ذاكرة الجمال  

منى مصطفى (الخنساء)

إلى طيفه الذي لا يفارقني:
تحية إليك معبّقة بطيب الأوركيد والنيم، ومحملة بالإعجاب والودّ والوفاء لقلبك النبيل أكتب لك اليوم لأثرثر معك دون هدف ولا غاية إلا مجرد الثرثرة مع حبيب، فاليوم زارني طيفُك بين الصحراء والبحر هنا في عجيبة، فاشتهيت وجودك بشدة، حاولت بكل ما أوتيت من ألم وعقل ورفاق وعائلة أن أتشاغل عنك ولكني فشلت، فاستجبت لرغبة عقلي وقلمي في الثرثرة معك، كما استجاب قلبي سابقًا لألفة بين قلبينا وأنس بك يملأ وجداني، ولا أعرف سرًّا لذلك إلا تعلق الروح بروح تشبهها أو تكملها
خالي الحبيب:
تتردد على أذني الآن ثرثرتي إليك وأنا على أعتاب الحياة الأولى، هل تذكر حديثي لك عن الحب؟، قلت لك وقتها: أنا أحلم أن ألتقي رجلا في سفر طويل أصحبه لأرى فيه معاني الرجولة التي حصّلها عقلي من القراءة ومعايشة سِير الرجال، ثم أسكب سنين عمري على مسامعه ونفترق، لا يعرف أحدنا أرضا للآخر
فقلتَ لي في غيرة شديدة واضحة وحكمة لا تخفى: وأين أنا إذًا؟ ما تنشدينه حبًّا لا يجيده الرجال!
ومنذ ذلك الحين وأنت الحبيب الذي لا يغيب، والصديق الذي لا يخذل، والخل الذي لا يغدر… عشت رفيق خيالي كل العمر ورفيق واقعي بعض العمر، فكنت مثال الرجل الفذ الحكيم، وبقيت لي الحبيب الذي لا يتغير أو يفتر، وما زادنا البعد إلا حبًّا وما زادنا القرب إلا وفاقًا
خالي الحبيب:
كأنك كنت تعلم مني ما لا أعلمه عن نفسي، ها هو العمر انقضى وما كنت لأجد حبيبًا غيرك أبدًا، فقد خصني الله بحياء فطري يمنعني من مجرد النظر في عين أي رجل… ورغم هذا العمر أقسم لك أنني لم أنظر في عين رجل أبدًا فضلًا عن أن أكلمه، فكثيرًا ما سافرت وقابلت ولكن بقيت أنا أنا، في سفري أغيب عن الجميع وأتأمل السحب التي تبدو كجبال من ثلج نطفو فوقها أو نركض خلفها متأملين قدرة الخالق سبحانه، وسطوة البشر الذين ما كُشف لهم من العلم إلا بقدر، ومع ذلك ظنوا بجهلهم أنهم قادرون عليها
فظل حلم ذلك الحب حلمًا وما رأى الواقع إلا في سويعات لقائنا… وكم من مرة بقيت أناجيك في أسفاري لأصف لك تلك السحابة التي تركض لتصيب باقي رزقها من الدنيا كسبًا كان أو بذلًا، ألَمًا كان أو فرحًا
واليوم عندما جلست هنا على شاطئ عجيبة حيث الجمال والجلال والهدوء والوصال بالله تعالى، احتجت إلى وجودك معي كعهدنا دائمًا، وفي اللحظة الأولى التي تكون فيها السطوة للعاطفة أمسكت بهاتفي كما كنت أفعل دائمًا؛ لأصف لك المكان وترد علي بعبارة ثابتة لا تغيرها: (انتظريني سآتيك حيث أنت)، ولكني ألغيتُ الاتصال بعد الرنة الأولى، تذكرت أنك لن تأتي أبدًا! أنك تركتني ولن تعود، تركتني في الدنيا بلا حبيب لروحي ورحلت عنها… لم تكمل عهدك معي، ولم تشاركني أشد مراحل عمري حاجة إليك، فجلست أبكي سنوات وصالنا، ثم واسيت نفسي قائلة: آمنت بالله الرحمن الرحيم فقد اختار لك جواره وهو الأحن الأكرم… ولكني لم أستطع منع نفسي من الثرثرة معك كما هو طبعي، فتجاوزت الموت وجلست بين الماء والسماء أحدثك عن الحب كما فعلت في أول لقاء بيننا كسرتَ فيه ببراعة جدار الخال، ووضعت مكانه حب الأب وحنان الأخ وصدق الرفيق، فكنت صنو النفس وبهجتها، وكانت لقاءاتنا القليلة الطويلة زاد روح أعيش به حتى ألقاك من العام للعام
هنا – خالي الحبيب – كل شيء حولي يستدعي وجودك، كل مشهد يثير أحاديث طوال كنا نتزود بها لنغذي أرواحنا في هذا العالم الجامد، كيف تمر هذه الرحلة ولا نسطر أحاديثنا حول الله والعباد والجمال والحسن والنظام والأمل والخلوة والحب والأدب والشعر والتجويد والوقف والوصل وتعدد القراءات والمعاني
حديثنا الذي نتأمل فيه الأنفس ونضحك من ضعفها أونبكي من قسوتها، أحاديثنا التي كانت تظهر كل زينة الدنيا بحجمها الطبيعي فلا نخضع لريبة ولا تغرينا مكاسب، كنا ننهي جلستنا وقلوبنا ملأى باليقين وحب الخير كأننا تحللنا بعد عمرة أوحج ومازال قلبنا كإحرامك أبيض نقي
أجلس هنا في محاريب الجمال ولكن لا ينكشف لي حسنها إلا بوجودك وجمال عقلك وتأملك… وما تذكرت حديثنا الأول عن الحب إلا لأني في أشد الاحتياج لوجودك، فقد ذهب العمر، وأصبحت الأم التي يُمل نصحها، والواعظة القادمة من الزمن الغابر وكأن لغتي غير لغة بني قومي
دعنا من هذه الثرثرة كلها فقد تبدو مملة، ولتكن معي – كما عودتني – هنا في عجيبة حيث الجمال الصافي والقوة الصامدة… ففي عجيبة شاطئ فيروزي رقراق حنون مثلك، يبذل ما يملكه من جمال عن طيب نفس، يعطي دون سؤال، ويتلطف دون حاجة… ذلك الشاطئ البديع تحتضنه صخور قوية عنيدة تأبى إلا أن تحميه من كل شائبة وتظلل عليه بجرأة سواء رضي الشاطئ أم أعرض، وكلاهما يمثل نسيجا واحد مميزا، ذلك النسيج هو أنت
فقد رأيت هذا المكان صورة منك، نفس أبية مقاتلة لا تخنع ولا تسلم إلا لما علمته من الحق، لا تلوي على دنيا أو فراش وثير ووجه جميل، انظر معي لهذه الصحراء قد تبدو قاسية، ولكنها في حقيقتها حنونة، تغيَّر وجهها سريعًا رشرشات المطر؛ فتُذْهب قسوتها وتبدي طيب قلبها الأخضر الريان… تماما مثلك، أتتذكر؟
عندما كنت تقبل علي بقبعة جميلة ووجه أبيض ممزوج بحمرة، وهيبة القرآن تكسوك، فأقول لك (من هذا الفلاح الإنجليزي الوسيم الفتان؟) فتملأ ضحكتك الآفاق، فيضحك العالم كله لك وبك ويمتلئ المكان بك فرحة، وتخرج أمي على صوتك وتحاول إشغالي لتفوز هي بك، فأقول لها: لن تأخذيه مني، وتجلس أنت بيننا تسكب علينا سعادة وجودك ولطيف ودِّ
بعدك أيها الحبيب وبعد أمي صرت أعيش في الماضي، لا حاضر أرجوه، وكل آمالي أن يجمعني الله بكما مع أمي خديجة وسيدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفردوس الأعلى، ذلك وحده مستقبلي الآن.

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: