د. نرمين القماح تكتب : وصـايـا أدبـاء غــزة

وصـايـا أدبـاء غــزة

د. نرمين القماح

مدرس الأدب الحديث والمعاصر- قسم اللغات السامية (شعبة اللغة العبرية وآدابها)

كلية الألسن جامعة عين شمس

 

 

 

“من المعاناة بزغت أقوى الأرواح، فأعظم الشخصيات معلمة بندبات”- الأجنحة المتكسرة – جبران خليل جبران

الأدب لا يولد إلا من عمق الصراع بين ما هو ذاتي وما هو اجتماعي، حيث يعيش مبدعه في حالة صراع دائم مع المجتمع، ولما كانت الحرب عملية اجتماعية وسياسية في آن واحد، فإن انعكاساتها الاجتماعية والسياسية تمتد للمجتمع بأسره الذي يخوض هذه الحرب، وتعد رواية الحرب نموذجًا للسرد على مستوى الإنسان والوطن، كما يشغل هذا النوع الأدبي حايزًا كبيرًا من الأدب العالمي، وقد جسدت الروايات العالمية نضال الشعوب في الحروب العالمية الكبرى مثل رواية “الحرب والسلام” لتولستوي، إلى “وداعًا للسلاح” لهيمنجواي.

لو عرجنا على الأوضاع المأساوية في غزة اليوم، وكيف تفاعل معها الكُتاب، فنجد الكاتبة ليلى عبد الله تقارن بين أطفال كتاب “آخر الشهود” الذين وجدوا الفرصة كي يقصوا علينا حكاياتهم، بينما مات أطفال غزة قبل أن يستخدموا أسماءهم، وعاش آخرون لمدة 24 ساعة فقط، وكفنت جثثهم الطاهرة بورقة تاريخ الوفاة بعد يوم واحد في الحياة.

أما الكاتب عاطف أبو سيف يرصد في كتابه “وقت مستقطع للنجاة – يوميات العدوان على غزة” خلال تواجده في القطاع في الأشهر الثلاثة الأولى، وطوال تلك الأيام كان يقوم بكتابة يومياته بشكل منتظم، بحيث يكتب نصًا باللغة العربية، وآخر باللغة الإنجليزية، ويرسلهما للأصدقاء لنشرهما في الصحف مصورًا فيها تفاصيل الحياة في غزة في رحلة كفاح يومية، انتقل فيها الكاتب من غزة والشمال بعد 46 يومًا إلى خان يونس ثم لخيمة غرب رفح برفقة نجله ياسر عرفات.

ويقول أبو يوسف في مقدمة كتابه: “إن هذه الرحلة يرتقي فيها الشهداء، ويذهب الأصدقاء، ونقابل الدموع والأحزان، وهدم بيت العائلة، والجوع والبرد والوجع، حيث كانت الكتابة مهمة ومسؤولية”. وكان ملفتًا هذا الانتظام والتفاصيل التي حفلت بها اليوميات التي تشكل وثيقة تاريخية اجتماعية ثقافية عن لحظة في تاريخ شعبنا الفلسطيني، يكتبها روائي عاش تفاصيلها مع ابنه الذي يبلغ ال 16 في الخيمة، بعين الكاتب، ابن المكان الملم بتاريخه والمخلص لآلام الناس وحكاياتهم”.

نُشرت هذه اليوميات في كبريات الصحف في العالم مثل: “نيويورك تايمز”، و”الغارديان”، و”واشنطن بوست”، “الليموند”، “العربي الجديد”. وقال ناشر أبو سيف باللغة الإنجليزية، ووكيله باللغات الأجنبية، إن الكاتب تنازل عن حقوقه من عوائد الطبعة الأولى في كل اللغات الأجنبية لصالح ثلاث جمعيات خيرية تعمل في بريطانيا، من أجل تأمين مساعدات الإغاثة لصالح النازحين والمهجرين في قطاع غزة، وهي جمعية المساعدات الطبية للفلسطينيين، وتحالف أطفال الشرق الأوسط، وحملة التضامن مع فلسطين في شيفيلد.

أما دار “مرفأ” في بيروت أصدرت كتابًا حديثًا لمجموعة من المؤلفين وهو كتاب “الوصايا.. شهادات مبدعات ومبدعين من غزة في مواجهة الموت”، الكتاب فكرة وتحرير الشاعرة والمترجمة الفلسطينية ابنة يافا “ريم غنايم”، وقدمه الكاتب الأرجنتيني “ألبرتو مانغويل، والفيلسوفة وأستاذة البلاغة والأدب المقارن الأمريكية جوديث بتلر.

يفضح الكتاب جرائم الحرب التي يتعرض لها الفلسطينيون في غزة، وضم الإصدار 17 وصية لمبدعين من غزة، شهداء وأحياء، وهم: الروائي والقاص يسري الغول “وصية رجل حالم”، الشاعر والمترجم الشهيد رفعت العرعير “إذا كان الموت لزاماً علي”، الكاتبة هناء أحمد “أريد أن أنجو”، الكاتب سعيد عبد العزيز “على قبري”، الشاعر والكاتب الشهيد سليم النفار “إعلان براءة”، الشاعرة والروائية أمل أبو عاصي “لقد زال همكم إلى الأبد”، الممثل والمخرج علي أبو ياسين “دقائق الحرب الطوال”، المترجمة والكاتبة نجوى غانم “غرفة آمنة”، القاصة ليان أسامة أبو القمصان “لا أمل لنا بالنجاة”، الشاعر والصحفي حسام معروف “منحاز لفكرة السد”، الشاعر حسين حرز الله “على قيد ما يشبه الحياة”، الكاتبة نعمة حسن “أنا نعمة حسن”، الشاعر والكاتب مصعب أبو توهة “إن كنت سأموت”، الطفلة ميار الجزار “اسمي ميار”، الكاتب والقاص سعيد محمد الكحلوت “بحثاً عن مأمن”، الشاعر والباحث يوسف القدرة “حياة كأنها الأبد”، الشاعر والروائي ناصر رباح “لم يعد الموت يهمنا”.

وجاء في الإهداء: هذا الكتاب مهدى لروح الفنانة التشكيلية الفلسطينية هبة زقوت (1984-2023) التي ارتقت مع طفلها جراء القصف الإسرائيلي في الثالث عشر من أكتوبر 2023. واللوحات داخل الكتاب رسمتها هبة بعناية فائقة وهي هنا لتؤكد أن الفن يواسي من كسرتهم الحياة.

ومن ثنايا الكتاب نطالع من وصية حسين حرز الله بعنوان “على قيد ما يشبه الحياة” النص التالي: “يا غزة امضي بنا هذه المرة إلى نهاية أخيرة أو بداية جديدة وأخيرة أيضا. لا تتركينا مرة أخرى معلقين من أجسادنا في الهواء بين هدنة أو وقف للنار. ولا منتظرين في طوابير طويلة للموت الذي نأخذه في أكياس موسومة بشعارات الأمم المتحدة! أو بدعايات الأمم العربية والإسلامية افعليها هذه المرة. مرة واحدة وإلى الأبد! وجنبينا تصريحات العالم الفاشي والكاذب.. امنحينا يا غزة حياة جديدة لنا جميعًا، فوق الركام، أو موتًا نهائيًا لا يُبقي من يبكي منّا علينا.. ولا يبقى بعده من يواري أشلاءنا وأجسادنا، تحت الأرض”.

على الرغم من قسوة فكرة أن يدون الكاتب وصيته للعالم – موته بين المحتمل والمؤكد، فإنّ حياة جديدة ولدت من قلب هذه القسوة لتكون وثيقة للتاريخ والأدب، تترنح بين سعي للصمود في وجه الموتِ ووقوفٍ في استراحة لحظية من الزمان والمكان من دون تحديد وجهة. ترسم هذه الوصايا والشهادات شعرية جديدة، وتقبض على المعنى مرة وتفلته مرات، وتمنح للمشهد الأدبي الفلسطيني عمومًا التفكير في العلاقة باللغة والكتابة، بين الصمت والصوت، ومدلولات المعنى الكامن فيهما بما يتجاوزهما أيضًا.

بلا شك، أدخلتنا الحرب على غزة في صلة جدلية بالكلمات وحربها، وبكلّ ما هو خارجها، بما في ذلك حربها ضدنا، لتكشف بغضبها وثورتها ويأسها والأمل الكامن فيها عن قدرة الفلسطيني على التقويض والبناء تلقائيا، وهو يتأمل المشهد الدامي ويسكت.

في بداية شهر مارس، أصدرت وزارة الثقافة الفلسطينية كتابًا بعنوان” كتابة خلف الخطوط.. يوميات الحرب على غزّة“، يتضمّن مساهمات لخمسة وعشرين كاتبًا وفنّانًا، توثّق حياتهم الشخصية وتفاصيل معيشتهم خلال الإبادة الجماعية المستمرّة، منذ السابع من أكتوبر 2023.

الجزء الثاني من “كتابة خلف الخطوط (2)” صدر نهاية شهر مارس، مشتملاً على أربعة وعشرين نصًا لشعراء وكتّاب وفنانين وناشطين في المشهد الثقافي الفلسطيني في غزة، تتناول يوميات العدوان الصهيوني، كما تضمّن الكتاب رسومات من أعمال الفنان نواف عمرو.

وصلت هذه الكتابات إلى الوزارة على شكل ورق مكتوب بخطّ اليد، أو رسائل جوّال قصيرة، أو رسائل صوتية. وهي مكتوبة في خيام النزوح أو مراكز الإيواء، وقد أخذت أشكالاً مختلفة في تعبيراتها الأدبية، ومضامينها التي ترصد تفاصيل غاب كثير منها عن نشرات الأخبار.

في التقديم، أشار وزير الثقافة الفلسطيني عاطف أبو سيف إلى أن الكتاب الثاني يأتي ضمن سلسلة من الكتابة خلف الخطوط، مضيفًا “هذه الشهادات كتبها نخبة من الكتاب والفنانين في غزة من أماكن نزوحهم ومن خيامهم، تحكي عنهم وعن حياتهم وتفاصيل بقائهم. كل منهم كتب بلغة وبطريقة مختلفة؛ فمنهم من كتب ما هو أقرب للشعر، ومنهم من كتب يومياته على شكل قصة، ومنهم من كتب مونولجات وحوارات مسرحية، ومنهم من سرد بتأمل واقعاً بات عليه أن يتكيف معه”.

ويضمّ الكتاب شهادات كل من إبراهيم حمدان، وأحمد عاشور، والشهيد أحمد الكحلوت، وأكرم الصوراني، وبيسان نتيل، وحيدر غزالي، وخالد شاهين، وزهير البلبيسي، وسائد حامد أبو عيطة، وشاهيناز غازي أبو شبيكة، وشجاع الصّفدي، وعبد الرحمن الهبيل، وعرب محمد، وفداء زياد، وكفاح الغصين، ومحمد أبو كويك، ومحمد الزقزوق، ومحمود روقة، وميسا عصفور، ونجوى شمعون، ونهيل مهنا، وهاني موسى، وياسمين نصر العابد، ويسري الغول.

ممّا كتبه الشاعر حيدر الغزالي، المولود عام 2004، وأصغر المشاركين في الكتاب، تحت عنوان “بكاء مُؤجل”: “لو أن الموت لا يأتي على عجل، لجهّز البشر أنفسهم للرحيل، لفضّلوا الموت في أماكن يحبّونها، كشرفة المنزل مثلًا، يحملون كوب شاي في كفة، وقلبهم في كفة أخرى، لكن الأمر في غزة يختلف، فكلّ فرصة للحياة، هي فرصة للموت أيضًا… كأن الزمن قد توقّف، والرؤية قد انعدمت، حتى أزال كلّ واحدٍ يديه عن عينيه… لماذا نغطي وجهنا عند الخطر؟ لماذا لا نحمي قلبنا مثلًا، لماذا لا نحبّ أن نرى الحياة في أشد لحظاتها قسوة؟”، قبل أن يكتب مُستهجنًا: “لا أعرف كيف يتحوّل المرء فينا إلى أشلاء، لا أعرف كيف تخون أجسادنا نفسها، وتتطاير في الهواء، صعبٌ حين تجدُ يدًا، تسأل عن صاحبها بعد ذلك… لا أعرف إن انتهت الحرب يومًا، كيف سيعود الطفل إلى ذات المدرسة التي ماتت بها أمّه أو مات بها أخوه، هل سيركض في ساحة المدرسة، أم ستعلق الذكرى في قدمه، ويسقط”.

و”من رواق الخيمة” كتبت الشاعرة كفاح الغصين: “تفاصيل الحياة في الحرب موجعة، الحياة بمجملها فيها عبارة عن طوابير لا تنتهي، والناس جميعًا أصبحوا كثيران السواقي، يدورون طوال اليوم مغمضي العيون، بلا أرواح، بلا حياة… يجب الوقوف في طابور شراء الخبز، وهذا الطابور لم يطُل، فقد استهدفت الطائرات الحربية المخابز التي بالأساس شُحّ فيها الدقيق، وتم استبداله بالعجن والخبز في البيوت على الحطب بعد نفاد غاز الطهي عن آخره. يجب الوقوف في طابور المياه الصالحة للشرب، قد تقف ساعات طويلة لكي تحظى بـ”جالون” أو اثنين لا يكفيان للشرب أو للطبخ أو لإعداد الشاي والقهوة، تلك القهوة التي أصبح البائعون يقومون بغشّها لتصبح مسحوق حُمُّص أو ورق غار أو حبوب متنوعة محمصة يبِيعونها على أنها قهوة، ورغم إدراك المشترين ذلك، إلا أنهم يغضّون الطرف من باب “ريحة البر ولا عدمه”… وهناك طابور شحن البطاريات والجوّالات والأجهزة اللوحية، فلا كهرباء منذ بداية الحرب، ولا مصابيح تزيّن الشوارع السوداء، ولا شبكات إنترنت صالحة، ولا شيء مُباح سوى الموت المجاني القريب المُلاصق لكلٍ منّا”.

وتابعت الغصين شيئًا من سرديّتها عن يوميّات الحرب: “طوابير كثيرة، ووجوه تتآكل يومًا بعد يوم، هامات تضمحل شيئًا فشيئًا لتصبح نقاطًا سوداء تسير دونما هدف، هكذا “كما اتفق”، تتفقد أحبابها دون الوقوع في الصدمات البديهية التي تحدث عادة عند موت أحدهم، أو موتهم جميعًا حتّى، فالتعاطي مع الموت وطامة موت الأحبة أصبح عاديًّا يتم التعايش عقبه بسلاسة، وكثيرًا كثيرًا ما تساءلت: هل ضياع الأحاسيس بهذا الشكل المرعب طبيعي؟ هل من الطبيعي تقبّل خبر موت حبيب لك، أو خبر دفن عائلة بأكملها من أحبابك تحت أنقاض بيتهم أو بيوت الجيران بسكوووون وصمت وكثير من البلادة؟ هل هذه الأشياء طبيعية أم أصبحنا جميعًا مرضى نفسيّين رغمًا عنا؟ … تساؤلاتي المتكاثرة هذه، والتي تتحالف مع الطائرة الزنّانة تشرخ جمجمتي، تصيبني بصداع يقرّبني من الجنون”.

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: