شعر الوداد وشعر الغزل

الطبيب نوري سراج الوائلي – نيويورك

الشعرُ قلبُ اللغةِ، تقوده ويقودها، تحفظه ويحفظها. تعلو به ويعلو بها. هو تاريخُ الأمة وحالتها وظروفها. هو صورٌ وتوثيقٌ لمميزاتِ وأحوالِ الزمان ومعتقداتِ الناسِ وأنماط الحكمِ والمجتمعِ والقبيلة والثقافات التي تنطبع على أفكار الشاعر. كلّ هذه المتغيرات تخرجُ في صور ولوحات الشعر. ولن يكون الشعر شعرا إذا لم يؤثر بالمحيط.
الشعر غاية وصنعة. والصنعة هي المقدرة على نظم الشعر والتصوير والرسم والخيال والمغالاة وبعض الأحيان الكذب والنفاق. فالشعر نظْمٌ وتصويرٌ يلفت انتباه السامع أو القارئ. ولكلّ شعر غاية وغرض. واهم أغراض الشعر الغزل والمديح والرثاء والهجاء والفخر والحكمة. وأهم ما في الشعر غايته. فلا خير في شعرٍ غايته مفسدة حتّى وإن كان عظيم الصنعة. ولا خير في شاعرٍ يجيد الصنعةَ ويفسدُ الأمة. الشاعر صورة لعقيدته ومبادئه ونفسه التي إذا صلحت صلح شعره وإذا فسدت فسد شعره.

من الشعر نعرفُ كثيراً من التاريخ بخيره وشره، بجماله وبقبحه. نعرفُ أحوال الناس والأمم والحكام والحروب والصراعات. التأثير الشخصي للشاعر يقوده أيضا لاختيار ما يعتقده ملائما لما يهوى ويطمح ويعتقد. فنشأت أغراضٌ متعددة في الشعر أشهرها شعر الغزل، والذي يتكلم بصورة خاصة عن الأنثى وإبراز جمالها ومفاتنها ومناطق الإغراء فيها. والشاعر هنا غالبا ما ينشد من أجل الجنسِ والشهوةِ والعشقِ والحبِّ واللهوِ. وشعر الغزل ليس أكثر أغراض الشعر تداولا بين الشعراء فقط، بل هو الشعر المغنى أكثر من غيره. ففي أنغامه تقامُ الحفلات، ويشربُ الخمر، ويكثرُ الطربُ، وتستباحُ المحرمات، ويعيشُ الناسُ في لهوٍ، وتذهبُ عقولهم في خيالات الجنسِ والمتعةِ.

وبعد أن ظهرت وسائلِ التواصلِ الاجتماعي والتلفاز والإنترنيت والذي أدى إلى تفاعل الناس مباشرة مع الحدث بالتعليق أو المتابعة، نجدُ أكثر الشعراء شهرةً ومتابعةً من العامة هم شعراء الغزل، وخاصة الشاعرات اللواتي يكتبن شعر الغزل. ويحرص عادة شعراء الغزل على نشر كتاباتهم مصحوبة بصور الفتيات الجميلات وحتى العاريات من النساء. في كلّ مكان تتلقفُ وسائلُ الأعلام أغاني المطربات والمطربين وقصائدَ الغزلِ الداعية للعشق والاشتياق والجنس لتكون مادةً دسمةً للنشر والشهرةِ والثراءِ.

وفي فترات متباينة تراجعت قصائدُ الحكمة والوعي والإرشاد وغيرها من أغراض الشعر الأخرى أمام شعر الغزل وخاصة المثير للغرائز.
الشاعر هو المبدع الذي رُزق وعُلّم بفطرته صياغة الكلام الموزون والمقفى. له القدرة على التصوير والربط والتأثر بالمحيط. بإبداعه وطرحه يؤثر بالمحيط الإنساني. إذن الشاعر أداة تعبّر عن الأحوال والحياة في فترةٍ زمنيةٍ معينةٍ تدفعه للكتابة عنها. فكلّ ما يقوله مرهون بما حوله، وكلّ ما ينظّمه مرهون ومقيد باللغة التي تقوده أكثر مما يقودها. وكذلك فالشاعر يكتب عن التاريخ وأحداثه ودوله ونادرا ما يكتب عن المستقبل.
عند الغالبية من الشعراء على مر العصور ليس هناك مقياس اسمه الحرام والحلال في مفهوم الشعر، بل إنّ المقياس هو الشهرة والثراء، بأي بيت أو أي طريق لا يهم. إنّ ثقافة الشاعر وتربيته وعقيدته ونفسه وعائلته وبيئته لها التأثير المباشر على اختيار الشاعر لأغراض الشعر. فمن المستحيل مثلا تجد شاعرا يعتقد بوجود الله ويؤمن بيوم الحساب ووجود مراقبة سماوية على كلّ ما يكتب أن يتخطّى حدود الحرام والحلال. فالشاعر الذي يتغزّل بالمرأة ويظهر مفاتنها ويقدمها سلعة للمتعةِ والجنسِ لا يمكن أن يكون مؤمنًا ويتّبع مقياس الحلال والحرام. الشاعر الذي يمجدُ الظالم ويتسول على بابه من أجل الدرهم والشهرة لا يمكن أن يكون مؤمنًا ويقوده مقياس الحلال والحرام. الشاعر الذي يبيع قلمه وحرفه للفاسدين والظالمين ومؤسسات الفسقِ والفجورِ لا يمكن أن يكون مؤمنًا بمقياس الحلال والحرام.
من هذه المقدمة رأيت بإنّ شعر الغزل ممكن أن يسير بطريقٍ غير طريقه الذي سلكه ويسلكه. ذلك الطريق الذي عبده الشعراء بالرذيلة والتعرية والفسوق. لنجعل غاية شعر الغزل هو حجاب المرأة بدل عريها، وتمجيدها بدل إذلالها، وشرائها بدل بيعها، وتكريمها كأميرة في بيتها وأهلها وعشيرتها ومجتمعها وليس سلعة معروضة للبيع والرابح من يدفع الأكثر. وأيضا تصويرها كمعلمة للمجتمع ومربية للأجيال وقائدة للرجال العظام وليس جارية ووسيلة لمتعة الرجل بصورة مخجلة، تحط من قيمتها وقدرها. فليكن لنا غرض جديد للشعر اسمه شعر الوداد.
{وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ}
شعر الوداد يُكتب بكلّ أنواع الشعر وبحوره وحتّى النثر. هو الشعرُ الذي يصف معالمَ الجمال الروحي والجسدي للمرأة على إنّها آية من آيات الله في خلقه. يقدمها بدون تصوير أو إسراف أو غلو. يبتعد عن اظهار مفاتنها وما يثير الغريزة والشهوة ويمهد الطريق للفاحشة.
هو الشعر الذي يحثّ الرجل والمرأة على التقارب والمحبة والانسجام لبناء الأسرة الكريمة وليس لإشباع نزوات عابرة أو هوى يتنقل من شخص إلى آخر.
هو الشعر الذي يركز على الجمال الروحي للمرأة والذي يشمل العاطفة والأمومة وما للمرأة من دور بارز في توجيه الرجل وبناء الجيل والحفاظ على عش الزوجية والمساهمة في بناء المجتمع في مجال الصحة والتعليم.
هو الشعر الذي يرفع المرأة ويكرمها ويحجّبها ويعلو بها كشعر رفيعٍ سامٍ بناءٍ ومثمر.
أصغتُ بمنهجي شعرَ الودادِ
عفيفًا في الحروفِ وفي المرادِ
يصوّرُ في النساءِ بديع سحْرٍ
ويظهر كلّ حسْنٍ في العبادِ
ويتقنُ بالبلاغةِ وصف عشقٍ
يزكيّه بتقوى واجتهادِ
من الأخلاق يبدأ كلّ وصفٍ
وينتهجُ الكتابةَ بالرشادِ

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: