شعرية الوطن فى المشروع الشعرى لأسامة مهران 

دكتور أحمد فرحات

يقدم أسامة مهران منظومة شعرية للتعبير عن الوطن، يكمن السر فى منظومته فى استحضار الواقع الأليم للوطن، وما يدور فيه من اضطرابات ومحن، فكان لزاما على الشاعر أن يبتعد قليلا عن الوطن لكى يراه فى أصدائه الوجدانية؛ لأن الشاعر إذا التصق بالواقع فقد رؤيته، فلا بد أن يتخذ مسافة حتى يمكن أن تتضح له الصورة كاملة وواضحة.
فعندما يبتعد الإنسان عن وطنه يتشوف إليه عبر أثيره، عبر حكاياه القديمة، أصدقائه، رموزه وأعلامه، شهدائه.. يلتذ بذكر اسمه، ويتهيب منبره، فترتعش أطرافه شوقا وحنينا، وكلها مظاهر شوق وحنين إلى الوطن..
غلاف الكتاب
هيهاتَ إذن أن أستمع إليكَ
إلى موجاتك فى
جُنحِ الليلِ
وأصواتكَ
عبر المذياعِ
ويتجرع الشاعر حنينه أسى داميا، كلما اقترب منه أو ابتعد مرغما عنه، وهو فى القرب أو فى البعد مصاب بالنوستالجيا التى تثير عواطفه بشدة، وتشعره برضا نفسى يستقر فى وعيه ووجدانه، مما يمنحه رغبة فى الاستمرار بالعيش، وخوض تجارب جديدة، ربما يرى من خلالها الأشياء مقلوبة رأسا على عقب، فالهرم رمز الشموخ المصرى مقلوب، وكذا كل الأوضاع التى يلقاها..
ها أنذا يا سادةَ أمتنا
مقتربٌ
«من وطنى المحبوب»
ها أنذا مبتعدٌ
من قوت القلبِ الدامى
ومن عصب العينِ
المترامى
ومن هرمٍ مقلوبْ
تمثل النزعة التقريرية والحسية المباشرة وأدًا للشعر فى مهده، ولا سيما فى الشعر المعاصر، حيث جنحت الحياة برمتها إلى العبثية واللامعقول، فغدا التعبير عن العالم يكون بلغة مشابهة. وعلى الرغم من ذلك فقد لامس الشاعر فى بعض جمله وتعابيره تلك المباشرة، وإن جنحت لغته إلى الرمز تارة، وذكر الشىء ونقيضه فى آن واحد، تارة أخرى. وربما يعزو ذلك إلى تيمة الشعر الوطنى التى يغلب عليها الوضوح فى التعبير، والرؤية المنكشفة، نظرا لسطوع وقع الأحداث وتفاعله معها سريعا..
لا وقت أضيعه اليوم
فى صبرى
أو صبرك
أو فى غفلة صبحٍ يأخذنا
لمرارٍ آخرَ
أو أرضٍ أخرى
أو نهرٍ آخرَ.
ولكى يتحقق الموقف الشعرى للوطن وأزمته لا بد من تحقق عدة أمور تتعاضد معا لإنتاج دلالة نوعية لصورة الوطن عند الشاعر أسامة مهران، ومن هذه الأمورالتى تتكرر فى مجمل أعماله:
مفارقة الزمن بين الماضى والحاضر والمستقبل. (صيادٌ يتبع عادًا وثمودْ/ يتجول فى عفةِ/ أهل البيتِ) فالانتقال من عاد وثمود إلى أهل البيت إسقاط على الحاضر المأزوم يشير إلى الالتفات إلى استشراف المستقبل المجهول.
تعارض الحالات وتناقضها بين ما هو كائن وما ينبغى أن يكون. أو بين وضع عام لبلدتين جارتين بينهما ما بينهما من فوارق، يرصده الشاعر عبر تعارض حالين مختلفين:
بلدةُ أبناء العمِ الأبعدِ/ تحت الأنقاضِ،/ لا مخلوقًا يحيا بين فُتات الحيّاتِ،/وبين موات الأشجارِ/ فهل فيكم من ينقذ شعبًا مكلومًا،/ أو غضبًا محسومًا/ أو شجنًا فياضًا،/ أو شبحًا يبحث عن قطرةِ ماءٍ/ ما بين النهر وبين الأحواضِ/ يا أول أعداء الحرية/ يا أيام الأعيادْ. صلابة الصمود الروحى للشاعر، وإصراره على ثبات الموقف الفكرى لبعض القضايا المثارة داخل الوطن. فحديثه عن الوطن/ مصر فيه إصرار وإرادة (إلا أنتِ/ كنتِ لى/ أو ما كنتِ) أو قوله فى ديوان عالم افتراضى، مكرسا للضمير المتكلم جهده كله:
كأنَّنى اكتَفَيْتُ أنْ أطِيرْ/ أنْ أُعانِقَ الطُّيورَ/ فيْ روضَاتِهَا/ وأربِطَ الأحزَانَ فى خِيُولىَ/ وأقْطَعَ الأرْحَامَ فى خَيَالىَ/ وأرتَضِى فى الرِّحلةِ البَعيدة.
التشبث بالحلم، وأنه ما زال ممكنا أن يخرج الوطن من الأزمات المتتالية، بقليل من الصبر والإرادة. تأمل قوله:
أستحلفك بأن/ تستخلص كل رماحكَ/ ونواح صباحكَ/ من جسدٍ مخليٍّ/ أن تتجنب أى نوايا مجنونة/ حتى لو حَصَّنها الفاعلُ/ بعماماتٍ عاريةٍ / ودماءٍ جاريةٍ/ ونداءاتٍ من أم محزونة/ هل يتساقط إجماع الحسرةِ/ فى ميدانٍ يحملُ/ من أحشاء بنيه/ دوامةَ حلم؟/ «ليلٌ خاصٌ يحملني/ لترانيم البوحِ/ وينساني/ لا أذكر أيَّ/ نساءٍ تكرهني/ أو أيّا منهن مع الرحلةِ/ تهواني/ ليلٌ خاصٌ يدركنى/ حين أفكر وأعاني/ وأغادر همسًا ممسوسًا/ بضياع الإصحاح الأولِ/ لحساب الإصحاح الثانى.
ستجد مفردات قاسية قبل الحلم: الرماح/النواح/النوايا المجنونة/ التحصين/ العمامات العارية/ الدماء الجارية/ الأم المحزونة/ الميدان.. ثم يأتى الحلم لتظهر مفردات مشابهة.. الليل/ النسيان/ الكره/ المعاناة/ الهمس/ الإصحاح الأول/ الإصحاح الثانى.. فالتشبث بالأحلام تقنية فنية وظفها الشاعر لإنتاج دلالة جديدة، أو لإلقاء مركزية الضوء على ما يدور فى الوطن (الميدان) من نواح وجراح ومعاناة أم مكلومة.. ومما يزيد الأسلوب اللغوى للشاعر غير «الموضوع الشعرى»، وذكر «الشىء ونقيضه» فى آن واحد، جريان الجملة الشعرية على نسق مستقيم جلى، فالنداء يجىء طبيعيا، والفعل يتبعه الفاعل، والمبتدأ يلزمه الخبر، ويأتى سريعا دون خفاء، ولتكرار الجمل دور مهم فى مباشرة المعنى، وترتيبه وتنظيمه داخل جهاز الاستقبال. مما يعمل على نقل المعنى دون توسعة، أو تضييق. فالمعانى عند الشاعر أسامة مهران غالبا ما تكون دون الألفاظ، وأنه لا يستدعى نافرا، ولا يستعطف معرضا. وهو لا ينشد ضالا، ولا يؤنس وحشيا، على حد تعبير ابن المظفر الحاتمى.
يا من كنت الوطنَ الصافى/ والحامل أكتافى/ يا مثقال الذرةِ/ فى أحشائى/ والمتكامل فى أوصافى/ يا من كنتِ أمام/ وورائى/ يا قرةَ عينى/ يا عزةَ نفسى/ وقلامةَ ظفرٍ/ وعلامة أسفارٍ/ فوق ردائى/ هل فيكِ/ معالمُ أخرى/ تتنقل بينَ/ الوادى المبهمِ/ لتقيم الدهرَ الباقي/ فى أعضائى؟!
تتجلى ملامح الشعر الوطنى عند أسامة مهران عبر حنينه الدائم إلى مواطن الذكريات؛ ولذا يكثر حضور المفردة الوطنية كالهرم، النيل، كنائس مصر ومساجدها، شخصيات مصرية تاريخية، ورثاء الرموز التاريخية والسياسية.
يغلف الشاعر أسامة مهران محورية الوطن بحزن شفيف، يغطى أرجاء المكان برمته، وما ذكر الوطن فى شعره إلا مقرونا بالحزن القاتم، حتى الطيور ثكلى، تطير وتنشر الحزن فوق الأغصان، اتخذ من العصفور معادلا موضوعيا ليبث حزنه الدفين فى الأماكن والطرقات حيث ينتثر الحزن فوق صفحات الفضاء المترامى كالنجوم المتراصة فى الفضاء، فيستخدم لذلك أسلوبى أمر ونداء وتعليل ليصل فى نهاية المطاف إلى جعل اللغة الشعرية ذات لمسة حزينة.
انطلقى أيتها العصفورةُ الثكلى/ إلى الفضاءْ/ انطلقى من لحظةِ الحزن على الغصنِ/ لتأخذَ الأشياءُ أشكالَ البكاءْ/ ويأخذُ البكاءُ أشكال الوطنْ.
ويبدو أن هذا العصفور الحزين الذى ملأ الدنيا حزنا رمز شعرى لموت الزعيم جمال عبد الناصر، وقد كسا الحزن وجه الوطن، فنراه يقول فى قصيدة رثائه..
فى غمضة عينٍ/ رحل الأبْ/بسرعة عصفورٍ أنهكهُ/ نبضُ المشوار الصعبْ/ انطفأت ضوضاءُ الشارعِ/ إيذانًا بترجل شعبْ/ كان الأفق مليئًا بشظايا محترقة/ وعذارى منتحرة.
فى شعر أسامة مهران الوطنى إشارات خاطفة تبدو كظاهرة لافتة فى شعره، تتمحور هذه الإشارات حول كلمة أو جملة أو عبارة تشير إلى أغنية شهيرة لها ارتباط بالوجدان المصرى العام، ولها فى ضمير الشاعر ذكرى طيبة أو حزينة أو حماسية، ومجرد ظهور هذه الكلمات على سطح الرقعة الشعرية فإنها تفجر كثيرا من طاقات الحنين والعودة إلى الطفولة الخضراء، فى كنف الوطن.
وأحيانا يكون ترصيع الكلمات وتنضيدها كلمات شهيرة لأغنية معروفة، وتكون بمثابة الإبرة التى توخز سطح الجلد سريعة لكنها تفجر الدماء بغزارة، وهو فى هذه الحال يكتفى بدور واخز الإبرة فينبعث من القلب حنين دافئ، يفجر الذكريات، ويلهب المشاعر، فتأمل قوله (يا مالكة القلب/ عيدك أكبر منى) فيستدعى كلمات الأغنية الشهيرة يا مالكة القلب للشاعر الغنائى صالح جودت، وغناء فريد الأطرش، فيتجاور لحن الكلمات مع القصيدة فى جديلة شعرية تتضافر لإنتاج دلالة جديدة ومن ثم نسلها فى معان جديدة كحشرجة الشوك، أو اهتزاز الذكرى. فيقول:
يا مَالكةَ القَلبِ/ عيدُكِ أكبرُ مِنِّى/ وأبعدُ إذكارٍ/ فى حَقِيبةٍ/ كانَ كذَلكَ مُلهِمَتِى/ أوْ مَا كانَ/ حينَ أُنَصِّبُكِ فوقَ مِنَصَّةِ أرقَامِى/ وأمامَ جُنُونِ الدَّمعِ/المتَجَمِّرِ فى الوِجدَان/ أستَشْفِى فى نَفسِى/ وأحمِلُ مَا يتعثَّرُ مِنْ كلمَاتِى/ أوْ مَا يتلكَّأُ منْ خُطواتِى/ أو مَا يتمَادَى فى شَطحَاتِى/ حينَ أعودُ إليْكِ/ بباقَةِ وردٍ/ أوْ قِطعَةِ حلوَىَ/ أوْ بالزَّمنِ العَائدِ/ منْ فرصَةِ عُمرٍ للتوبةِ/ بعدَ العصيَانْ/ لمْ أمْلُكْ فى مِيلادِكِ/ غيرَ الشَّوكِ الُمتَحشْرِجِ/ فى كفِّى/ غيرَ الذكرَىَ المهزوزَةِ/ فى ضعفِى. وربما أخذ الشاعر عبارات شهيرة وحور فيها ليقلب معناها كعبارة أزمة منتصف العمر، وهى مرحلة عمرية يختلف فيها منظور الشخص للأشياء والوقائع، ويختلف تعامله معها، وكأنه يقوم بتكوين شخصيته من جديد. فيأخذها فى أكثر من نص ليقول (أزمة منتصف الحب) أو قوله (محنة منتصف الليل).
ويكون التناص حرفيا مع نشيد (وطنى وصبايا وأحلامى) للشاعر أحمد مخيمر، وغناء نجاة الصغيرة، وعبد الرءوف إسماعيل، فينقله حرفيا كعنوان لقصيدة، يقول فيها..
أسميتك/ تاريخ ميلادى/ وحصوة ملحِ/ من طَينة أجدادى/ لم أسألكِ/ عن لون طباعكِ/ عن قفاز ذراعكِ/عن شكلك حين تلمين/ الضوء الخافت/ من جوفِ الأبعادِ/ لا أغزو صفحتكِ الرسمية/ كى أعرف عنكِ/ ما لا أعرفه بحرية/ لم أفرض نفسى.

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: