صلاح المكاوي يكتب : القُـلَّـةُ

قصة

القُـلَّـةُ

انطلق (نادر) من المسجد بعد أن صلّى الجمعة ولسانُه مازال رطبًا بذكر الله، يُتمتمُ بالتسابيح والأذكار شاكرًا أنعم الله عليه، ثم يمّمَ صوب سوق (الحِراج) للأدوات المستعملة؛ فهو مشوقٌ بما فيه من أشياء نافعة، خاصة الأثري منها، وهذا دأبه الأسبوعي مصطحبا صديقًا مُؤنِسًا له.
تدور عيناه في المكان، يتفحّصُ يمنةً ويسرةً إلى أن استقرت على شيء غريب ولافت للنظر؛ إنها قُلَّةٌ، نعم قُلةٌ من الفخار بديعة الشكل تشي بالبهاء وتنطق بالجمال قد وُشِّيت بالزخارف والمٌنمنمات، قلَّبها بيده واستحسنها وعدَّها مزهرية لحمل الورود، فتفاوض على شرائها، إلى أن فاز بها بثمن زهيد، وحملها مزهوًّا إلى المنزل، واستقرت فوق مكان سامق تحمل الورود والرياحين وتنثر البهجة حتى حين، وحان الحين لينتقلَ نادر إلى مسكن آخر، فطفقَ يُلملمُ حاجاته ويجمع متاعَه، وكانت القُلَّة من بين الجاجيات الضرورية والمُحبّبة إلى قلبه، فشرع يُنظّفها وينفضُ الترابَ العالق بها استعدادًا للرحيل، وبينما هو كذلك إذْ به يُرسل نظرة فاحصة بداخلها فيبصر شيئا عجيبا، ما هو يا ترى؟!
لقد ألفى لُفافةً قد حُشرت فيها حشرًا، فحاول إخراجها، وبصعوبة بالغة تخرج بعد كسر شيء من حافتها، فضّ نادر اللُّفافة فإذْ بها تحوي مبلغًا من المال يُقدَّر بستة آلاف ريال سعودي، هي لمصريٍ كان يعمل بالرياض، وقد دُسّت معه ورقة مكتوبة بخط رديء جدًا قرأه نادر بصعوبة، هذا مفاده:
( هذا قُوت عيالي، فمن وجده فليتقِّ الله فيهم وليتصل على هذا الرقم وترك اسمه)
تزلزل نادر وتسمّر مكانه من هول المفاجأة، يحدِّث نفسه:
أمعقولٌ هذا؟!
أما زلنا في عصر المعجزات، أم إنها ثمرة التقوي والكرامات؟!
وجال بخاطره قصة (الخَشَبة) وكيف أن الله سبحانه وتعالى يجبرُ المنكسرين ويكفي المتوكلين ولا يٌخيّب رجاء الراجين؛ فرقّ قلبُه ودمعَت عيناه وازداد قربًا من خالقه ومولاه،
وجالت بخاطره الآية الكريمة:
“وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَٰفًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا”
اتصل نادر على الفور بالرقم المُودع مع اللفافة يسأل عن الاسم المُرفق ليجده قد توفي، فتسأل زوجته: هل عليه دين فنسده؟
قال لا، بل له عندنا مال، ثم نسَّق أخو الزوجة مع نادر مرسِلًا له العنوان بعد أن ضاعفَ المبلغ ليصل إلى عشرين ألفا!
ثم يسأل نادر: هل عنده بنات؟
أُجيب: نعم عنده بنتان، فقطع وعدًا على نفسه بتجهيزهما والتكفل بزواجهما.
ذهب نادر بعد ذلك إلى منطقة ( منفوحة ) بالرياض ومعه القُلَّة ليسأل عن ذلك المصري الذي كان يعمل هناك، وعلم أنه كان يعمل دهّانًا وتُوفي من أربعة أشهر فقط!
فقال لزملائه: هل تعرفون هذه القُلَّة، أجابوا: نعم كان يدسُّ فيها أمواله ليرسلها لأولاده، ولكن كيف وصلتك؟!
فأخبرهم بالقصة، ثم سألهم:
وكيف كان حاله مع الله؟
فيجيب المهندسان اللذان كان يعمل معهما:
لقد كان أفضلنا؛ كان يقرأ القرآن الكريم بصورة منتظمة، ويستغفر الله كثيرًا، ثم ينام مبكرًا، لايُضمر حقدا لأحد،
ثم انتباتهم بعد ذلك نوبة هستيرية من البكاء لمّا علموا بتفاصيل قصة القُلَّة وصَونِ الله لها، وكيف تناقلتها الأيدي مصحوبةً بحفظ الله، تحملُ رزق أولاده حتى تستقر الأمانة في أيدي أصحابها زائدة غير منقوصة!
واستحال حالهم إلى الأفضل؛ من لهو ومجون إلى التزام وقرب من الله، وذلك بعدما عاينوا تلك الآية العجيبة!
ينقشُ نادر القصة على جِدار القُلّة للذكرى،
وفي معرض الرياض الثقافي اختيرت هذه القصة لنيل جائزة أحسن قصة قصيرة، ويرفضُ نادر أخذ الجائزة الثمينة آنذاك قائلا: إنه اختبار من الله، وآمل أن أكون قد اجتزتُه، ولقد جعلني الله سببا في حفظ مال الرجل وتلا قول الله:
“…فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّا آتَاكُم بَلْ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ”
يعلو النحيبُ داخل اللجنة المُحكِّمة ويتواصل البكاء تأثرًا بهذه القصة العجيبة وعِفّة نادر وترفّعه؛ فقد كان يعمل مع الله يبتغي الأجر منه ـ سبحانه وتعالى ـ لا مِن غيره.

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: