختلفا لشهرزاد ؛ إذ يحكم عليها شهريار بالقتل بعد أن نفذ صبره من حديثها المتواصل وبعد أن أدرك أنها تقص عليه حكاياتها ليس حبا فيه وإنما استهانة بذكائه لتهرب من مصيرها المحتوم .
لقد تواصل تأثير السرديات العربية والشرقية في الأدب الغربي حتى القرن العشرين لدرجة أن الشاعر الفرنسي السيريالي (لوي آراجون) حول في ستينات القرن الماضي قصة الحب العربية الخالدة “مجنون ليلى” إلى إبداع شعري جديد بعنوان “مجنون إلزا”
ويضيق المقام لسرد أو حصر المؤثرات الشرقية بصفة عامة والعربية بصفة خاصة في الآداب الغربية ولكن من الواضح أنها شكلت أهم العمليات الاستشراقية عبر التاريخ
لقد امتد تأثير المشرق في الغرب حديثا والذي تمثل في رحلات وكتابات الرحالة الغربيين مثلما فعل الأديب والرحالة الفرنسي (جيرار دي نيرفال) في كتابه الموسوعي “رحلة إلى الشرق” والإنجليزي (إدوارد وليم لين) في “آداب المصريين المحدثين وعاداتهم” و (وليم جورج براون) في “رحلات في أفريقيا ومصر وسوريا” والفرنسيان (إس.إ. سافاري) في “رسائل عن مصر” و (س.س.سونيني) في “رحلات إلى مصر العليا والسفلى” وغيرهم من الرحالة الذين قاموا بأكبر إنجازاتهم بين النصف الثاني من القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر , وهي الإنجازات التي ساعدت على ظهور ما عرف بـ “الأدب المقارن” .
غاية الأمر فإن السرديات والمرويات العربية القديمة والتي ذاع صيتها ولاقت اهتماما كبيرا من قبل عالم الغرب في حين أنها لاقت نوعا ما من الإهمال لدى دارسي الشرق الذين صبوا جل اهتمامهم على الشعر فتشعبت دراساته وتوسعت مناهجه النقدية حتى لم يمر بيت من الشعر قيل في أي منعطف من المنعطفات إلا ووجد من يؤرخ له وينظر لمحتواه الصوتي والدلالي والبنيوي والتركيبي والموسيقي … إلخ من مستويات التحليل النقدي .
حتى إن المدارس التحليلية الغربية التي وضعها منظروها الغربيون المحدثون – أساسا – للتنظير للفنون السردية وتحليلها بها ترجمها العرب وطبقوها على متون الشعر دون تطبيقها على ما وضعت من أجله وهي الفنون السردية النثرية , حتى باتت تلك الفنون السردية تعاني اليتم في بيئتها العربية وانتقل الإبداع فيها لعالم الغرب الذي برع حتى تسلم الريادة فيها , وحين التفتنا بعد قيامنا من كبوتنا لننظر إلى العالم المتقدم حولنا نحاول اللحاق به فيما تقدم فيه وجدنا النموذج السردي الغربي الحديث هو الأصل فاحتذيناه وكأننا لا نملك جذورا سردية عربية نستطيع أن نبذر في تربتها بذور الحداثة السردية فتنتج لنا سردا مأمولا وبتنا كالغرباء في ساحتنا والهائمين على وجوههم في ديارهم ؛ فأصل السرد عربي مشرقي ولكننا فتنا الأصل ولجأنا إلى المأخوذ منا بعد تطويره نحاول تعريبه وتمصيره فيظهر باهت الألوان لا يتسم بشخصيتنا العربية الضالعة في الفنون السردية منذ فجر ظهورها مع الجنس البشري .

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: