د. سمر عبد العظيم تكتب: سأتبعك الى الجحيم

استيقظت اليوم باكرا ولم تكن الشمس قد أضاءت سوي سطح ذلك البيت الوحيد في الأفق وقد بدا صغيرا في حجم رأس دبوس ألقاه ملق في أقصي الشرق

بدا الضوء وقد كسا السطح الأحمر وكأنه نزف يكسي رأس أحدهم ربما هكذا بدا لي كما اعتدت أن أراه في أضغاث أحلامي. فكل أحلامي لها لون كلون الشفق الباكي لا أستطيع أن أري أي لون اخر اذا ما أسدلت جفوني. انا اعتدت ذلك المشهد فلم يعد يخيفني. بات كلقاء يومي مرتقب تنتظره حتي وان كرهته. ولكن مالم أستطع أبدا تقبله أو التأقلم معه هو ذلك الصوت الكئيب الذي مانفك يثرثر في خلفية رأسي منذ تكون لي وعي بالدنيا من حولي.

هذا هو أقدم صوت عرفته أذناي وأولهم بيد أنه كذلك أول صوت سمعه بني جنسنا ممن تفاخر بنيران نشأ عنها.

أما أنا فهذا الشيطان قابع داخل رأسي منذ ولدت بل ان له وجه خلف رأسي يحركه شره الخاص، يتهكم بي ويتنمر علي فيبكي ان انفرجت أساريري ويتبسم كطير جارح وجد جيفته اذا ما بكيت.

اليوم حين استيقظت كنت علي موعد مع النور أردت أن أشكو اليه ظلام الليل وكل ليل، ظلام يحيق بناظري ويملأ رأسي، ظلام لا أستطيع الهرب منه الا ان هشمت وجه الشيطان. منذ عزلت نفسي في منزلي بعد عيد ميلادي الثالث والعشرين وقد أصبحت رهينته يفعل بي ما يشاء. فهو يعلم أن أحدا لم يعد يصدق شكواي. ومن يصدق أن توأما لم تلده أمي التصق بي ككائن طفيلي ذاب بكياني فلم يبق منه الا ذلك الوجه الظالم يلتصق بخلفية رأسي. من يصدق أنه أخفي في رأسي كذلك صوتا يوسوس كرها و قهرا؟! كان الصوت يعذبني دوما، صحوا ونوما علي ذنب لم أقترفه، فأنا لم أختر أن أولد كاملا ولم يكن لي ارادة حين التهمته نطفة.

اليوم هو يوم الخلاص فأنا لم أعد أطيق حياة لا مهرب فيها من الكره. حين تستمع الي كلمات الكره دون انقطاع فانه ينتهي بك الحال وقد كرهت نفسك أما عني أنا فأنا لم أعد أريد البقاء معه كرهته أكثر من كرهي لذلتي وفاق غضبي عليه أي شعور بالذنب تجاهه. اليوم حدثتني الشمس قبل شروقها أنني لازلت أملك قرارا أوحدا لا ينازعني فيه أحد. فأنا لازلت أقدر علي حرمانه من الحياة ومن جسد استباحه منذ النشأة.  لن أقف أمام مرآة وأنا أنزف لأحرمه الحياة فأنا أكره الوجه الذي لا تراه المرآة. سأغمض عيني ليرن صوته في أذني علي أتذكر كل كلمة ظلم نطقها فسمعتها وحدي. سيسيل دمي حارا فأهبط في وسط بحيرة امتزجت فيها دماؤنا معا. أسارع لأبقي يقظا فأنا أتوق لتلك اللحظة التي يختفي فيها صوته فأنعيه قبل أن أسلم للموت. أسمع خواره في رأسي كثور هائج أغضبه النحر ، تمنيت لو اعتذر مني أو طلب السماح عن عمر أهدره علي كلينا ولكن حتي خواره أثار في الكره!! لا أريد أن أسمع صوته ولا حتي احتضاره فأنا أريد تلك اللحظة لنفسي…. أختص بها وأنا الذي لم أختص بشيء من قبل. لكنه لم يكف عن الخوار والسباب. يسري الصقيع في أطرافي وقد غادرتها الدماء فبقيت جافة باردة منزوعة الإرادة. الهواء في صدري ينقطع فلا يصل الي رأسي، أفقد البصر والشعور ولكني لازلت أسمعه!! أحاول ان اتمسك بأخر لحظاتي وجسدي يرتجف رجفة أخيرة لا أستطيع بعدها البقاء. أغادر وكلمته هي الأخيرة كما كانت طوال حياتي. أغادر وكلمته ظالمة كافرة أكثر من أي كلمة أسمعني اياها في حياتي ” سأتبعك الى الجحيم”

 

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

شاهد أيضاً
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: