صورة المرأة في القرآن الكريم

بقلم: دكتورة صفاء مصطفى علي

إن الحقيقة التي لا يمكن أن يغفل عنها أحد أن القرآن الكريم على طول آياته وعرضها، قد نظر إلى المرأة نظر تقدير واحترام ومسؤولية، وخاطبها جنبا إلى جنب مع الرجل، واستعرض صورها في مختلف مراحلها الاجتماعية، أُمّاً، وزوجة، وبنتا، وأختا، ومطلقة، وأرملة، ووارثة، وموروثة، وعرض لنماذج صالحة لتكون قدوة وأسوة لمن أراد الاقتداء، وعرض لنماذج سيئة للتنفير منها لخطرها على المجتمع والحياة الأسرية.
ومما يلفت النظر في موقف القرآن من المرأة أنه ساوى بينها وبين الرجل في التكاليف، ووضع كل أمام مسؤولياته فقال سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ .
وخاطبها مع الرجل معلما إياها بحقيقة وجودها، والتفكير في مآلها ومصيرها في مطلع سورة سماها باسمها فقال سبحانه وتعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ .
وقال تعالى في سياق آخر: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ وهي حين تكون بنتاً يكره القرآن أن يُفعل بها ما كان يفعله الجاهليون من وأد وقتل مخافة العار، ويكرر ذلك في أكثر من موضع مستهجنا ذلك التفكير المنحط، والعقلية المتحجرة التي تنظر إلى الفتاة هذه النظرة فيقول سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ۞ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ فقَوْلُهُ تَعَالَى: “(وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى) أَيْ أُخْبِرَ أَحَدُهُمْ بِوِلَادَةِ بِنْتٍ. (ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا) أَيْ مُتَغَيِّرًا، وَلَيْسَ يُرِيدُ السَّوَادَ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْبَيَاضِ، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ غَمِّهِ بِالْبِنْتِ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَنْ لَقِيَ مَكْرُوهًا: قَدِ اسْوَدَّ وَجْهُهُ غَمًّا وَحُزْنًا” .
إنها صورة بائسة لهؤلاء الكارهين للبنات تعبر عن انتكاسة في الفطرة، رسمها القرآن الكريم بكلماته الخالدة لتظل معبرة عن موقفه من أولئك الكارهين وإنصافه للبنت التي سمى يوم مولدها “بشرى”.
ويعرض القرآن الكريم نموذجا صالحا “للفتاة” التي كان بعض العرب في الجاهلية يأدونها وتسود وجوههم هند التبشير بها على نحو ما قد سلف في الآية السابقة، فيعرض مشهدا قرآنيا لفتاتين مع نبي من أولي العزم من الرسل- صلوات الله عليهم أجمعين- موسى – عليه السلام- فقال سبحانه وتعالى:﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ۞ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ۞فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ۞ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾
فلنتأمل قوله ﴿عَلَى اسْتِحْياءٍ﴾ “أي خفرة قد سترت وجهها بكُمِّ ذراعها. قاله عمر بن الخطاب ، وقال عمرو بن ميمون: لم تكن سلفعا من النساء ولاَّجة خرَّاجة” .
وهي تكون زوجة، ضمن لها الإسلام حقوقها المادية والنفسية، فأمر بإمهارها: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ وأكد على قدسية العلاقة بينها وبين زوجها، وسماها: ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ وأمر الرجل أن يحسن عشرتها ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ .
ثم إن هناك ملمحا آخر أشار إليه القرآن الكريم وهو امتنانه على عباده بأنه خلق لهم من أنفسهم أزواجا، فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ .
وهي حين تكون أمًّا نجد القرآن يؤكد على البر بها، والإحسان إليها، ويجعلها وصية الله لعباده، ويا لها من مكانة، وأعظم به من تكريم! فيقول سبحانه وتعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ .

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: