سوق الكانتو ونسقية نجيب محفوظ

سوق الكانتو ونسقية نجيب محفوظ

الأستاذ الدكتور سيد محمد السيد

 

هل يمكن قراءة نسق حضاري عن طريق تحليل قصة قصيرة؟

هذه فرضية، تتطلب منهجا للقراءة، والمنهج النقدي طريقة لاستخلاص معرفة جديدة من العمل الفني، هذا المنظور يضع التوجّه المعرفي مفتاحا لفهم العمل، ولأن غاية قراءة الإبداع الوصول إلى كيفية إنتاج الأدب مع الوضع في الاعتبار العلاقة الإحالية بين النص والعالم، فإن المعالجة النصية لا يمكن أن تعزل التكوين الجمالي عن المرجعية الحضارية التي يطالعها الإنسان في الوجود، ويتابعها في الأخبار، ويستقبلها في دروس التاريخ، لذلك يمكن أن تتضام بعض المناهج النقدية معا دون تناقض في قراءة العمل الإبداعي.

تفترض القراءة النقدية أنها محاولة لمقاربة دلالة عميقة توصّل إليها مرسل النص، أي المؤلف الذي يدرك كيف يدمج الأفكار في الأسلوب وهو يرسم صورة تحاكي ملامح العالم التي يحملها المتلقي في مخيلته، هذه الملامح التي تمتلك مرجعية في البيت والمدينة والقرية والطبيعة، إن الواقع المحيط بالذات مجموعة كبيرة من المعطيات المتناثرة، وتسعى تلك الذات العاقلة المتأمّلة لمعرفة العلاقات التي تربط بين محتويات الوجود من حولها.

هنا نصل إلى القصة القصيرة التي نحاول فهمها في ضوء الموقف الحضاري لمؤلفها، القصة هي “سوق الكانتو” من مجموعة “بيت سيئ السمعة” والكاتب هو “نجيب محفوظ” ولسنا في حاجة إلى القول بأن نجيب محفوظ مبدع له مرجعية فلسفية ينطلق منها في وضع تصميم العمل، أي أن نص محفوظ يوازي خطط المدن بشكل ما، ولأن خطة المدينة تفي باحتياجات سكانها وفقا لنسق حضاري يحدد موقع البناء وأغراضه والعلاقة بين مكوناته، فإن إبداع نجيب يقوم على النسق نفسه، وهذا الفهم لا نفرضه فرضا نتيجة الإسراف التأويلي إنما هو ملامح شخصية محفوظ الذي يعد أدبه مرايا لعاصمته القاهرة التي وضعت بصمتها هوية محفوظ الإبداعية فوضعها إبداع محفوظ في متحف السرد العالمي.

عنوان القصة ليس مثيرا لدهشة القارئ الذي اعتاد وجود الأماكن في عناوين أعمال نجيب محفوظ بخاصة الأماكن التي لها مرجعية في القاهرة، ومحفوظ أديب القاهرة، فهل يترك معلما من معالمها لا يكتب عنه؟! وهذا المعلم “سوق الكانتو” مشحون بأجواء تفرز الدراما، فالقارئ سيدخل من العنوان – بوصفه عتبة نصية كما نقول في النقد المعاصر – عالما حيويا مزدحما بالشخصيات والأحداث، أصواته لا تهدأ، حركته لا تكاد تتوقف، يعرفه القاصي والداني من سكان مدينة القاهرة والوافدين إليها من الأقاليم، هذا هو عالم العنوان “سوق الكانتو” الذي تعرض فيه البضائع للبسطاء من أهل هامش العاصمة، إن العنوان يختار هذا المكان القاهري الجدير بموقع في الخطط السردية المحفوظية.

فإذا انتقلنا من الإحالة المرجعية للعنوان، أي استحضار العنوان لمكان بعينه في العاصمة التي يكتب عنها محفوظ، إلى بنية العنوان سنجد أن العنوان “سوق الكانتو” يتخذ من بنية الإضافة علامة قصصية، وربما تحفّز هذه البنية عملية القراءة لتناول مفهوم الإضافة وعلاقته بمفهوم الإبداع، واللغة تفتح مدينة المفاهيم لأنها النسق الذي ينظّم النشاط الذهني للبشر. ما الإبداع؟ إن الإبداع اختيار الإضافة، فالمبدع لا يهتم بما يحصل عليه من العالم إنما بما يمنحه لرصيد البشرية، والتركيب الإضافي في النحو (مضاف + مضاف إليه) بنية محورية في الإشارة إلى الأديب بإضافته إلى عمله (ديوان زهير، مقامات بديع الزمان، مسرح الحكيم) ومن علاقة المبدع بالعمل اكتسبت هذه البنية حق تأطير الأعمال الأدبية بالعنونة (آلام فارتر، قصة مدينتين، بيت الدمية).

من النسق الإضافي ينطلق نجيب محفوظ في كثير من عناوينه بوعي المؤصل، الذي يريد أن يضيف نفسه إلى أعمدة الإبداع في العالم، فهو ينحت وجوده في المعمار مع العلامات البارزة المؤسسة لإبداع يتجاوز الأقاليم والعصور والمدارس الفنية، النسق الإضافي في عناوين محفوظ علامة دمج تحدد الهوية متجاوزة الوحدة والعشوائية، علامة تصنيف معرفي يصل إليها الفكر بالمنطق، نستطيع وصف هذا الاختيار بالنمطية، لكن هذا التوصيف يطرح سؤالا بصدد النمط المقصود، إن التنميط في اختيار عناوين الإبداع هو سعي خالص للانضمام إلى الصفوة، محفوظ غير مأخوذ ببريق التجريب الوقتي الذي يبهر لحظة تلقي محددة، محفوظ صاحب مشروع إبداعي يبحث عن الاكتمال مثلما يفعل الفلاسفة الذين يحاولون وضع صياغة شاملة لتفسير الظواهر، هذا هو النمط الذي أدرج محفوظ أعماله فيه باختيار بنية الإضافة في عناوينه، تلك البنية التي استقرت في حفريات الإبداع البشري.

حين نصل في الحديث عن محفوظ إلى حقل العمران سيبدو تفسير آخر لنسق تأصيل المشروع الإبداعي عند محفوظ يطرح نفسه من البيئة التي ينتمي إليها وهي مصر، والهوية المصرية تتحقق في المعمار، ذاك النشاط الممتد من الأهرام إلى الآن، والمعمار تحقق في المكان يعبر الزمان، يتطلب معرفة واسعة عميقة بالأرض والمادة والأدوات والوظائف والغايات، يبدأ بالتخيّل والتصميم وتسكين الأفكار في البناء، محفوظ يدرك أنه ابن العمارة التي تسعى إلى إنجاز الأعمال الباقية، الآثار التي يصعب أن تندثر لأنها تجمع المادة والروح معا في صورة واضحة ناطقة بفكرة، وهذا هو الأصل في مرجعية نسق محفوظ، إنه يعبّر عن ثقافة تسمو إلى الخلود عن طريق بناء سامق متصاعد يصل الأرض بالسماء معبّرا عن محاولة المادة الاحتفاظ بالروح، أو انبثاق الروح في المادة، والأعمال التي يتحقق بها مشروعه تضاف إلى التاريخ الإبداعي المؤسس للحضارة مثلما فعل بناة الأهرام، ومثلما يجد محفوظ ابن القاهرة، مدينته أمامه حافلة بالآثار عبر العصور، ومثلما قرأ خطط المقريزي التي تصف تأسيس الحضارة الإسلامية في مصر، وكل تخطيط عمراني يتصل بتخطيط ثقافي، إن بناء المدن لا يحدث من فراغ إنما لتواكب المدينة مرحلة حضارية جديدة، وتتصل المراحل العمرانية معا في اللوحة  الظاهرة أمام الحس، وفي العمق يوجد رابط روحي جامع لتلك الظواهر المادية.

ونجيب محفوظ قارئ لثقافة بيئته فهو ابن طبقة متوسطة تشكّلت في مرحلة حضارية يتصاعد فيها سؤال الهوية مواكبا لثورة منظّمة (1919) تقودها نخبة سياسية مثقفة حاضنة لحركة شعبية تتطلّع للاستقلال والتطوّر، وحركة اجتماعية تزدهر بحصاد قرن من التحديث والتفاعل الثقافي، وتتوّج الحياة الفكرية بالجامعة الأهلية، وأول دكتوراه تناقش فيها ونجيب طفل لم يكمل الثالثة من عمره، نجيب في هذه الفترة يعيش في قلب عاصمته العريقة التي احتفظت بمكانتها على مدى قرون طويلة، وتبحث عن أديب ناطق بروحها، أديب فيلسوف من شوارعها وحاراتها ومدارسها وجامعتها القريبة على الشاطئ الآخر من النيل.

حينما نتأمّل عنوان “سوق الكانتو” نجد كلمة “سوق” الدالة على النشاط الحيوي اليومي لإشباع الاحتياج البشري، تدخل في بنية إضافية مع كلمة “الكانتو” التي تعني الناحية والزاوية والجانب، إننا في سوق جانبي، سوق المهمشين، سوق البضائع المستعملة second hand الرخيصة، في مقابل سوق آخر مركزي للجديد الثمين الخارج من المصنع للمشتري  المتأنّق المتألّق، هذا عنوان ثنائي يقوم على الحذف، فالسوق الآخر لابد أن يكون موجودا أو ممثلا في القصة، هذا ما يحدث، هناك علاقة وثيقة بين العالمين، يعيش “سوق الكانتو” على ما يستغني عنه سوق “أهل القمة” – عنوان قصة أخرى لمحفوظ – فأعمال محفوظ تتجاور مثلما تتجاور أحياء المدينة، والبحث عن النسق الذي يجمع هذا التجاور يفسّر الموقف الفكري لمحفوظ بصدد الوجود، مثلما يساعدنا فهم العلاقات بين البلدان المتجاورة على معرفة الأنساق المؤسسة للحضارة.

وجود “سوق الكانتو” نسق دال على وجود سوق مركزي، وما يباع في “سوق الكانتو” مأخوذ من ذاك السوق الآخر، سوق الجديد البرّاق، بعد أن يستهلكه أصحابه الذين لايسمحون لأهل “سوق الكانتو” بالاستيلاء على بضاعتهم الزاهية، ودراما القصة تقوم على ذلك، فهناك رابط بين العالمين، لكن سيطرة “اهل القمة” هي الأساس، في قصة “سوق الكانتو” يسرق “شنكل” البلطجي “جاكتة” ثمينة لأحد الوجهاء الذين ينتمون للسوق المركزي، لاحظ اسم “شنكل” فهو أداة ربط بين جهتين، يضع شنكل تعب عمره في “بطانة الجاكتة” المسروقة، محاولة للانتماء إلى عالم ليس له، ويسرق اللص الضعيف “حسونة” تلك “الجاكتة” وهو لا يعلم ما فيها ويبيعها لتاجر الروبابيكيا “رمضان” الذي يحمل بضاعة لا يستخدمها، ويعلم “حسونة” بأمر ثروة “البطانة” لكن “الجاكتة” تنتقل من شخصية لأخرى، ويتابع “حسونة” و”رمضان” رحلة “الجاكتة، ويصلان إليها، فإذا بـ “شنكل” ينقض عليهما ليأخذ ثروته، وفي اللحظة نفسها تنقض الشرطة على مجموعة “سوق الكانتو” لتعود “الجاكتة” إلى الثري ذي اللغد، وهو ليس بأقل شرا من اللصوص الصغيرة التي تعمل في “سوق الكانتو” ، لصوص الدرجة الثانية، إن صاحب “الجاكتة” من لصوص السوق المركزي، لصوص الدرجة الأولى، والضابط مازال ينتظر اللحظة التي يمكن أن يوقع فيها بذاك اللص الكبير.

إننا نتابع قصة “حسونة” وهو يحاول استعادة “الجاكتة” لكن خلف “حسونة” يقوم “شنكل” برحلة تتبع يظل خبرها مؤجلا – وبالمثل – يتعرض “شنكل” لمتابعة الشرطة، وتظل هذه المتابعة مؤجلة في الحكي، إن مشكلة “حسونة” مركبة، فهو لا ينتج، وهو لا يعرف، وهو لا يعي، كذلك مشكلة “شنكل” ومن لا يملك الإنتاج والمعرفة والقوة التي تحمي مكتسباته ينتهي به الأمر إلى الظلام، وكل سوق مركزي لابد أن يفرض إرادته على “سوق الكانتو” الذي يقع في هامشه، لكن إدراك هذا النسق يحتاج إلى عقل فيسلوف يتأمّل الواقع ويحلله ويستخلص العلاقات بين تكوينات الخريطة التي تحيط به، ويستطيع أن يتخذ من المشهد الخارجي أجواء لأحداث يمكن تخيّلها، ويقيم من علاقات الأمكنة المركزية والهامشية فضاء لصراع يومي، لكن هذا العالم المتوتر لا يمثّل واقعة اجتماعية محتملة أو درامية متخيّلة فقط إنما يصبح علامة تمثيلية للعالم الكبير ولقصة الإنسانية.

هذا هو نسق نجيب محفوظ القصصي، الأمكنة علاقات استعارية للإنتاج والمعرفة والقوى، والدراما تمثيل رمزي للحضارة، إن المشهد الخارجي يدخل في عملية تجريد تمنحه إحالة دلالية لمفاهيم أكبر وأعمق في تفاعلات التاريخ، إن أماكن محفوظ قارئة للحضارة، لأنه يحدد علاقاتها، والأماكن تنتج أنماط الشخصيات، ومثلما تكتسب المكانية بالتجريد دلالات اجتماعية وعالمية، تكتسب أنماط الشخصيات تلك الدلالات أيضا، إن العلاقات هي محاور الدلالات، ومثلما يوجد الفتوات والحرافيش يوجد السوق المركزي و”سوق الكانتو” في كل أشكال النشاط البشري، والثقافة لها سوقها البرّاق ولها “سوق الكانتو” وفهم تلك العلاقات الحضارية هو بداية المعرفة التي تدفع إلى طريق الابتكار، ذاك الطريق الذي خرج به نجيب محفوظ إلى العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: