سيف المعز

 سيف المعز

محمود حمدون

 

لم أرتكب جريمة عظمى كما يقولون, فقط غلَبتْني طبيعتي الإنسانية, ساقني ضعفي البشري أمامه, فاستشعرت الحرج أن أكمل المشوار, قلت وأنا أشاهد الخلق يعيشون حياتهم, لا يهتمون بوجودي بينهم, يسخرون منّي كلما التقيتهم: علام كل هذا؟ يمضي العمر, لا فائدة من الجهد الضائع معهم, أو.. ما يعنيني أنا من وراء هذا!

عزمت قبل ثلاثة أعوام أن أتوقف عن مهمتي, أن أعتزل مبكرًا, بخاصة وأنني لم أحصل على أي مقابل, فعملي تطوعي من بدايته, فهل قرا ري هذا يضر أحدًا؟ هل أثاب على ما بذلت من جهد سابقًا أم أعاقب ؟

أعلم أن قواي خارت, لكنها لم تنهار فجأة, بل جاء ذلك بعد وقت طويل من الجدل والمشاحنات مع القوم, عرضتُ عليهم الحقيقة, قلت لهم: جئتكم أحملت  لكم كل الخير. غير أنهم أعرضوا عنّي, وبَّخوني, جاء سبابهم كرذاذ أغرق ملابسي, كما طالت شتائمهم جدودي السابقين.

لقد أفقت على حقيقة مرّة, قلت لنفسي: لمَ هذا العبث؟ لقد ندمت على قبولي المهمة, أو رأيتني على حقيقتي البشرية, عاجز عن الاستمرار فيها, فأنا من أرباب أنصاف الطرق, لا أكمل مسيرة لنهايتها, لم أصل أبدأ لنهاية لطريق مشيته بإرادتي, فهل أجبر الآن على بلوغ غاية لا أومن بها.

لذلك انتظرت حتى نام الجميع, حملت أغراضي قبيل الفجر, خرجت كاللصوص أتخفّى وراء الجدران, أتحسس موطئ قدميّ بحرص, ركبت عربات ماشية وأخرى تحمل فاكهة وخضروات, كما قطعت مسافات كبيرة على قدميّ وإن لم أحصها من كثرتها عددًا, اندسست وسط الموالد, عملت خادمًا لفترة في مقامات الأولياء في الريف وعلى أطراف التخوم, حتى ظننت أنني أصبحت بملاذ آمن, لم أنس أن أخفي شخصيتي الحقيقية عن الجميع, فقد أطلت لحيتي, ارتديت أسمال المجاذيب, ثم انغمست وسط قوم يهمّون بعبور البحر المالح,  قبلوا بوجودي بينهم شفقة شريطة أن أكون في خدمة السادة على السفينة, أن أنام على سطحها دون غطاء, قد رضيت, فمن قبل قبلت بالهوان في سبيل رسالة ظننها هي سر حياتي…

لست أذكر كمّ مر عليّ, أسبوع, أو شهر أو ربما عام! لا أعلم يقينًا, فبعدما فقدت أثر اليابسة, سقط من عقلي كل حساب أو تقدير لم أعد أرى غير اللون الأزرق  يحيط بي من كل جانب.

كغريق أفاق على دلو من ماء بارد يندلق على رأسه’ كذلك ثُبت إلى رشدي حينما القى بي الناس من أعلى صاري على المركب, شيّعوني بغلظة قائلين: يا “أنيس”, بَلَغَنا أن ربيب نعمتك غاضب من فرارك, نحن  نخشى بأسه,  لطالما ارتعبنا من مجرد ذكر اسمه بيننا لذلك رأينا الخلاص منك واجب.

لم أتفاجئ, فلطالما سمعت عن آخرين لم يفلحوا أبدًا في الفرار من قبل, لعلي كنت أتنسم عبير الحرية, التمرّد اليسير لفترة, أدركت أنني عائد لا محالة, لذلك كنت اضع رحلي تحت رأسي أو جواري دومًا كمن يستعد للعودة.

تهيأت لهذه اللحظة منذ أن صعدت لسطح المركب, لذلك حكيت لهم حكايتي  من بدايتها وأنا أحتضن بقجتي وارتعد من البرد وسط اليم, قلت لهم عن جريرتي وأنها لا ترقى للخيانة أو الجريمة الشنعاء, أنني ما أردت إلاّ أن أعتزل, ألّا أُكمل المسيرة, هذا حق لي, كنت أتحدث وأنفاسي تختنق من الحزن بينما دموعي تسبقني حتى ظننت أن البحر زادت ملوحته  فلم يستسغها السمك, فهجر المنطقة كلها.

لكنهم لم يستمعوا إليّ, أداروا دفّتهم إلى الجهة الأخرى, انطلقوا إلى عالمهم وتركوني لدنيا ضاقت من قبل في عيني, حين رغبت في الفرار منها, لم يُسمح لي.

قيل لي بعدما أفقت ووجدت نفسي على يابسة محمولًا على أيدي أربعة شداد وأنا منهك القوى: يا أنيس, لا يفرّ منّا من كلّفناه بأمر, أكنت تحسب أن لن نقدر عليك؟ أتهرب من قدرك إلى قدرك؟

بعدما لملمت شتاتي, جثوت على ركبتي, رجوتهم الغفران, أعدت عليهم قصتي كاملة, لم يهتموا بكلامي, قالوا لي: اِنتظر قرارًا بشأنك. أعرضوا عنّي بعض الوقت, عاد رسولهم إليّ يحمل بشرى, يقول: غُفر لك ما فعلته من قبل, ثم ألقى إليّ بملابس جديدة, عمامة زاهية الألوان تعلوها ريشة طاووس  زرقاء تميل للسواد, وصُرَّة من النقود, حملتها بيدي فبدت ثقيلة, كما خفّف الصوت المعدني للذهب قليلًا من قلقي.

بعدما تأنقت أمام المرآة, وضعت المال في جيوبي, أسرعت إلى قومي, أبشرهم ببداية جديدة لها بريق الذهب, قلت لهم: فقدتُ في البحر” سيف المعز” , غير أنه لم يبق معي غير ذهبه, فأقْبَلوا عليّ أفواجًا.

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: