ديوان في رحاب الإيمان للشاعر مصطفى أبو غيدة – إضاءة نقدية 

ديوان في رحاب الإيمان للشاعر مصطفى أبو غيدة - إضاءة نقدية 

 

الأستاذ الدكتور إبراهيم عبدالعزيز زيد

 

لكل مصطلح دلالته  الخاصة عند من أوجده وفي البيئة التي ازدهر فيها. والمصطلح الأدبي  قد يرتبط بنوع أدبي معين دون الآخر أو يجد حظوة في الدلالة على اتجاه أدبي محدد  أو غير ذلك، وهو ما يجعل له خصوصية في الاستعمال. وخصوصية المصطلح الأدبي ناتجة من كون الأدب نشاطا إنسانيا، وهو ما يجعله بالضرورة أدبا متغيرا، وتغيره يقتضي بالضرورة مراجعة ما يعلق به من عصور سابقة عليه؛ ومنها المصطلحات حتى لايقع الخلط بين المصطلحات لمجرد تشابه ظاهر على السطح متباين في المستوى المعرفي مثل: السرقات والتناص.

وقد راج في الثلث الأول من القرن العشرين مصطلح (شعر المناسبات) أو (أدب المناسبات) ووجد فيه أصحاب مدرسة الديوان ضالتهم في محاولة إقصاء مدرسة الإحياء والبعث بوصفه مصطلحا يندد بكل مايقف بين المرء وذاته. وذاع المصطلح في سياق اجتماعي كانت مصر فيه تسعى للتحرر من الاستعمار الأجنبي (تحرير الذات من قبضة الآخر).

وبدهي أن الرغبة في إعلاء تنظيرات جديدة تقوم على نقض الثابت والمستقر، وأن يكون الهحوم على أعلام المدرسة الإحيائية: أحمد شوقي وحافظ إبراهيم.

قد يجد  كلام أصحاب مدرسة الديوان صدى طيبا لو وجه إلى العشرات من معاصري شوقي وحافظ من الإحيائيين الذين لم يضيفوا إلى تراث سابقيهم؛ بعبارة إليوت الفارق كبير بين أصحاب التقاليد وبين أصحاب الموهبة الفردية الذين يستوعبون تقاليد من سبقهم ويتجاوزونه.

وقد خاصم مصطفى ناصف رحمه الله في رسالته إلى الشعراء هؤلاء الذين يربطون دوما بين رداءة الشعر وشعر المناسبات، وكان شعر أحمد شوقي مجال تطبيقه.

قامت مدارس شعرية وخمدت أخرى وتغيرت مفاهيم كثيرة، وبقي شعر المناسبات له حضوره الدائم في القصيدة العربية، وأزعم أنه لم يفارق الشعر العربي من قديم الزمان ولكنه في الوقت نفسه متغير بتغير الشعراء واختلاف رؤاهم عن العالم. وهو متباين بين المقلدين الذين عرفوا شيئا من تراث الأقدمين في أساليبهم وصورهم وأوزانهم الشعرية فكان أشبه بالمخزون اللغوي الذي يمكن أن يستدعى في ظرف ما.

وأصحاب الموهبة الفردية الذين تمرسوا على ألوان من الشعر مكنتهم من قراءة وجوه البشر وتفرس دروب الحياة؛ لأنهم استطاعوا أن يتخذوا من الظرف الطارئ أو المناسبة وسيلة للتعبير عن موقفهم من الحياة والبشر؛ لذلك يزول العارض وتبقى قصائدهم.

٢

ينتمي ديوان (في رحاب الإيمان)  للشاعر المرحوم مصطفى أبو غيدة (1934م – 2012 م) إلى هذا النمط من الشعر الذي يسمى شعر المناسبات، وقد صدر الديوان عن مكتبة الآداب بالقاهرة العام ٢٠٠٨م بتقديم الناقد المرحوم الأستاذ الدكتور علي علي صبح، والديوان هو مجموع ما انتخبه الشاعر من أشعار كتبها في حياته، وأقدم تاريخ مثبت يعود إلى أوائل سبعينيات القرن العشرين. وينقسم الديوان إلى ثلاثة أقسام رئيسية هي:

– القسم الديني: وتناول فيه مناسبات دينية عامة مثل المولد النبوي، وهجرة الرسول وليلة الإسراء والمعراج، وحظيت وحدها بست قصائد.

– القسم الاجتماعي: وتناول مناسبات عامة للشاعر والمحيطين به من أبناء وحفدة وأقارب وجيران وزملاء عمل في مناسبات خاصة قد تتصل بالميلاد أو السفر أو تحقيق سبق علمي أو الرثاء أو بلوغ سن التقاعد مع قصائد مدح لأطباء ماهرين لهم دور في حياة الأسرة وماشابه.

– القسم الرياضي: وهي قصائد في مدح المنتخب الكروي الوطني أوناديه الكروي المفضل وهو يتفوق على أقرانه في مناسبات رياضية مختلفة.

وبلغ مجموع القصائد في الديوان  ثلاثا وثلاثين ومائة قصيدة استأثر القسم الاجتماعي وحده بخمس وسبعين قصيدة، واكتفى في القسم الأول بثمان وأربعين قصيدة دينية، والقصائد الباقية وعددها عشرة للقسم الرياضي.

وهذا التفاوت بين القسمين الديني والاجتماعي سرعان ما يتوارى إذا نظرنا إلى عدد الأبيات إذ بلغ مجموع أبيات الديوان سبعا وستين ومائة وثلاثة آلاف بمتوسط تقريبي للقصيدة الواحدة بلغ أربعة وعشرين بيتا، ومجموع أبيات القسم الأول هو سبع وتسعون وأربعمائة وألف بيت بزيادة طفيفة عن القسم الاجتماعي وصلت تسعة وثلاثين بيتا، وتوزعت قصائد القسم الأخير على اثنين وعشرين ومائتي بيت.

يشير التوصيف الأنطولوجي للديوان إلى أن شعر أبي غيدة مغاير تماما لسمات القصيدة الإحيائية التي تتسم بالطول المفرط أو تتجه إلى مدح أو رثاء الأعلام من الذين يعرفهم القاصي والداني (وإن وجدنا بعض أعلام الأدب والدين والتصوف مثل مرثيته في  الشيخ محمد متولي الشعراوي) أو غير ما ذكرنا. وفي الوقت نفسه لم تفارق قصائد الديوان أدب المناسبة، وإن اتجهت قصيدة أبي غيدة إلى مايمكن أن نسميه سيرة شعرية؛ لأن قارئ الديوان سيتعرف فيها على معالم شجرة عائلة الشاعر وأقرانه وأسفاره سواء أكانت في رحلات دينية مثل أداء المناسك أم في رحلات عمل مثل شعره في زملائه بالجزائر، واهتماماته بالمناسبة الدينية والمناسبة الكروية.

ومن جهة أخرى اتسم شعر أبي غيدة بسمات خاصة انبثقت من فهمه الخاص لوظيفة الشعر. وهو ما يمكن أن تبينه ابتداء من دلالة العنوان (في رحاب الإيمان)، وهو يحيل بالضرورة إلى ربط الشعر بالمفهوم الأخلاقي؛ أعني أن الشعر لا يخرج عن كونه وسيلة تعبيرية هي من جنس الكلام، والكلام منه الطيب والخبيث، وإذا حسن هذا الكلام وطاب فهو الغاية الخلقية المنشودة؛ لذلك لم يكن غريبا أن تكون مناسبات النادي الأهلي الكروية أو المنتخب الوطني تندرج تحت (رحاب الإيمان) وكل ماجاء في القسم الاجتماعي كذلك فضلا عن القسم الديني. وترتب على هذا الفهم أن يقدم الشاعر للقسم الأول من الديوان بمقدمة شعرية يحمد فيها الله على ما أنعم به على الإنسان من عقل ووجدان ولسان ناطق يميزه عن الحيوان ثم رجاء منه بقبول الكتاب – الديوان :

شكرا لك اللهم & بالغت في الإحسان

واقبل كتابا تم & بمعونة الرحمن

غفرانك اللهم & يا واسع الغفران

وأن يرفع الديوان إلى الذات الإلهية (بوصفه عملا – نشاطا إنسانيا) وأن يوجه إلى نبي الأمة وسيد الخلق صلى الله عليه وسلم ثم لأبويه مصدر تنشئة الإيمان وكل من يتلو قصائده وفقا لهذا الفهم :

الشعر أرفعه لرب قادر & لعلي أفوز بنعمة الرضوان

ولكل من يتلو القصائد واعيا & متدبرا ما قد حوت لمعان

ويترتب على كل ما سبق لازمة مهمة هي الخشية من وقوع الزلل دون قصد، وهي ما عبر عنها صراحة في الإهداء :

أرجو القبول مع الرضا متأسفا & عن هفوة أو زلة للسان

وعبر عنها بشكل عملي في خاتمة القصيدة التي تأتي دوما منتهية بالصلاة على النبي المختار؛ كما في قصيدته (الطريق إلى روما) عند وصول المنتخب الكروي المصري إلى كأس العالم ١٩٩٠ :

صلوا على المختار أكرم شافع & جعل الرياضة صحة الأبدان

ويمكن أن نتبين – في ضوء هذا الفهم – لماذا آثر الشاعر انتخاب مجموعة من قصائده وإسقاط أخرى، وتقديري أن المعيار الأخلاقي سابق على أي معيار فني.

يغدو الشعر بهذا المعنى نشاطا إنسانيا مهما، وهو في الوقت نفسه شعر يشبه شعر الأوائل من حيث هو (ديوان العرب) كما في قصيدته التي كتبها بمناسبة عيد نادي القصيد الفضي، وهو الملتقى الشعري الذي يجتمع فيه مع أقرانه من الشعراء :

فالشعر ديوان العروبة مجدها & قد صيغ درا لامعا بصفاء

يبقى على مر السنين منضدا & فيه الأصالة توجت برواء

وتظهر للشعر هنا وظيفة حماية التراث الشعري بأوزانه الخليلية وبنائه العمودي :

يا دولة الشعر الرصين تبوئي & أسمى المراتب في رفيع سماء

فرجالك الأحرار صاروا أنجما & كالشمس تبعث بالسنا الوضاء

وهم الذين يجاهدون لتسلمي & من هجمة الأغرار والغوغاء

من حاربوا شعر الأوائل وادعوا & أن القوافي بؤرة الإعياء

ويمكن أن نضيف إلى ماسبق أن الشاعر قد يختلط دوره بالواعظ أو المعلم أو الخطيب أو الأب هنا، وهو في كل الأحوال يحمل رسالة أخلاقية، ولأن محتوى الرسالة – أخلاقيا – جوهره واحد يكرر الشاعر بعض الصور وبعض الأفكار كما في قصيدتين تتحدثان عن فكرة التقاعد بعد بلوغ سن المعاش، وقد يعيد المحتوى بصياغات أخرى تأتي على سبيل التذكير كما في قصائده عن ليلة الإسراء والمعراج.

والدائرة المحيطة به من أبناء وأحفاد أولى الناس رسالته الأخلاقية وهو قبلهم؛ لذلك تبرز هذه الرسالة الأخلاقي في ثوب واضح ولغة توصيلية أكثر منها تعبيرية٦  كما في قصائده التي أرخ فيها الشاعر مصطفى أبوغيدة إلى تقاعده:

أديت عملي في الوظيفة راشدا & وتركتها عند المعاش بصحة

أدعوك عونا كي أتم رسالتي & بزواج أبنائي ورفعة أسرتي

وقصيدته إلى ابنه إسلام (إسلام يا خير الرجال) :

يا نور عيني (العين) خطبت ودكم & وتلألأت ترنو لخير الفتية

هيا إلى العمل الشريف بمعهد & يبني الشباب يقيم صرح الأمة.

وكل ما سبق يصح معه أن تقوم القصيدة مقام الرسالة الإخوانية أو الاتصال الهاتفي بين الآباء والأبناء مثل (الشوق أضناني – فارس الدين).

لعل هذه الإضاءة النقدية تكون دعوة لإعادة قراءة ديوان الشاعر مصطفى أبو غيدة مع دواوين أخرى.

 

مقالات ذات صلة

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: