د. علي زين العابدين الحسيني يكتب: تألق السعادة

تألق السعادة

د. علي زين العابدين الحسيني |كاتب وأديب أزهري

 

في الزاوية الهادئة من الحي تنبعث رائحة العيد من كل بيت، تتغلغل في كل زاوية، تحمل معها البهجة والسرور، وتعيد للقلوب ذكريات الطفولة الجميلة. كان العيد في تلك الأيام الجميلة من أبرز الأحداث التي ننتظرها بشغف لأشهر، فتملأ البسمات وجوه الأطفال، وتتزين الشوارع بألوان الفرح، وتتجلى مظاهر الألفة والمحبة بشكل ملحوظ.

تمر الليالي الأخيرة من شهر رمضان كالبرق، محملة بالحنين والدعاء، وكل لحظة تمضي تزيد من شوقنا للعيد، تزدان البيوت بأجمل الزينة والتزيين قبله بأيام، وتمتلئ الأسواق بالأطفال والآباء؛ وهم يبتاعون أجمل الملابس والهدايا لهذا اليوم المميز الفريد.

تشهد القرى في ليلة العيد مشهدًا فريدًا وحدثاً مميزًا؛ يعبق بالروحانية والفرحة، فتتحوّل المساجد إلى معابد للتسبيح والتكبير، وترنّ أصداؤها بأصوات التكبير التي تعلن قدوم العيد، وترتسم البسمة على شفاه الصائمين. وتُلفت المآذن أنظار الناس بجمالها ورقيّها، تعزف نغمات التهليل بإيقاعٍ متناغم يعبّر عن فرحة اللقاء بالعيد، وتحقق النصر على النفس في هذا الشهر الفضيل، وتفتح أبواب المنازل لاستقبال زوار العيد وضيوفه، حيث ينبض قلب كل بيت بالحب والترحيب، ويتجلى التضامن والتآخي بين الجيران.

في يومٍ كهذا يتفتحُ الصباح بألوان السعادة، وتمتزجُ رائحة الفرح بنسمات الهواء النقيّ، فتمتلئ الأرواح بالبهجة والسرور. يُعيدُ هذا اليوم المميّز تجديدَ روح الألفة في أروقة المنازل، تتلألأ العيون بنور الأمل، وتتسامى القلوب بمشاعر الرضا. يتلاقى الناس في جوٍّ من الود والمحبة، يتبادلون الذكريات الطيبة، محمّلين قلوبهم بالعطف والتعاطف.

ليس العيد يوماً عابراً، بل هو ملتقى اجتماعي يجمع الأحبة، ويبث في نفوسهم السرور والهناء.

وصل صباح العيد، وبدأت تتكشف الطقوس الخاصة به، يستيقظ الأطفال باكرًا مليئين بالحماس والشغف، يتنافسون في ارتداء أجمل الملابس الجديدة، ويتبادلون التهاني والضحكات مع العائلة والأصدقاء، تتوجه الأسرة بجميع أفرادها إلى المسجد لأداء صلاة العيد، وهم يحملون في قلوبهم أمنياتهم وأمنيات أحبتهم، ثم يعودون إلى المنزل لبدء احتفالاتهم بالعيد، فيجتمع الأهل والأصدقاء من جميع أنحاء البلاد للاحتفال بتلك المناسبة السعيدة.

يبدأ اليوم بالزيارات العائلية، فتنتشر السعادة على الوجوه، ويتبادل الجميع التهاني والتبريكات في كل مكان، وتعم الفرحة والسرور الأجواء، ثم يتناولون وجبة الإفطار الخاصة بيومه، والتي تضم أطباقًا شهية وحلويات تقليدية، وتمتد الاحتفالات طوال اليوم مع لحظات فرح وبهجة، ولعب الأطفال وصخبهم وهم يجتمعون في الشوارع للاحتفال وتبادل الهدايا.

تتضاءل الفجوات بين الناس في يوم العيد، حيث يتبادلون العناقات بكل حب ومودة. يتجمع الأقارب والأصدقاء حول موائد الطعام، يشتركون في وجبات شهية ويتبادلون الأحاديث والضحكات، يعيشون لحظات لا تُنسى تجسد الألفة والمحبة بينهم، فالأسر كلها أسرة واحدة يكمل بعضها سعادة بعض.

أجل، في أيام العيد تتنفس المساجد بروح جديدة، ترتفع الأصوات بالذكر والتهليل والتكبير؛ لتعلن الفرحة وتبث السعادة في كل زاوية. وفي المنازل تشهد المشاهد الممتلئة بالمصافحة الحارة والعناق الصادق؛ لتتواصل الأرواح وتتقارب القلوب في جوٍ من الود والمحبة. وعلى أرصفة الشوارع تزخر الأماكن بالألوان والزينة؛ لتعمّ الفرحة والبهجة بين الأطفال والكبار، وتتحوّل الساحات العامة إلى ملاعب للمرح والاحتفال. وفي موائد الأسر تتناغم الأذواق وتتلألأ الأطباق بأشهى المأكولات والمشروبات؛ لتجتمع الأسر حول الطاولة الغنية في لحظات تعبق بعبق السعادة والوفاء.

كل عام وأنتم بخير! عيد مبارك! عيد سعيد! عيد فطر مبارك!

في لحظة الاحتفال بعيد الفطر المبارك تتبادل الأرواح التهاني والتبريكات بكلمات تتسابق للخروج من القلوب المفعمة بالمحبة والألفة. تترنم العبارات بالبهجة والفرح، وتتدفق الأماني كأنها نهرٌ جارٍ متجدد العطاء. إنها كلمات تبعث على الدفء والتلاحم! فهي تُحيي الروابط العميقة بين الأحبة، وترسم الابتسامة على وجوههم.

إنه عيدٌ يتجدد فيه التواصل واللقاء، وتتجلى فيه أروع معاني التضامن والتآخي!

تظهر مظاهر العطاء والتضامن بوضوح في يوم العيد، حيث يتبرع الأثرياء للفقراء والمحتاجين، ويحرص الناس على مساعدة بعضهم البعض في تلبية احتياجاتهم وتحقيق أمانيهم. تصبح الشوارع مليئة بالأيدي البيضاء التي تمدّ العون والمساعدة لكل من يحتاجها، وتتعزز الروابط الأسرية والاجتماعية في يومه، حيث يتجمع الأهل والأصدقاء لقضاء وقت ممتع معًا، يستعيدون فيه ذكريات الطفولة، ويتحدثون عن أحلامهم وتطلعاتهم المستقبلية، ويشعرون بالسعادة والراحة بوجود بعضهم البعض.

كم هي رائعة أيام العيد! كنت أشهد في طفولتي حلول العيد ببريقٍ خاص، حيث يعطي العيد لمظهر الطبيعة حيويةً جديدة بوميضٍ من البهاء ينعكس على وجوه الناس، ويمنح القلوب قسمًا من دفء الاحتفال وحلاوة الاجتماع!

تتراجع الاحتفالات مع غروب الشمس تدريجيًا، لكن الذكريات الجميلة بأوقاته تبقى خالدة في قلوبنا، تحملنا بعيدًا إلى أيام الطفولة البريئة، وتشعرنا بالفرح والسعادة كلما عادت إلينا رائحة العيد، وأصوات الضحكات، والأناشيد العيدية.

ومع اقتراب نهاية يوم العيد تبقى المحبة محفورة في قلوب الناس، تذكرهم بأهمية التضامن في بناء مجتمع قوي ومترابط. فالعيد ليس مجرد مناسبة للاحتفال، بل فرصة لتعزيز الروابط الإنسانية، وتقوية العلاقات الاجتماعية، مما يجعله لحظة تترك أثراً إيجابياً يمتد طويلاً في حياة الناس.

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: